النص الكامل للتقرير السياسي لحزب العدالة والتنمية خلال الدورة العادية للمجلس الوطني المنعقد يومي السبت والأحد ببوزنيقة


التقريرالسياسي المقدم من قبل النائب الأول للأمين العام د.ادريس الأزمي الادريسي أمام الدورة العادية للمجلس الوطني تحت شعار الصمود والتعبئة لمواصلة النضال من اجل مصداقية الاختيار الديموقراطي وكرامة المواطن المنعقد يومي السبت والأحد 25و26شعبان 1447ه الموافق 14و15 فبراير2026 بمجمع مولاي رشيد للشباب والطفولة ببوزنيقة
بسم الله الرحمن الرحيم،
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛
⦁ الأخ الأمين العام،
⦁ الأخ رئيس المجلس الوطني،
⦁ الإخوة والأخوات أعضاء الأمانة العامة،
⦁ الإخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني؛
⦁ السادة والسيدات رجال ورجال الصحافة الإعلام؛
⦁ السادة والسيدات عموم المشاهدين والمتابعين؛
أبدأ بحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به على بلادنا من أمطار وثلوج الخير والبركة، سائلين إياه عز وجل أن ينفع بها البلاد والعباد، وأن يحيطنا بألطافه الخفية وأن يحفظ بلدنا من كل مكروه.
كما نغتنم هذا المناسبة، لكي نجدد تضامننا مع ساكنة المناطق المتضررة جراء الفيضانات التي شهدتها بلادنا مؤخرا، ولكي نشيد بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها، بتوجيهات حكيمة وعناية خاصة من جلالة الملك، مختلف السلطات العسكرية والأمنية والحكومية والترابية، وفرق الوقاية المدنية والقوات المساعدة، في إنقاذ ومساعدة المتضررين، وبمستوى التضامن الشعبي الراقي، وبالتزام المواطنين والمواطنات بالقرارات المتخذة من قبل السلطات العمومية لتجنب الخسائر في الأرواح والتخفيف من الآثار المادية لهذه الفيضانات.
وبهذا الخصوص، لابد من تنبيه الحكومة إلى ضرورة تدقيق لائحة الأقاليم التي أعلنتها مناطق منكوبة وستستفيد من برنامج دعم ومواكبة للمتضررين من الفيضانات، الذي تم إعداده بناء على توجيهات سامية من جلالة الملك، حيث وبالإضافة لأقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، وجب الأخذ بعين الاعتبار باقي الأقاليم المتضررة بكل من تاونات وشفشاون…، بالنظر للأضرار المادية الجسيمة التي لحقتها جراء هذه الفيضانات.
الإخوة والأخوات،
ينعقد بحول الله وعونه مجلسنا الوطني في أو ل دورة عادية له عقب مؤتمره الوطني التاسع، وهو يستقبل سنة تحمل في طياتها استحقاقات وطنية هامة، تتميز ببلوغ ملف قضيتنا الوطنية الأولى مرحلة واعدة وحاسمة، مقرونة بتحديات كبرى تتطلب جبهة داخلية موحدة وقوية وتعبئة وطنية شاملة خلف جلالة الملك، لربح رهان المفاوضات التي ستجري على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي لأقاليمنا الصحراوية في ظل السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة المغربية.
كما ينعقد هذا المجلس في بداية السنة الأخيرة من ولاية الأغلبية الحكومية ل08 شتنبر 2021، وهي السنة التي ستعرف تنظيم انتخابات تشريعية يتطلع المواطنون والمواطنات إلى أن تفتح صفحة جديدة في مسارنا الديمقراطي والتنموي، وتقطع مع حالة الاحتقان التي أفرزتها سياسات وممارسات الحكومة الحالية، والتي بلغت ذروتها مع احتجاجات حركة جيل « ز »، وما تبعها من متابعات قضائية، وما نتج عنها من توترات اجتماعية ومن تداعيات سياسية، مازالت ترخي بظلالها على المشهد السياسي والحزبي الوطني إلى الآن.
