Home»International»«التكامل المعرفي في الدروس الحسنية بالمغرب» موضوع أطروحة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة

«التكامل المعرفي في الدروس الحسنية بالمغرب» موضوع أطروحة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة

2
Shares
PinterestGoogle+

بقلم: عبد الكريم بن رزوق (*)

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، بقاعة رقم (01) بمركز دراسات الدكتوراه، يوم الخميس 27 نوفمبر 2025، على الساعة العاشرة والنصف صباحا، مناقشة لأطروحة دكتوراه أعدها الباحث الجيلالي الساجعي، في إطار تكوين الدكتوراه: «التكامل المعرفي، وأبعاده الفكرية والحضارية، وآثاره التنموية والاجتماعية». وقد حملت الأطروحة عنوان: «التكامل المعرفي في الدروس الحسنية بالمغرب: محمد يسف وأحمد التوفيق أنموذجا».

تكونت اللجنة العلمية المشرفة على مناقشة الأطروحة من أساتذة التعليم العالي: الدكتور عبد المجيد بوشبكة، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، رئيسا ومقررا؛ والدكتور محمد كنون الحسني، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، عضوا ومقررا؛ والدكتور المصطفى زمهنى، أستاذ بكلية الشريعة بفاس، عضوا ومقررا؛ والدكتور أحمد العمراني، أستاذ التعليم العالي، خبيرا؛ والدكتور أحمد فاضل، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، مشرفا على الأطروحة.

بعد الكلمة الافتتاحية التي ألقاها رئيس اللجنة، منحت الكلمة للباحث الجيلالي الساجعي، والذي استهل مداخلته بتقديم بالغ الشكر وعظيم الامتنان لأعضاء اللجنة العلمية، معبرا عن تقديره الخاص للأستاذين المشرفين، لما أسدياه له من دعم وتشجيع وتوجيه علمي طيلة مراحل إعداد الأطروحة. ثم انتقل الباحث إلى تقديم عرض موجز لموضوع الدراسة، أبرز فيه أهمية الإشكالية التي تناولها، والدوافع العلمية التي حفزته على اختيار هذا الموضوع، ثم استعرض أهم المراحل المنهجية والعلمية التي مر بها البحث، واختتم مداخلته بعرض لأبرز النتائج والخلاصات التي توصل إليها.

وبصفته المشرف الأول على البحث، تناول الكلمة الأستاذ أحمد العمراني، مستهلا مداخلته بالتأكيد على المكانة المركزية للبحث العلمي، وخاصة سلك الدكتوراه، نظرا لما يوفره هذا السلك من إمكانيات للتكوين تمكن من صقل المهارات الأكاديمية. كما أبرز الأستاذ العمراني أن البحث العلمي يجمع بين الهم والهمة، فهو هم لما يتطلبه من جهد وما يواجهه من صعوبات وعقبات، وهمة لأن تجاوزه لا يتحقق إلا بإرادة قوية وعزيمة متجددة. وفي هذا الإطار، شدد على أن الهمة المتقدمة هي التي تمكن البحث من النمو مكتمل الأوصال، أما غيابها فيؤدي بالباحث وبحثه إلى « طلاق شقاق ».

وتوجه الأستاذ أحمد العمراني بالشكر إلى أعضاء اللجنة العلمية على جهودهم ومساهمتهم في تقييم هذا العمل. وأشار إلى المكانة العلمية لأعضاء اللجنة في الحقل الديني والفكري، مذكرا بأن الأستاذ محمد كنون الحسني سبق أن قدم درسا دينيا أمام أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، تناول فيه موضوع « حقوق الأقليات وواجباتها في الإسلام »، انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: « ألا من ظلم معاهَدا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة ». ونوه إلى أن الأستاذ المصطفى زمهنى ألقى بدوره درسا دينيا أمام جلالته حول موضوع « دور المسجد في حياتنا العامة ».

وأشاد الدكتور أحمد العمراني بجدية الباحث وصبره طيلة مراحل إعداد الأطروحة، موضحا أن البحث مر بتغييرات وتعديلات كان الباحث يتلقاها بصدر رحب، مستجيبا للاقتراحات، ومجددا همته وعزيمته كلما اقتضى الأمر ذلك. وأكد أن الباحث انكب على جمع الدروس الحسنية وتصنيفها، والتنقيب على المعلومات المرتبطة بها، مما أثمر إنتاج رسالة علمية متينة تستحق المناقشة والتقدير.

وأوضح الأستاذ المشرف أن قيمة الرسالة تتجلى في ثرائها بالمصادر والمراجع، وفي النتائج التي خلص إليها الباحث، فضلا عن بنائها المنهجي المتماسك القائم على أبواب وفصول ومباحث ومطالب، والذي مكن من الكشف عن جانب من ملامح التكامل المعرفي في الدروس الحسنية من خلال النموذجين موضوع الدراسة، واللذين أبان كل منهما عن قدرة واضحة على الربط بين العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية. كما نوه الدكتور أحمد العمراني بتعدد المناهج التي اعتمدها الباحث، انسجاما مع طبيعة الموضوع وتشعب جوانبه، ومن أبرزها المنهج التاريخي والوصفي والتحليلي والمقارن. وقد تطلب هذا التنوع جهدا بحثيا متواصلا، شمل قراءة معمقة لمصادر متعددة، وزيارات مكثفة للمكتبات، واطلاعا واسعا على المقالات والدوريات العلمية.

وختم مداخلته بالتأكيد على أن الباحث، شأنه شأن كل مؤلف، لا يخلو إنتاجه من مواطن للمراجعة أو الملاحظة، وهو ما يبرر اجتماع هذه اللجنة العلمية لإبداء ملاحظاتها واقتراحاتها وانتقادها البناء، بما يسهم في تصويب العمل والارتقاء به إلى المستوى العلمي المنشود.

أما الأستاذ أحمد فاضل، وبصفته مشرفا ثانيا على البحث، فقد تناول الكلمة مبرزا نقطتين أساسيتين.

فأما النقطة الأولى، فخصصت للحديث عن البحث، حيث أوضح أنه واصل الإشراف على هذه الأطروحة، مؤكدا أن الفضل الأكبر في تأطيرها يعود إلى الدكتور أحمد العمراني الذي اضطلع بالجهد الأبرز في التتبع والتوجيه.

وفي النقطة الثانية، خصص الأستاذ فاضل حديثه للطالب الباحث، مشيدا بأخلاقه وصفاته العلمية، واصفا إياه بأنه طالب حيي، خلوق، مجد، محب للعلم، يسأل بأدب وتواضع، ويحرص على تحصيل المعرفة، وقد عرفه من خلال تدريسه له في عدد من الوحدات بسلك الإجازة ثم بسلك الماستر.

ووجه الدكتور فاضل الشكر إلى أعضاء اللجنة، معتبرا إياهم لجنة علمية أمينة، ستنظر في العمل بعين التمحيص، وتقيمه حق التقويم، وتصدر ملاحظات واقتراحات وجيهة من شأنها أن تسهم في تصويب البحث والارتقاء بمستواه العلمي.

وفي نهاية كلمته ذكر بأهمية حضور المناقشات العلمية بالنسبة للطلبة الباحثين، خصوصا في سلكي الماستر والدكتوراه، مؤكدا أن كثيرا من المسائل التي تطرح وتناقش وتنبه إليها خلال مثل هذه الجلسات قد تشكل مفاتيح لفهم ما استعصى عليهم في مساراتهم البحثية، فتكون منطلقا لتصويب أعمالهم وتجويدها.

أما الدكتور محمد كنون الحسني، فقد افتتح مداخلته بالتأكيد على أن العمل المعروض يعد عملا جيدا وغير مسبوق في مجاله، لا سيما أنه يتناول الدروس الحسنية من زاوية التكامل المعرفي، ويعتمد نماذج من الدروس الرمضانية التي ألقيت بين يدي أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، من قبل شخصيتين بارزتين في الحقل الديني بالمغرب، هما أحمد التوفيق ومحمد يسف. وأوضح أن موضوع الأطروحة موضوع « يغري بالقراءة ويفتح شهية النقاش »، لما يختزنه من قيمة علمية وإضافات نوعية.