كما يجتمع مجلسنا الوطني والعالم أجمع يعيش على وقع تقلبات وتغيرات جيوسياسية وتحولات اقتصادية وتجارية لا يعلم مخرجاتها ومآلاتها إلا الله عز وجل:
⦁ فمن جهة أولى، تستمر معاناة إخواننا في غزة خاصة وفلسطين عامة في ظل الظروف المأساوية والمؤلمة واللاإنسانية التي يعيشون تحت نيرها في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية الوحشية والصامتة، وبكل الوسائل والأساليب الخبيثة والماكرة التي يتقنها الكيان الصهيوني المجرم، بالرغم من « اتفاق » وقف إطلاق النار.
⦁ ومن جهة ثانية، يعيش العالم اليوم وضعا مرتبكا ومقلقا، أضحت فيه المؤسسات الأممية عاجزة عن الوقوف إلى جانب قوة الحق وسلطة القانون، وهو ما لخصه الأمين العام للأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 15 يناير 2026، بقوله: « نعيش في عالم يعج بالصراعات والإفلات من العقاب وعدم المساواة أو القدرة على التنبؤ، ويتسم بالانقسامات الجيوسياسية المدمرة للذات والتخفيضات الشاملة في مساعدات التنمية والإغاثة الإنسانية »، وأن « مفارقة عصرنا » هي أنه « في الوقت الذي نحتاج فيه إلى التعاون الدولي أكثر من أي وقت مضى، نكون أقل استعدادا لاستخدامه والاستثمار فيه. ويسعى البعض إلى وضع التعاون الدولي في غرفة الإنعاش ».
⦁ ومن جهة ثالثة، يعيش عالمنا العربي والإسلامي حالة من الضعف والانقسام والصراعات في ظل التشظي الداخلي والخلافات البينية والتدخلات الأجنبية التي تفضي إلى ضرب لحمة ووحدة الأمة العربية والإسلامية وإضعاف دولها والتحكم في خيرات ومقدرات شعوبها، وتعيش العديد من دول أمتنا أوضاعا مؤلمة ومخاضا عسيرا في كل من سوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا والصومال وإيران…، دون أن ننسى مظلمة ومحرقة القرن في غزة خاصة وفلسطين عامة.
وفي ظل هذا السياق البالغ الدقة والحساسية، المطبوع بأجواء الاضطراب وحالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتحولات المتسارعة في موازين القوى، عالميا؛ وبالنزاعات والتوترات والاضطرابات المتصاعدة، إقليميا؛ وبتنامي منسوب الاحتقان الاجتماعي، واتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتراجع الثقة في العمل الحزبي والسياسي والمؤسساتي، وتهميش أدوار الوساطة السياسية والمؤسساتية، وطنيا، يقدم هذا التقرير -المختصر- قراءة تركيبية بخصوص الوضع السياسي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي والعمل الحكومي والترابي، وهي قراءة ومواقف سبق وعبّر عنها الحزب من خلال تدخلات أمينه العام وبلاغات أمانته العامة وأنشطة مجموعته النيابية ومختلف هيئاته الموازية والمجالية.
لقد كان للحزب السبق في التنبيه المسؤول والمتواصل والاستباقي، وكَشَفَ في حينه وبكل الوسائل القانونية والتواصلية المتاحة عن أعطاب ومخاطر العمل الحكومي، والتي يمكن تلخيصها في العناوين العشر التالية:
أولا- عدم تحمل المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام، وهيمنة منطق التدبير التقني الضيق، وضعف التواصل مع الرأي العام؛ وغياب المقاربة السياسية والحقوقية وضعف الحس الاستباقي في التعامل مع التطلعات والانتظارات الشعبية المشروعة والاحتجاجات القطاعية والمجالية، مما أدى إلى سلسلة من الإضرابات الطويلة المدى والمتكررة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة…؛ وإضرابات غير مسبوقة للمحامين -تجاوزت الأسبوعين- واعتمدت شكلا مفتوحا؛ وبروز احتجاجات اجتماعية ومجالية بلغت ذروتها مع احتجاجات شباب جيل « ز »؛
ثانيا- التهرب من المراقبة البرلمانية، وتغييب المقاربة التشاركية في التشريع، والهيمنة والاعتداد بالأغلبية العددية، لتمرير قوانين هيكلية تهم الحقوق والحريات الدستورية والتنظيم الذاتي للصحافة وللعديد من المهن الحيوية؛ في استعجال مخلّ بأصول وأهداف التشريع؛
ثالثا- تعطيل ورش محاربة الفساد: وهو ما تجلى في تجميد الاستراتيجية الوطنية واللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، وتفاقم حالات التشريع على المقاس والتشريع للريع عبر قوانين المالية المتتالية، وتوالي فضائح تنازع المصالح لدى رئيس الحكومة وبعض أعضائها في قطاع تحلية مياه البحر، وقطاع الماشية، وقطاع الأدوية، وقطاع الصيد البحري، والحزبية والزبونية في التعيينات في المناصب العمومية…؛ وهو ما ليس غريبا على حكومة دشن رئيسها الولاية الحكومية بسحب مشاريع القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد في يناير 2022، وواصلت عملها بمهاجمة الهيئات الدستورية للحكامة الجيدة وتجميد توصياتها؛
رابعا- الارتباك الكبير في تنزيل ورش إصلاح المنظومة التعليمية: وهو ما تجلى في تعطيل اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة إصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي؛ وتعطيل اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج والتكوينات؛ وتفعيل معيب للهندسة اللغوية وللتناوب اللغوي في غياب النصوص التنظيمية ذات الصلة؛ واختزال إصلاح المنظومة التعليمية فيما سمي « مدارس الريادة » بما يكرس تعليما بسرعتين؛ وعدم وفاء الحكومة بوعدها بزيادة 2.500 درهم في أجرة بداية مسار الأستاذ؛ والنتيجة هي تحسن طفيف على مستوى تحصيل الكفايات في الرياضيات والعلوم في الابتدائي بين 2019 و 2023، والترتيب في المرتبة 56 من بين 58 نظام تعليمي؛ وتراجع حاد في الإعدادي، والترتيب في المرتبة 43 من بين 44 نظام تعليمي، حسب التقييم الدولي في الرياضيات والعلوم TIMSS؛
خامسا- الارتباك الكبير في تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية: والسبب هو اعتماد الحكومة لمنهجية معيبة في تنزيل التغطية الصحية شرعت بسحب رئيس الحكومة في يناير 2022 لمشروع القانون رقم 63.16 المتعلق بالتغطية الصحية للوالدين؛ وبتحويل قرابة 9,5 مليون من أصل 18,44 مليون فقط من المستفيدين سابقا من نظام المساعدة الطبية المجانية « راميد » في دجنبر 2022؛ وبنسخ الحكومة في يناير 2026 للقانون رقم 116.12 المتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالطلبة، وهي المنهجية التي أدت إلى إقصاء العديد من المواطنين والمواطنات، والفشل في تحقيق هدف التعميم الذي كان من المفروض قانونا أن يتحقق في نهاية 2022، كما ستؤدي إلى تهميش القطاع الصحي العمومي وتهديد التوازان المالي للنظام الصحي برمته. كما عرف تفعيل الدعم الاجتماعي المباشر بدوره الارتباك والإقصاء وضياع العديد من الحقوق المشروعة المكتسبة، بفعل المؤشر والعتبة وغياب التفاعل الجدي مع الشكايات؛ بالإضافة إلى اللجوء إلى المديونية المفرطة لتمويل ورش تعميم الحماية الاجتماعية؛ وكذا التأخر عن الجدولة الزمنية المقررة في القانون-الإطار بخصوص باقي مكونات ورش الحماية الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بتوسيع الانخراط في أنظمة التقاعد أو بتعميم التعويض عن فقدان الشغل؛