وأضاف الدكتور الحسني أن أي عمل جامعي ينظر إليه من زاويتين: الأولى النظرة العامة، التي من خلالها يستحق العمل، في تقديره، التهنئة، سواء للباحث أو للمشرف، لما تضمنه من جهد واضح وإضافة معتبرة. أما الثانية، فهي نظرة التمحيص والدقة العلمية، وفي هذا المستوى لا بد من الوقوف على جوانب تستدعي النقاش، وأمور تحتاج إلى تصحيح، وأخرى تندرج ضمن المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها النظر، ويظل للباحث الحق في أن يخالف آراء من يناقشونه.

وقد قدم الدكتور محمد كنون الحسني مجموعة من الملاحظات المفيدة، موجهة إلى الطالب الباحث وإلى الطلبة الباحثين الحاضرين على حد سواء. فاستهل بالملاحظات الشكلية المتعلقة بالكتابة، منبها إلى جملة من الأمور التي ينبغي على الباحثين أخذها بعين الاعتبار، من بينها اختيار نوع الخط، والحرص على جودة الطباعة، وضرورة وضوح العناوين وتفادي التشابك بينها، مبرزا أن الإكثار من العناوين الجزئية والتفريعات المتعددة قد يشتت ذهن القارئ ويصعب عملية المتابعة. كما تطرق إلى مسألة التقديم في الأبواب والفصول، معتبرا أنها ليست ضرورية في جميع الأحوال، ويمكن الاستغناء عنها متى لم تضِف قيمة واضحة إلى البناء العام. وأكد ضرورة مراعاة التوازن بين فقرات البحث وفق منطق البناء العلمي، مضيفا أن الاقتباسات والمقولات ينبغي أن تحظى بعناية خاصة من خلال تحديد بداياتها ونهاياتها بوضوح، بما يتيح للقارئ التمييز بين كلام الباحث وكلام غيره، ويحفظ سلامة العرض العلمي.

كما شدد على أهمية الاعتناء بالهوامش وضبطها، موضحا أنه لا ينبغي أن تكون طويلة بحيث تفوق حجم النص الأصلي، إذ إن الهامش يستخدم للتعريف أو الإشارة السريعة، أو للشرح أو التوضيح الذي يكتفى فيه بسطر أو بضعة أسطر. كما نبه إلى أن التوثيق يمثل ركنا أساسيا في البحث العلمي، مستدعيا التأكد من صحة ما ينقله الباحث، والتحقق من مصادره، ووضع المنقول بين علامتي تنصيص، مع الإحالة الواضحة على أصحابه، حفاظا على الأمانة العلمية وسلامة العمل.

وبخصوص المضمون، قدم الدكتور الحسني بعض المعطيات المهمة، وتوجيهات تعلقت بعلماء الدروس الحسنية، لا سيما فيما يتعلق بمنهجية الترتيب وعدد الدروس.

وفي هذا الإطار، بين أن العلامة علال الفاسي ألقى أحد عشر درسا حسنيا خلال الفترة الممتدة من سنة 1963 إلى سنة 1974، حين كان وزيرا للأوقاف ويتولى افتتاح الدروس الحسنية. في المقابل، قدم العلامة عبد الله كنون ما يزيد على أحد عشر درسا عقب وفاة علال الفاسي، وذلك خلال الفترة ما بين 1974 و1983، قبل أن يمنعه المرض من الاستمرار في إلقائها. كما ألقى الحسن بن الصديق الغماري ستة أو سبعة دروس، وقدم أحمد الكتاني خمسة دروس، وألقى عباس الجيراري درسا واحدا أو درسين، في حين ألقى الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري ثمانية عشر درسا، كما ألقى جلالة الملك الحسن الثاني أربعة دروس. وفي هذا السياق العلمي، ألف الدكتور محمد كنون الحسني كتابه «المشيخة العلمية بالمغرب: جذور ثابتة وأغصان وارفة».

كما أفاد الدكتور بمجموعة من التوجيهات المنهجية، حيث شدد على أن فهرسة الآيات القرآنية ينبغي أن تتم انطلاقا من رقم الآية مع مراعاة ترتيب السور. كما تناول فهرس الأعلام، مبينا ضرورة إدراج جميع الأعلام الواردة في العمل، مع ذكر أسمائهم وصفحات ورودهم، على أن يقتصر الفهرس على الإحالة دون تضمين الترجمة، مع التأكيد على أهمية توثيق ترجمة الأعلام وذكر المصادر المعتمدة.