سادسا- التأخر في إنجاز برامج تأهيل المناطق النائية والجبلية؛ وفي بلورة برنامج جديد لمعالجة التفاوتات المجالية؛ وفي تنفيذ برنامج إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز، بالرغم من توفر الآلية المؤسساتية المتمثلة في وكالة تنمية الأطلس الكبير، وتوفر الاعتمادات المالية التي ناهزت 120 مليار درهم، ومن ضمنها التبرعات التي بلغت أزيد من 20 مليار درهم في إطار الصندوق الخاص بتدبير الآثار المترتبة على الزلزال الذي عرفته المملكة المغربية والمحدث في شتنبر 2023؛
سابعا- التنزيل غير المتوازن للقانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، وضعف الجرأة السياسية وغياب الرؤية بخصوص الإصلاحات الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية والمالية الضرورية والملتزم بها والمتعاقد بشأنها من طرف الحكومة، كتلك التي تهم ضمان استدامة أنظمة التقاعد؛ ونجاعة نظام المقاصة؛ ومدونة الشغل؛ والقوانين المؤطرة للمنظمات النقابية والانتخابات المهنية؛
ثامنا- التأخر في تنزيل أنظمة دعم الاستثمار والمقاولات كما نص عليها ميثاق الاستثمار: حيث لم يصرف أي دعم مالي لحد الآن في إطار نظام الدعم الأساسي ونظام الدعم الخاص المطبق على مشاريع الاستثمار ذات الطابع الاستراتيجي، مع العلم أنه دخل حيز التنفيذ منذ مارس 2023 واجتمعت اللجنة الوطنية 9 مرات، وصادقت على استثمارات بحجم 414 ماير درهم؛ والتأخر الكبير في تفعيل نظام الدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة؛ وتجميد نظام الدعم الخاص بتشجيع تواجد المقاولات المغربية على الصعيد الدولي؛ وعدم إخراج « التعاقد الوطني للاستثمار »، كل في ظل استمرار تزايد عدد المقاولات المفلسة وارتفاع معدل البطالة التي بلغت 13% للسنة الثالثة على التوالي، واستحالة تحقيق هدف 1.000.000 منصب شغل خلال الولاية الحكومية كما تعهدت بذلك الحكومة، في ظل إحداث 94.000 فقط بين 2022 و2025؛ واستحالة رفع نسبة نشاط النساء إلى أكثر من 30% عوض 20%، وهي النسبة التي ظلت إلى الآن في حدود 19%؛
تاسعا- تسويق أرقام غير حقيقية بخصوص وضعية المالية العمومية وتراجع عجز الميزانية ونسبة المديونية، ومواصلة اللجوء المفرط للمديونية الداخلية والخارجية، بالرغم من التطور الكبير وغير المسبوق للموارد الجبائية ولمساهمات المؤسسات والشركات العمومية، واللجوء غير المقنن وبمبالغ ضخمة إلى موارد استثنائية وغير مستدامة لتمويل نفقات هيكلية متزايدة ودائمة؛
عاشرا وأخيرا- حصيلة هزيلة لعمل الجماعات الترابية على المستوى السياسي والتدبيري والتنمية المجالية؛
ويلخص كل هذا، عجز الحكومة عن الوفاء بجل التزاماتها في البرنامج الحكومي، ولاسيما التزاماتها العشر المعروفة.
وبعيدا عن كل السرديات المنمقة والتبريريات المهزوزة، فإن هذه الاختلالات السياسية والتدبيرية الكبيرة وغيرها تشكل الأسباب الموضوعية والظاهرة التي جعلت رئيس الحكومة يتنصل من المسؤولية قبل الآوان، ويهرب من تقديم الحساب ومن المحاسبة، الذي يقتضيه مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وينصرف قبل المرور عبر محطة الأداء. لكن مع ذلك تبقى مسؤولية رئيس الحكومة ومسؤولية حزبه قائمة وغير قابلة للتقادم أو النسيان، باعتبار أنه هو وحزبه من قادا هذه الحكومة وقدما الكثير من الوعود ولم يستطيعوا الوفاء بجلها، وأن العديد من الأخطاء السياسية والتدبيرية والفضائح المرتبطة بتضارب المصالح واستغلال النفوذ وَصَمَتْ أداء هذه الحكومة وستظل حاضرة وراسخة لدى الرأي العام، وعلى الحزب أن يواصل من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة التنبيه والتذكير بهذه الاختلالات، باعتبارها ممارسات تخل بالعمل السياسي النبيل وتهدد المسار الديمقراطي والتنموي لبلادنا وتضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتتطلب ترتيب المسؤولية السياسية والمحاسبة الشعبية خلال الانتخابات المقبلة، والتي تشكل فرصة سانحة لمحاسبة رئيس الحكومة وحزبه ولتصحيح المسار الديمقراطي والتدبيري ولربط المسؤولية بالمحاسبة.