وأشار أيضا إلى أن تناول موضوع «المؤسسات العلمية ودورها في التكامل المعرفي» يقتضي تفصيلا يشمل مختلف هذه المؤسسات، وعدم الاكتفاء بذكر نماذج منها، ومن أبرز هذه المؤسسات: معهد محمد السادس لتكوين الأئمة التابع لجامعة القرويين، ودار الحديث الحسنية، إلى جانب الرابطة المحمدية للعلماء. وأضاف ضرورة الإشارة إلى مستجدات هيكلة المجلس العلمي الأعلى وفق النصوص القانونية والتنظيمية الحديثة، مع التنبيه إلى تعدد اللجان المكونة له، ومن بينها لجنة الفتوى ولجنة المالية التشاركية، والتي تعد من اللجان الرائدة، ويمكن إفرادها بالمعالجة لما لها من أهمية علمية ومنهجية في سياق البحث.

وأشار الدكتور محمد كنون الحسني إلى ضرورة التمييز وعدم الخلط بين التعليم العتيق، باعتباره نظاما تعليميا منظما بمقتضى ظهير وتشرف عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتعليم الأصيل، الذي يعد أحد الفروع التعليمية الخاضعة لإشراف وزارة التربية الوطنية.

أما الدكتور المصطفى زمهنى، فقد عبر عن اعتزازه بالإشراف على مناقشة هذا البحث الرصين، مؤكدا أنه استوفى جميع الشروط العلمية والمنهجية المتطلبة، واعتبر أن للبحث أهمية قصوى، لما يتسم به من جدة وإضافة علمية معتبرة.

واستشهد في هذا السياق بحديث النبي ﷺ، الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، موردا قول الشيخ ابن عرفة في تفسير قوله ﷺ: «أو علم ينتفع به»، يفهم منه أن المؤلفات تدخل في هذا الباب إذا اشتملت على فوائد علمية زائدة، أما إذا خلت من الإضافة فإنها لا تعدو أن تكون مجرد خسارة للكاغد (القرطاس). ويفهم من ذلك أن ليس كل علم يعد علما نافعا بالضرورة، وإنما يتحقق النفع حين يقترن بصفة الجدة والإضافة، في حين أن النقل المحض والتكرار لا يفضيان إلى فائدة علمية حقيقية، بل يعدان إهدارا للجهد العلمي.

وأوضح الدكتور زمهنى أن إبراز معالم المدرسة المغربية المتميزة يعد في جوهره إبرازا لميزة تعاضد السلطان والقرآن في خدمة العلم، ولا سيما من خلال الإشارات الدقيقة الواردة في الدروس الحسنية، وكذا في مختلف أوراش الإصلاح الديني. وأضاف أن الأطروحة تناولت شخصيتين علميتين بارزتين، لكل منهما إسهاماته المتعددة في مجالات مختلفة، سواء في خدمة الشأن الديني، أو في الممارسة الإدارية، أو في البحث العلمي.

واعتبر الدكتور أن البحث يزخر بحسنات علمية عديدة يتعذر حصرها، مشيرا إلى أن تحريره جاء موفقا، وأن مصادره منتقاة بعناية، كما أن خلاصاته اتسمت بالأهمية والفائدة. وأضاف أن الغاية من انعقاد اللجنة العلمية، هو السعي إلى الارتقاء بالبحث ومنحه حلة علمية أكمل وأجمل، من خلال عمل تكاملي يشارك فيه جميع أعضاء اللجنة. واستحضر في هذا السياق قول القاضي عبد الرحيم البيساني، الملقب بـ »أستاذ البلغاء »: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جِلة البشر»، مشيرا بذلك إلى أن النقص ملازم لعمل الإنسان، وأن الكمال المطلق إنما هو لكتاب الله تعالى وحده.

أما بخصوص الملاحظات المنهجية التي قدمها الدكتور المصطفى زمهنى، فقد رأى أن صيغة العنوان: «تجليات التكامل المعرفي في الدروس الحسنية» قد تكون أنسب وأدق دلالة. واقترح إعادة النظر في صياغة بعض العناوين بما يحقق مزيدا من الدقة والانسجام المنهجي ويعزز وضوح البنية العلمية للبحث.

وبين أن الحديث عن التكامل المعرفي في هذا البحث لا يقتصر على تعدد الحقول المعرفية أو تنوع الثقافة وغنى المشرب العلمي، بل يتجاوز ذلك إلى مستوى الرؤى والمناهج والتصورات المؤطرة للفعل العلمي. وأشار إلى أن بعض الدراسات قد تقع في شيء من التكلف عند وسم أعمالها بمفهوم «التكامل المعرفي»، وربما يكون من الأجدى، في نظره، الانطلاق من الحديث عن المدرسة المغربية وخصائصها المميزة مقارنة بنظيرتها المشرقية، ولا سيما من حيث النزعة الموسوعية التي طبعت روادها. وأضاف أن هناك أسماء علمية أولى بالتقديم مما ورد في البحث، من بينها القاضي عياض لما عرف به من إسهامات في علوم شتى، وأبو بكر بن العربي. كما أكد الدكتور المصطفى زمهنى أن مؤلف الدكتور محمد يسف الموسوم بـ«المصنفات المغربية في السيرة النبوية» يعد كتابا فريدا في مجاله، بل يجزم بعدم وجود نظير له من حيث التصنيف، لما يتسم به من عمق علمي وجودة منهجية، معتبرا إياه عملا رائقا يبرز إسهام الباحث المغربي في حقل الدراسات السيرية.

أما فيما يتعلق بالتعامل مع تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، فقد شدد على ضرورة التركيز على الرواية وأهميتها، مبينا أن مجرد الإشارة إلى المصدر بعبارة من قبيل: «في الموطأ» لا تكفي، بل يتعين بيان الرواية أيضا، كما في المثال: «رواه مالك في موطئه برواية يحيى بن يحيى الليثي». واستشهد بكلام الحافظ السخاوي في تعريف التخريج، إذ يقول: «التخريج: إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين». ومن هذا المنطلق، لا يعَد الباحث مخرجا إلا إذا أدرج الرواية مع بيان سندها ومصدرها. ويتجلى الإتقان العلمي في التخريج في إبراز الرواية والسند كاملين، مع مراعاة مرتبة المصدر؛ إذ يشير المحدثون إلى أن النزول في الإسناد بنقل الحديث من مصدر أدنى مع وروده في مصدر أعلى غير مقبول ولا مستحسن، إلا لوجود نكتةٍ علمية في المصدر الأدنى لا تتوافر في الأعلى. واكد على ضرورة التمييز بين الإخراج والتخريج؛ إذ إن كتب التخريج تدل فقط على موطن الحديث. بينما يعتبر إخراج الحديث من قبل علماء مثل الزيلعي والمزي وابن حجر دقيقا، لأنها توضح موطن الحديث بشكل واضح وتتيح تتبعه مع السند الكامل.

أما الدكتور عبد المجيد بوشبكة، رئيس اللجنة العلمية للمناقشة، فقد استهل كلمته بالتأكيد على فرادة الموضوع وأهميته العلمية والاجتماعية. وأوضح أن الدولة المغربية في تدبير الشأن الديني أصبحت نموذجا رائدا في إدارة هذا المجال الحيوي، الذي يسهم في تحقيق الأمن الروحي والنفسي والاجتماعي. وبين أن الدروس الحسنية تمثل حلقات دينية وسياسية واجتماعية تعكس منهج المغاربة والعلماء في تدبير الشأن الديني، كما تعد آلية لصيانة الثوابت المغربية وواجهة لإدارة هذا المجال. كما نوه بأن الدروس الرمضانية الحسنية تعقد منذ سنة 1963، وأن محمد بلعربي العلوي كان من أوائل من قدمها، مبرزا أن للملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، رؤية استراتيجية في هذا المجال، وللملك محمد السادس، نصره الله، رؤية استباقية، مع التأكيد على الدور المحوري للعلماء في البحث واستشراف هذه القضايا.