صحيح أن رئيس الحكومة تهرب من المسؤولية وانصرف من رئاسة الحزب قبل تقديم الحساب والخضوع لامتحان الإرادة الشعبية، وهو دليل آخر على عدم قدرته على تمثل وتحمل المسؤولية، لكنه مع ذلك ما زال رئيسا للحكومة وسياساته الفاشلة وآثارها السلبية ومعاناة المواطنين والمواطنات خلال هذه الولاية الحكومية مازالت شاهدة وحاضرة ومستمرة…
الإخوة والأخوات،
بالنظر لكل ما سبق، ولما يميز هذه السنة، من تحديات كبيرة وفرص واعدة، باعتبارها آخر سنة في ولاية حكومة 08 شتنبر 2021، سَتُغْلَقُ بتنظيم الاستحقاقات التشريعية، كموعد سياسي وديمقراطي يتطلع إليه المواطنون والمواطنات بترقب شديد وأمل كبير، وبناء على تتبع الحزب الدقيق والمسؤول طيلة هذه الولاية للشأن العام الوطني وللعمل الحكومي والترابي، ومن موقع تجربته السياسية والحكومية والترابية، تعتبر هذه الدورة فرصة للتعبئة واستشراف المستقبل بما يفتح آفاقا واعدة للعمل الحزبي المسؤول والنزيه، والنضال السياسي الشريف والمنتج للمساهمة في انبثاق دورة ديمقراطية وتنموية جديدة، تعيد للسياسة ألَقَهَا وجدواها، وللمؤسسات المنتخبة مَكَانَتَها وأدوارها، وللمواطنين والمواطنات الثِقَة والأمل؛ وتنهي حالة الانتظارية والاحتقان وتضع حدا لتضارب المصالح واستغلال النفوذ والحزبية الضيقة التي وَصَمَتْ أداء هذه الأغلبية الحكومية ومعظم الجماعات الترابية المنبثقتين عن انتخابات 08 شتنبر 2021.
إن الحزب مطالب -أكثر من أي وقت مضى- وفي خضم المستجدات السياسية والحزبية بأن يواصل أداءه النضالي ويرفع جاهزيته السياسية والنضالية في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وما سيتبعها…لتعزيز موقعه في الساحة السياسية الوطنية واستعادة موقعه الطبيعي كقوة سياسية اقتراحية ومسؤولة، قادرة على التعبير عن هموم المواطنين والمواطنات، والدفاع عن قضاياهم، والتفاعل مع انتظاراتهم المشروعة وتقديم بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية واقعية، تنزيلا للأطروحة التي صادق عليها مؤتمره الوطني التاسع في 27 أبريل 2025، تحت عنوان « النضال من أجل مصداقية الاختيار الديمقراطي وكرامة المواطن ».
لقد تميزت السنة الماضية على الصعيد الحزبي، وفي سياق الدينامية السياسية والحزبية والتنظيمية التي خلقها النجاح المقدر للمؤتمر الوطني التاسع للحزب، بتجديد الحزب لكافة هيئاته المجالية، حيث عقد كل المؤتمرات الجهوية والإقليمية ومعظم المؤتمرات المحلية في أجواء نضالية وديمقراطية، نجم عنها تنشيط الذات الحزبية واستعادة قدر معتبر من المبادرة والجاهزية النضالية. كما شملت هذه الدينامية السياسية والتنظيمية الهيئات الموازية للحزب وكذا أعضاء الحزب بالخارج.
وفي نفس السياق، نظمت الأمانة العامة لقاءات تواصلية وتأطيرية على مستوى كل جهات المملكة مع الهيئات المجالية للحزب، وسيتم تمديد هذه اللقاءات الجهوية على المستوى الإقليمي، وكذا تنظيم لقاءات مفتوحة مع عموم المواطنين والمواطنات، لمواصلة الإيقاع النضالي المتميز الذي بات يطبع عمل الحزب ومواقفه المتميزة من مختلف القضايا الوطنية من موقعه كحزب وطني يساهم إلى جانب باقي الأحزاب الوطنية خلف جلالة الملك في دعم قضيتنا الوطنية الأولى، ومن موقعه في المعارضة الوطنية المسؤولة في مراقبة العمل الحكومي وتتبع مختلف السياسات العمومية.
وقد حرصت الأمانة العامة على أن تجعل من هذه المؤتمرات واللقاءات محطة لتنشيط الجسم الحزبي واستعادة الثقة في الحزب وفي العمل السياسي والعمل بجدية من أجل تهيئة الحزب للقيام بمسؤولياته الوطنية والاضطلاع بواجباته النضالية ورفع جاهزيته لخوض الاستحقاقات الوطنية والسياسية المقبلة بما يعيد الاعتبار لمصداقية الاختيار الديموقراطي ويخدم الأولويات الكبرى التي تستحقها بلادنا في مسعاها للنهوض والتنمية.
وفي هذا الصدد، وبالرغم من أن حصيلة المشاورات بخصوص القوانين الانتخابية لم ترق إلى المستوى الذي توخاه الحزب لتحقيق إصلاح شامل للمنظومة العامة الانتخابية ومعالجة الاختلالات التي تعج بها القوانين والممارسة الانتخابية على عدة مستويات، فإن المسؤولية الوطنية وأطروحة الحزب تقتضي من جميع مناضلي ومناضلات الحزب مواصلة التدافع والنضال لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، باعتبارها أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، والضامنة لبروز مؤسسات منتخبة قوية ذات شرعية ومصداقية تعبر حقيقة عن الإرادة الشعبية.
وهنا وجب التأكيد على مسؤولية السلطات العمومية وعلى رأسها وزارة الداخلية باعتبارها الجِهَةَ المُشْرِفَةَ رَسْمِّياً على تنظيم الانتخابات مركزيا وترابيا؛ وملزمة بمقتضى الدستور بالحياد التام إزاء المترشحين، وبعدم التمييز بينهم؛ وعلى مسؤولية الأحزاب الوطنية باعتبارها تختار وتمنح التزكية للمرشحين والمرشحات؛ وعلى مسؤولية عموم المواطنين والمواطنات باعتبار التصويت حق شخصي وواجب وطني، وذلك بهدف جعل محطة الانتخابات التشريعية المقبلة فرصة ديمقراطية حقيقية لمصالحة المغاربة مع السياسة ومع المؤسسات المنتخبة، وتجنب كل ما من شأنه أن يمس بنزاهة وشفافية ومصداقية العملية الانتخابية في كل مراحلها، واحترام قدسية صناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، بما يتيح تصحيح الوضع السياسي والانتخابي والتدبيري والتداعيات التي خلفتها انتخابات 08 شتنبر 2021.
وفي هذا الصدد، سيواصل الحزب القيام بواجبه بما ينسجم مع اختياره منهج التدافع والنضال والإصلاح عبر المشاركة المؤسساتية، كما تؤكده ورقته المذهبية، والتي تعتبر أن سياسة المقعد الفارغ أو أسلوب الانتظارية خيارات لا تسهم سوى في مزيد من التمكين لشبكات التحكم والفساد والريع ومراكمة الثروات وتركيزها وضياع فرض التقدم والتنمية والمصالح المشروعة لعموم المواطنين والمواطنات والفئات الهشة منهم بالخصوص، وأن مواصلة التدافع والترافع والنضال لتحسين شروط هذه المشاركة وتعميق البناء الديمقراطي وإرساء الشروط القانونية والمؤسساتية والإدارية والعملية لضمان نزاهة وشفافية الاستحقاقات الانتخابية وإفرازها لمؤسسات منتخبة ذات شرعية ومصداقية، وتعزيز صلاحيات هذه المؤسسات وطرق تدبيرها، هو الخيار الصواب، وهو ما عبر عنه بوضوح الشعار المركزي للأطروحة السياسية للحزب كما صادق عليها مؤتمره الوطني التاسع، والمتمثل في: « النضال من أجل مصداقية الاختيار الديمقراطي وكرامة المواطن ».
وهو ما ينسجم أيضا مع نضال الحزب المتواصل من أجل المساهمة في توفير الشروط السياسية المناسبة ودعواته المتكررة إلى بث نفس سياسي وحقوقي جديد يعيد الثقة في الاختيار الديمقراطي وفي جدوى الانخراط في العمل السياسي والحزبي ويقوي الشعور بالانتماء للوطن وينعش الأمل في المستقبل، ويحدث الرجة الضرورية لاستعادة الثقة في مخرجات العملية الانتخابية، ويعالج اللامبالاة والعزوف الذي يسهل المأمورية على المتاجرة في أصوات الناخبين وشراء الذمم لأغراض التكسب الشخصي والتربح من العمل السياسي على حساب المصالح الوطنية العليا.
واستنادا إلى التجارب المتعددة والغنية للحزب في تدبير مختلف الاستحقاقات الانتخابية ومن أجل المساهمة في جعل هذه الاستحقاقات محطة لتصحيح البناء الديمقراطي وتعزيز المسار التنموي ، تم إحداث لجنيتن تحت إشراف الأمانة العامة للحزب، بهدف بلورة خطة انتخابية متكاملة تتوخى تحقيق طموح الحزب إلى استرجاع موقعه الانتخابي بما يناسب أدائه السياسي المتميز، ويمكنه من أداء دوره الريادي، سواء من خلال المساهمة في التدبير الجيد للشأن العام في حال توفر شروطه الانتخابية والسياسية، أو في المعارضة القوية والاقتراحية والفاعلة بخصوص السياسات والبرامج والقرارات العمومية التي تصادم هوية شعبنا أو تستهدف الإجهاز على التطلعات والحقوق المشروعة للمواطنين والمواطنات وحقهم في العيش الكريم.
وفي هذا الصدد، يشتغل الحزب في نفس الوقت على إعداد برنامج انتخابي واقعي وقابل للتطبيق يركز على أولويات أفقية وجامعة ومركبة كالتعليم والصحة والمقاولة والشغل، كأولويات تنتظم حولها مختلف السياسات والإجراءات والمقترحات، بما يثمن ويستثمر مواقف الحزب من السياسات العمومية من موقعه الحالي في المعارضة، وتجاربه وإنجازاته من موقعه السابق في التدبير؛ كما سيشرع في اختيار مرشحيه ومرشحاته وفق المسطرة التي تم إعدادها لهذه الغرض والتي ستعرض على مجلسنا للمصادقة، والتي يهدف الحزب من خلالها إلى اختيار مرشحين ومرشحات مناضلين نزهاء وأقوياء وأمناء، لحمل أمانة تمثيل المواطنين والمواطنات والدفاع عن حقوقهم المشروعة.
وبناء على تتبعه لمختلف السياسات والبرامج الحكومية من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة، ووقوفه عن قرب على مختلف الاختلالات والأعطاب التي طبعت عمل الحكومة الحالية، فإن أفق عمل الحزب ومسؤوليته الوطنية تقتضي المساهمة في تصحيح هذه الاختلالات والأعطاب، وتحويل انتقادات الحزب إلى مقترحات وإجراءات وبدائل عملية تنصف المواطنين والمواطنات، وتساهم في انبثاق دورة ديمقراطية وتنموية جديدة وواعدة، تلخصها العناوين الثمانية الآتية:
أولا- إعادة الاعتبار للعمل السياسي الشريف، ولربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحمل المسؤولية السياسية في تدبير الشأن العام، والتواصل المستمر والتفاعل المسؤول والاستباقي مع التطلعات والانتظارات الشعبية والقطاعية المشروعة؛
ثانيا- توجيه مختلف السياسات والبرامج والمشاريع لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، والدعم الفعلي للفئات الهشة، وتقوية الخدمات والمرافق العمومية، وتحفيز الاقتصاد المنتج، وربط الاستثمار بالتشغيل، وتحقيق تنمية مجالية منصفة؛
ثالثا- تصحيح الاختلالات التي طالت تنزيل ورش إصلاح المنظومة التعليمية؛ والإقصاء الذي طال تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية والمنظومة الصحية؛
رابعا- ضمان شروط حرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر؛ والقطع مع المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، واستغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، والشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز لتحقيق مآرب ومصالح شخصية، وكل الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية؛
خامسا- تيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من الولوج إلى الوظائف العمومية ومناصب المسؤولية حسب الاستحقاق ووفق قواعد المنافسة؛
سادسا- ضمان تكافؤ الفرص في مجال المقاولة والمال والأعمال والولوج للصفقات العمومية، وتشجيع وحماية المنتوج الوطني؛
سابعا- القيام بالإصلاحات الهيكلية الضرورية التي تخص الشأن الاقتصادي والاجتماعي والمالي؛
ثامنا- التعامل بحزم ومسؤولية لضمان التوازنات الماكرو-اقتصادية والتوازنات الاجتماعية، بما يحافظ على السيادة الاقتصادية والمالية الوطنية، والاستقرار الاجتماعي، ويعزز استدامة النموذج التنموي لبلادنا.
وختاما:
وفي ظل هذا الأداء النوعي والمتميز للحزب على مختلف المستويات، والذي كرس، ولله الحمد والفضل والمنة، مكانة الحزب كقوة سياسية حقيقية بمبادرات نوعية وهادفة ومؤثرة، تتفاعل بوطنية ومسؤولية مع قضايا الوطن والأمة والمواطنين والمواطنات، وهو ما جعلهم يتطلعون إليه من جديد بأمل وثقة، بالنظر لعمله الدؤوب ولمواقفه القوية من مختلف القضايا السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية، وتنبيهه بجرأة للاختلالات والضعف الذي طبع أداء الأغلبية الحكومية والجماعات الترابية ل08 شتنبر 2021، وهو ما يؤهل الحزب بعون الله وحسن توفيقه، ثم بفضل مواصلة الاجتهاد والنضال لمختلف هيئاته ومناضليه ومناضلاته ليتبوأ المكانة اللائقة به في الخريطة السياسية الوطنية في الاستحقاقات المقبلة، بما يعزز أداءه السياسي ويؤهله لمواصلة النضال من أجل تعزيز مصداقية الاختيار الديمقراطي وكرامة المواطن والمساهمة في عزة ورفعة الوطن.
وهو ما يتطلب مواصلة الصمود والتعبئة الشاملة والانخراط الكبير من طرف جميع مناضلي ومناضلات الحزب والمتعاطفين معه، وتكثيف التواصل المباشر مع عموم المواطنين والمواطنات دفاعا عن المسار الديمقراطي لبلادنا، وعن احترام الإرادة الشعبية، بما يتوج بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تمكن بلادنا من مؤسسات منتخبة تحظى بالشرعية والمصداقية والاحترام والثقة، تساهم في الاستقرار الاجتماعي، وفي تحقيق التنمية البشرية والعدالة المجالية والاجتماعية، وتعزز مكانة وموقع المغرب إقليميا ودوليا، وتمكن بلادنا من مواجهة مختلف التحديات وعلى رأسها حسم ملف وحدتنا الترابية، والاستجابة للانتظارات الشعبية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والمجالية وتحقيق التنمية العادلة والمنتجة لفرص الشغل ولكرامة المواطن.
(وَقُلِ اِ۪عْمَلُواْ فَسَيَرَي اَ۬للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَالْمُومِنُونَۖ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَيٰ عَٰلِمِ اِ۬لْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ)
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



Aucun commentaire