وأضاف أن موضوع الدروس الحسنية لم يبحث إلا في بعض المقالات المحدودة، مؤكدا أن هذه الأطروحة تعد من أوائل الدراسات الأكاديمية المنهجية التي تناولت هذا الموضوع، مشيرا إلى أن دراسة هذا المجال تتطلب تظافر الجهود واستمرار البحث لما له من أهمية علمية واجتماعية كبيرة.

وتحدث الدكتور بوشبكة عن حرص الباحث والتزامه بالشروط الشكلية والموضوعية في إعداد الأطروحة، مشيرا إلى الصعوبات والتحديات التي صاحبت مسار البحث نتيجة الظرفية الاستثنائية لجائحة كورونا.

وفيما يخص التكامل المعرفي، أشار الدكتور بوشبكة إلى أن هذا الموضوع يعد من القضايا الفكرية الكبرى، وقد تناولته عدة مدارس فكرية، من بينها أعمال فريد الأنصاري وفتحي ملكاوي، كل وفق مقاربته وسياقه العلمي. وأوضح أن الدروس الحسنية شكلت فضاء لطرح هذه الإشكالات وإبراز أبعادها المنهجية، مؤكدا على ضرورة التمييز بين التكامل المعرفي كمنهج وآلية اشتغال علمي، وبين كونه موضوعا للدراسة الأكاديمية. وأضاف أن دروس العلماء تشكل واجهة مشرقة وميدانا تطبيقيا، إذ تناولت مجالات متعددة من البيئة والحقوق والتربية والسياسة الشرعية والاقتصاد ومحاربة التطرف الديني واللاديني بإفراطه أو تفريطه، مؤكدا أن فتاوى المجلس العلمي الأعلى تشكل أيضا مادة غنية تستحق الدراسة والبحث المعمق. وشدد على أهمية التحقيب الزمني والمكاني، خصوصا في صياغة العنوان، لتحديد المرحلة التي يتناولها البحث، مع التأكيد على ضرورة الإشارة إلى المرأة العالمة في المغرب ودورها في الدروس الحسنية مع تقديم نماذج دالة.

وفي ختام الجلسة، أعطيت الكلمة للطالب الجيلالي الساجعي، الذي عبر عن شكره العميق لأعضاء اللجنة ولأستاذه المشرف، مؤكدا أن الملاحظات والتوجيهات المقدمة ستؤخذ بعين الاعتبار لما لها من قيمة علمية، وذلك بهدف تحسين الأطروحة وتجويد منتوجها العلمي. وبعد المداولة، أعلنت اللجنة العلمية، بحضور السيد نائب العميد، منح الأطروحة تقدير «مشرف جدا»، مع الإشادة بمستوى الباحث، وبالجهد المبذول، وبالقيمة العلمية للعمل المقدم..

وقد شكلت مناقشة هذه الأطروحة فرصة علمية غنية بالدروس والإشارات المفيدة، خاصة لفائدة الطلبة الباحثين من طلبة الماستر وسلك الدكتوراه، إذ مثلت نموذجا متميزا لمناقشة علمية متميزة استمرت حوالي ثلاث ساعات، استعرضت خلالها، بشكل مركز أحيانا ومستفيض أحيانا أخرى، مجموعة من القضايا المنهجية المرتبطة بالبحث الأكاديمي، إلى جانب عدد من الملح والفوائد. وقد توفرت في هذه المناقشة جميع شروط النجاح، بدءا من الجانب التنظيمي واللوجيستي، ومرورا بالغنى الفكري والمعرفي الذي ميز تدخلات أعضاء اللجنة، وانتهاء بطريقة التسيير الرفيعة التي قاد بها الأستاذ الدكتور عبد المجيد بوشبكة أعمال الجلسة، مما أضفى على مجريات المناقشة طابعا من الجدية والسلاسة والعمق، وأسهم في تعميق الفائدة العلمية، سواء على مستوى تطوير الأطروحة ودعم الباحث، أو من خلال الإسهام في التكوين المستمر للطلبة الحاضرين من الباحثين وطلبة الدراسات العليا.

ــــــــــــــــــ

(*): مفتش تربوي، وباحث بسلك الدكتوراه.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *