التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية: علم الأخلاق نموذجا» موضوع أطروحة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية الجديدة

«التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية: علم الأخلاق نموذجا»
موضوع أطروحة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية الجديدة
بقلم: عبد الكريم بن رزوق (*)
احتضن مدرج الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، التابعة لجامعة شعيب الدكالي، يوم 05 يناير 2026 على الساعة العاشرة صباحا، مناقشة أطروحة دكتوراه في مختبر الدراسات الإسلامية والأنساق المعرفية، تقدم بها الباحث عبد الحكيم درقاوي، موسومة بـ: «التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية: علم الأخلاق نموذجا».
تألفت لجنة المناقشة من نخبة من الأساتذة الجامعيين، حيث ترأس الجلسة الدكتور محمد ابن عزوز، أستاذ الحديث وعلومه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، وشارك بصفة أعضاء مقررين كل من: الدكتورة حنان الخياطي، أستاذة الفكر الإسلامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، والدكتور علي زروقي، أستاذ الفقه وأصوله بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، والدكتور إدريس أبوزيد، أستاذ أصول الفقه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة. كما شارك الدكتور فؤاد بلمودن، أستاذ الفكر الإسلامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، بصفته مشرفا على الأطروحة.
افتتحت جلسة المناقشة بكلمة ألقاها السيد رئيس اللجنة، رحب فيها بالسادة أعضاء اللجنة العلمية، شاكرا لهم تلبية دعوة المشاركة وافتحاص الأطروحة، كما قدم نبذة موجزة عن المسار العلمي للطالب الباحث، مع التعريف بعنوان أطروحة الدكتوراه موضوع المناقشة. وعقب ذلك، أعطيت الكلمة للطالب الباحث، والذي استهل الباحث كلمته بتوجيه عبارات الشكر والامتنان إلى الأستاذ المشرف، وإلى السادة أعضاء لجنة المناقشة.
أكد الباحث أن الأمة الإسلامية مرت بمراحل تاريخية متعددة، من بينها فترات ازدهار وذروة حضارية تميزت بتجديد العلوم، وبتفاعل مثمر بين معطيات النقل ومناهج العقل، حيث كانت العلوم آنذاك وثيقة الصلة بمنظومة الأخلاق والقيم، تؤدي وظيفة علمية ومعرفية، وأخرى أخلاقية في الآن ذاته. وفي هذا الإطار، أوضح أن الأطروحة تروم دراسة علم الأخلاق باعتباره عنصرا ناظما للتكامل المعرفي بين مختلف العلوم الإسلامية. كما أبرز الباحث وجود تأثر بالمنهج اليوناني في بدايات تصنيف العلوم لدى المسلمين، مشيرا إلى أن كتاب « مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلو » لمؤلفه طاشكبري زاده مثل محطة أساسية في بلورة رؤية إسلامية لتصنيف العلوم، حيث قسمها إلى قسمين رئيسيين علوم نظرية وعلوم عملية.
كما أكد الباحث على أهمية صياغة الإشكال في البحوث العلمية، مستشهدا بقول لشهاب الدين القرافي، ومبينا أن موضوع البحث ينصرف إلى إدراك حدود التكامل المعرفي، وكيف يمكن لهذا التكامل أن يؤسس لجسر معرفي ناظم بين العلوم. وذكر في هذا السياق بأن المقصد الأساس من البحث هو تجنب تحيف الأجوبة عن الأسئلة المطروحة. كما أبرز أن المنهج المعتمد في الدراسة يتقاطع فيه أكثر من منهج، من بينها المنهج الاستقرائي، والتاريخي، والمقارن قصد الوقوف على الفروق بين المرجعيات المختلفة، إلى جانب المنهج النقدي الذي وظف في نقد تجربة إسقاط المناهج الغربية على العلوم الإسلامية دون مراعاة عدم تكافؤ تلك المناهج مع علوم الوحي.
وأضاف الباحث إلى ان هذه الأطروحة جاءت في بنائها العام موزعة على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة؛ خصص الباب الأول لتحديد المفاهيم والمصطلحات المركزية وتأطيرها منهجيا ومعرفيا، فيما انصرف الباب الثاني إلى دراسة مكون الأخلاق في الكتاب والسنة، مع التركيز على أصوله ومبادئه الكلية. أما الباب الثالث فقد خصص لبحث مظاهر التكامل بين علم الأخلاق وبقية العلوم الإسلامية، إبرازا لوظيفته الناظمة ضمن النسق المعرفي الإسلامي.
وعرض الباحث جملة من النتائج التي انتهت إليها الدراسة، من أبرزها أن المصطلح الأخلاقي يتميز بغنى دلالي واضح، وخضع عبر تاريخه لتطور إبستمولوجي ملحوظ. كما خلص إلى أن مشروع أسلمة المعرفة يقوم في جوهره على مبدأ التكامل بين العلوم، وهو تصور ضارب في القدم من حيث المضمون، وإن كان حديثا من حيث التسمية. وأشار إلى أن الاتجاهات الفلسفية كثيرا ما تنحو بالدرس الأخلاقي نحو مقاربات قائمة على اللذة أو نزعات إلحادية، أو إلى نزعات نفعية تفصل القيم الأخلاقية عن المرجعية الإلهية وتجعلها خاضعة للأهواء والمصالح المتغيرة. في حين أن الأخلاق في القرآن الكريم لا تنفك عن البعد الشرعي ولا عن مفاهيم المسؤولية والجزاء.
وفي معرض حديثه عن النتائج، سلط الباحث الضوء على المرحلة المرتبطة بتدوين علم الأخلاق، مبرزا معالم البرهان الأخلاقي القائم على مبدأ فطرية الأخلاق. كما بين حضور علم الأخلاق في علم الكلام، وكذا في أصول الفقه، من خلال مباحث التحسين والتقبيح، مؤكدا أيضا أن الأخلاق تمثل عنصرا ضروريا وأساسا في عمليتي الاجتهاد والفتوى، إذ إن مهمة المجتهد المفتي تقوم على الامتثال للتكليف الرباني، بما يقتضي الخروج عن دائرة الهوى الشخصي.
ومن النتائج التي توقف عندها الباحث كذلك ترسيخ القيم الأخلاقية من خلال الفقه واجتهادات الفقهاء، مستشهدا بعدد من النوازل التي أحيطت بسياج أخلاقي، ومن ذلك النوازل الطبية المعاصرة. واختتم الباحث كلمته بالتأكيد على أن هذا العمل يظل جهدا بشريا لا يسلم من الخطأ والنقص، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾.
استهل الأستاذ المشرف كلمته بالحديث عن السياق العام الذي تندرج فيه الأطروحة، مؤكدا أنها تنتمي إلى رؤية معرفية أكاديمية، ذلك أن البحث في علم الأخلاق داخل الفضاء الأكاديمي ما يزال يراوح مكانه، على الرغم من قدم الاشتغال بهذا الموضوع في التراث العلمي. وبين أن مقاربة الأخلاق تتم عادة عبر ثلاث مسارات، يتمثل أولها في الاشتغال على الجوانب التقنية والقيم الأخلاقية التطبيقية والعملية، فيما ينصرف الثاني إلى دراستها ضمن مجال فلسفة الأخلاق، أما الثالث فيتعلق بإبستمولوجيا الأخلاق أي البحث في بعدها العلمي والمنهجي. واعتبر المشرف أن موضوع هذه الأطروحة يندرج ضمن مشروع أكاديمي ذي منظور إبستمولوجي تنظيري، لا سيما في ظل النقاش المتزايد حول قضايا تخليق الإدارة، وتخليق الفضاء العام، وترسيخ المقاربة الأخلاقية القائمة على مختلف مدركات الإنسان.
وأشار الدكتور بلمودن إلى أن الاشتغال على الأخلاق يعد أصيلا في المعرفة الإسلامية وفي التراث الإسلامي، حيث يتم تناولها ضمن مباحث التزكية والسلوك والآداب، حتى إن كتب المذهب المالكي تكاد لا تخلو من أبواب مخصصة للآداب، وهو ما يؤكد أن البحث في علم الأخلاق متجذر في بنية المعرفة الإسلامية ومكونات التراث العلمي الإسلامي.
وفي معرض حديثه عن الباحث، أشاد المشرف به، معتبرا إياه من صنف الباحثين المتميزين الذين يجمعون بين قوة الشخصية والجدية العلمية، وقال إن شخصية الباحث لا تكون بنيل الشهادات الأكاديمية، بل تتكون من خلال العمل الدؤوب والتراكم المعرفي والعلمي. كما نوه المشرف بأسلوب الطالب ولغته الأدبية المتينة والشائقة، وقدرته على التوفيق بين اللغة الفكرية واللغة الأدبية. وأضاف أن أطروحة الباحث تتميز بإشكال مركب يتطلب امتلاك ملكات معرفية متعددة داخل فضاء العلوم الإسلامية، وهذا ما يميز الدراسات البينية أو التكاملية. وأكد المشرف أن الباحث قد وظف الأدوات الإبستمولوجية توظيفا رصينا، بما يضمن عمق التحليل وسلامة المنهج العلمي.
وأكد المشرف على أن الباحث، بصفة عامة، ينبغي أن يتمتع بالحرية الفكرية، إذ ليس مطلوبا منه أن يتفق دائما مع المشرف، ذلك أن القضايا في العلوم الإنسانية تحتمل تعدد الرؤى وتختلف المناهج في تناولها. وأوضح أن الأهم هو تمكن الباحث من القدرة التفسيرية، مشيرا إلى أن قبول الرأي العام للنتائج المستخلصة لا يتحقق دائما، إذ قد تواجه بعض الأفكار رفضا في فترة زمنية معينة، لكنها قد تثبت صحتها لاحقا ويعترف بها علميا.
وأضاف الدكتور بلمودن أن هذه الأطروحة تتناول قضايا جدلية تتعلق بالكلام العلمي في الأخلاق من خلال العلوم الإسلامية بمنظور إبستمولوجي، وتحاول البحث في مدى إمكانية تأسيس علم للأخلاق ينطلق من مبدأ التكامل بين العلوم، وتتساءل عن إمكانية توظيف هذا البناء في معالجة القضايا العلمية الواقعية، وفي الجانب الفني للأخلاق، بما يتيح تجاوز الانفصام بين التطبيق العملي وما تقدمه النظرية الإسلامية من أسس وقيم.
أما الدكتورة حنان الخياطي فتوقفت عند عنوان الأطروحة، مشيرة إلى أن العنوان يسعى للحد من حدة التشظي بين العلوم، معتبرة أن علم الأخلاق يمثل أفضل نموذج لتحقيق هذا التكامل. لكنها طرحت جملة من التساؤلات المركزية، منها هل يعد علم الأخلاق علما منضبطا؟ وهل يمكن اعتبار الأخلاق عنصرا ناظما لكل العلوم؟
وقدمت الدكتورة عددا من الملاحظات المنهجية، من بينها ضرورة ارتباط الأسئلة الفرعية ارتباطا وثيقا بالسؤال الإشكالي الرئيس، بحيث لا يفوق السؤال الفرعي في أهميته الإشكال ذاته. وأكدت أن الإشكال يعد بمثابة البوصلة التي تقرأ من خلالها الدراسات السابقة، ومن ثم لا ينبغي أن يبدأ الباحث بعرض هذه الدراسات مباشرة. كما شددت على أن الدراسات السابقة يجب أن تقدم بزاوية نقدية، لا وصفية فقط، إذ أن النقد هو الذي يبرز الفجوة البحثية، والتي تتجلى هنا في مسألة التكامل بين العلوم.
كما أبرزت الدكتورة حنان الخياطي أن الباحث اعتمد مصفوفة مركبة من المناهج، مشيرة إلى أن المنهج النقدي لا يقتصر عليه في نقد الفكر الغربي فقط، بل يستخدم كذلك في فحص الثغرات الكامنة في التراث. وأكدت أن الباحث التزم ببناء منهجي محكم، حيث قسم البحث إلى ثلاثة فصول: أولها مفاهيمي، وثانيها تأصيلي، وثالثها وظيفي. ولفتت إلى أن الفصل المفاهيمي يشكل ركيزة مهمة في أي بحث، إذ يبدأ بتحديد وضبط المصطلحات مع عدم ترك التعريف خاليا من التعليق والنقد.
وأكدت الدكتورة الخياطي على أهمية خاتمة البحث، مشددة على أن تقديم النتائج والتوصيات يجب أن يتم وفق تقسيم منهجي محكم يمنحها طابعا تلخيصيا وتركيبيا يعكس البناء العلمي الشامل للأطروحة. وأضافت أن التوصيات تتجاوز المقترحات العامة لتثري الأثر المنهجي للأطروحة وتساهم في تطوير البحث العلمي في مجال التكامل المعرفي بين العلوم الإسلامية. وأوضحت أن دراسة التكامل تمت، من خلال هذه الأطروحة، في إطار إسلامية المعرفة، مما أتاح إبراز مكانة الفكر الإسلامي في الدفاع عن القيم الأخلاقية والتربوية بفضل البعد الإلهي. وختمت كلمتها بالتنويه بـالقيمة العلمية المتميزة للبحث وكفاءة الباحث في إنجاز هذا العمل الأكاديمي الجاد.
أما الدكتور إدريس أبو زيد، فقد أشاد بسعة اطلاع الباحث، وبحسن استغلاله للمصادر والموارد المتعددة المشارب، مؤكدا أن اللغة العلمية للأطروحة متميزة من حيث المصطلح، وبراعة التحليل، وإيراد الأدلة، ومناقشة الآراء باعتدال، مع القدرة الواضحة على فهم الأقوال في سياقها التاريخي. وأضاف أن الباحث قدم من خلال البحث مخرجات مقنعة تؤكد فكرة التكامل بين العلوم الإسلامية، من خلال مركزية الأخلاق في هذه العلوم، مشيرا إلى أن هذا التكامل متأصل أيضا في عدد من العلوم الإسلامية الأخرى من خلال أمناء الشريعة عبر السند المتصل.
وأبرز الدكتور أبو زيد أن الباحث تجول في منجز كبار العلماء، مثل أبي حامد الغزالي، وابن رشد، وأبي إسحاق الشاطبي، كما استعرض أعمال المعاصرين البارزين، من أمثال الدكتور فريد الأنصاري، والدكتور أحمد الريسوني، والشيخ طه عبد الرحمن، مع ربط جسور التواصل بين المتقدمين والمتأخرين الذين تميزوا بالتمكن في علوم الشريعة والدين، وأدوا واجبهم العلمي والأخلاقي بكل مسؤولية.
ونبه الدكتور إدريس أبو زيد إلى ضرورة التمييز بين مصادر البحث والدراسات السابقة، موضحا أن الأخيرة غالبا ما تكون عبارة عن رسائل ماستر، أو أطروحات دكتوراه، أو مخرجات ندوات علمية… ويجب أن تتناول موضوع الباحث بدقة. وأكد أن أي باحث مطالب بإبراز مكامن النقص والفجوة البحثية التي يمكن لأطروحته سدها. كما أشار إلى أمثلة محددة لمراجع ينبغي إدراجها ضمن الدراسات السابقة، منها بحث بعنوان « معالم التكامل المعرفي بين الأخلاق والفقه وأصوله: التعليل الأخلاقي أنموذجا » الذي أعده الطالب الباحث عبد القادر بوعلافة، إضافة إلى مخرجات ندوة « سؤال الأخلاق في العلوم الإسلامية: مشكلات وقضايا » التي نظمت بكلية أصول الدين بتطوان يومي 24 و25 أبريل 2018، والتي شارك فيها الدكتور فؤاد بلمودن، المشرف على هذه الأطروحة، بمقاله الموسوم «أثر الأخلاق في الفقه الإسلامي: نماذج من التعليل والترجيح الفقهي للأحكام الشرعية».
وخالف الدكتور إدريس أبو زيد رأي الباحث الذي نحا إلى أن العلماء المسلمين في العهد الأول تأثروا بالعلوم اليونانية فيما يتعلق بالتصنيف، مؤكدا أن التصنيف الذي اعتمده العلماء المسلمون كان أصيلا ولم يتأثر بالعلوم اليونانية، متسائلا في هذا السياق: هل أزمة العلوم الإسلامية أزمة منهج أم أزمة تنزيلي؟ وفي ختام كلمته، أشاد بإبراز الباحث للبعد الأخلاقي من خلال حضوره في أسماء الله الحسنى.
ونوه الدكتور علي زروقي بأهمية موضوع الأطروحة، مؤكدا أن الخوض فيه ليس بالأمر الهين، إذ إنه موضوع صعب وهو أشبه بحقل مليء بالألغام، تتجاذبه اتجاهات ومقاربات. وأشار إلى أن التعامل مع هذا الموضوع يتطلب التشمير والاجتهاد، مستشهدا بقول ابن كثير في تفسيره: «وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى».
وأكد الدكتور زروقي على أهمية توفر عنصر الجرأة لدى الباحثين، مع التشديد على أن هذه الجرأة يجب أن تكون مؤطرة ومنضبطة من قبل الباحث نفسه، بما يضمن سير البحث في الاتجاه الصحيح وتحقيق أهدافه العلمية. كما شدد على أن الدراسات السابقة ينبغي أن تكون مرتبطة بموضوع البحث، وألا تعرض عرضا وصفيا فقط، بل يجب مناقشتها ونقدها، بما يسهم في توضيح الإضافة العلمية النوعية، وإبراز أصالة البحث وتميزه بعنصر الجدة.
وفي موضوع تصنيف العلوم الذي تناولته الأطروحة، أكد الدكتور زروقي أن أرسطو كتب في العلوم الطبيعية وفي الإلهيات، وأن تلاميذه هم من نقلوا هذا التصنيف ودونوا حوله. وأضاف أن للكندي بعض الإشارات في تصنيف العلوم، وكذلك لأبو حيان الأندلسي، غير أن الفارابي يحتل الصدارة في تصنيف العلوم. فقد قام بالفعل بوضع تصنيف للعلوم، لكنه لم يكتف بتصنيف واحد، بل قدم تصنيفين مختلفين، التصنيف الأول كان أكثر عمومية، يعتمد على تقسيم العلوم بحسب موضوعها أو غرضها العام. أما التصنيف الثاني، والذي جاء لاحقا، فكان أكثر تفصيلا ودقة، مع مراعاة وظائف العلوم والعلاقات بينها.
واستهل الدكتور محمد ابن عزوز، رئيس اللجنة، كلمته بالتنويه بما تتضمنه الأطروحة من فوائد علمية جمة، مبرزا أن منتوجها وقيمتها العلمية يعكسان قدرا كبيرا من صبر الباحث وأناة في البحث. وأشار إلى أن الطالب، والذي سبق له أن تلقى عنه علوم الحديث قبل سنوات، يعد، بما أنجزه، بالإجازة جدير، وبكل فائدة يليق. واستشهد في هذا السياق بقول ابن المعتز: « القلم معدن، والعقل جوهر، والقلم صائغ، والخط صناعة ». وأضاف أن الأوهام والأغلاط لا يكاد يسلم منها كتاب لعالم، مستحضرا قول ابن قتيبة: «ولا نعلم أن الله عز وجل أعطى أحدا من البشر موثقا من الغلط، وأمانا من الخطأ، فيستكف له منها، بل وصل عباده بالعجز، وقرنهم بالحاجة، ووصفهم بالضعف والعجلة». وختم مداخلته بالتأكيد على أن الوقوع في الخطأ ليس عيبا في ذاته، وإنما العيب كل العيب في الاستمرار فيه.
ومن بين الملاحظات المقدمة، التنبيه إلى تكرار الاكتفاء بقول «عليه السلام» بدل «صلى الله عليه وسلم». وفي هذا السياق، أثار الدكتور ابن عزوز تساؤلا فقهيا حول مدى جواز الاكتفاء بالسلام دون الصلاة والسلام عند ذكر نبي الرحمة ﷺ، متسائلا عما إذا كان الاقتصار على السلام وحده مكروها. واستدل في ذلك بقول الحافظ العراقي في ألفيته: « واجتنب الرمز لها والحذفا، منها صلاة أو سلاما تكفى ». كما استشهد بكلام للإمام النووي يفهم منه التأكيد على ضرورة المحافظة على الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، والتنبيه إلى أن من أغفل ذلك حرم حظا عظيما. وأضاف أن مما يروى في هذا الباب ما ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من شدة تعظيمه لاسم النبي ﷺ، حتى قيل إنه كان إذا يكتب (المسند) يتوقف عند اسم النبي ﷺ فيقف، ويصلى عليه، ثم يستأنف الكتابة. وواصل استشهاده بقول لسفيان الثوري رحمه الله: «لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على رسول الله ﷺ، فإنه يصلي عليه ما دام اسمه في ذلك الكتاب». وأضاف: وفي النكت الوفية في شرح الألفية، أورد الحافظ برهان الدين البقاعي، أن الشافعي أفرد في خطبة » الرسالة » الصلاة عن السلام، وهو ما يستفاد منه حكم عدم كراهة الإفراد. ليخلص الدكتور ابن عزوز إلى أن الحظ العظيم في الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كتابة وقولا.
وفي معرض حديثه عن الأطروحة، ومراجعها التي اعتمدت، ذكر بكتاب « الفيلسوف ابن ساعته » وهو كتاب صدر حديثا، لمؤلفه الفيلسوف طه عبد الرحمان، وهو كتاب قيم جدا، ويمكن أن يعطي إضافات مهمة للمشروع الذي تتناوله الأطروحة مستقبلا.
كما أشار المتدخل إلى أحد الفلاسفة الكبار الذين لم ينالوا حظهم الكافي من العناية البحثية، وهو الفيلسوف المغربي المعاصر، رائد الشخصانية، محمد عزيز لحبابي، الذي يعد أول مغربي يحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون، وأول مغربي يرشح لجائزة نوبل في الفلسفة، حيث كان قاب قوسين أو أدنى من نيلها سنة 1987. وقد أولى الراحل لحبابي اهتماما بالغا بالبعد الأخلاقي، ولا سيما في أواخر مسيرته الفكرية.
وفي هذا السياق، استحضر الدكتور ابن عزوز كتاب محمد عزيز الحبابي الصغير الحجم، النفيس القيمة، الموسوم بـ »أزمة القيم » الصادر سنة 1991، والذي تضمن أسئلة وأجوبة متصلة بقضايا الأخلاق والقيم. سعى الحبابي في هذا الكتاب إلى معالجة السؤال المحوري: هل يعيش العالم المعاصر فعلا أزمة أخلاقية؟ ليخلص إلى أن التيارات الكبرى، من ليبرالية واشتراكية وعقلانية، قد أخفقت إخفاقا ذريعا في تقديم نموذج أخلاقي ناجع. وأشار إلى أن المخرج الحقيقي من هذه الأزمة يكمن في النموذج الإسلامي، مستندا إلى الحديث النبوي الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، حيث قدم تصورا يجعل من الإسلام بمثابة « الصندوق » الذي بين أيدينا، والذي ينبغي فتحه لاستخراج النموذج الأخلاقي الكامن فيه، والمعبر عن مقاصد الحديث النبوي.
ويفضي هذا التصور، وفق رؤية الحبابي، إلى ما يمكن تسميته بـ »ثورة قيمية » مصدرها الوحي، وإلى استعادة الطاقة الأخلاقية الكامنة في فيه، شريطة حسن فتح هذا « الصندوق » واستثمار هذه الثروة بما يسمح بإحداث نقلة نوعية من وضعية الجهل والظلم إلى أفق الحرية والانعتاق. وقد نبه الدكتور إلى أن عددا من ملامح هذا التصور الأخلاقي في فكر الحبابي قد نوقشت وبينت بشكل واف في كتاب « الأخلاق والإيمان في فلسفة محمد عزيز الحبابي » للدكتور أحمد بوعود، المتخصص في فلسفة الدين، والأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد المالك السعدي بالمغرب.
كما نبه الدكتور ابن عزوز إلى أهمية كتاب نظام التفاهة لمؤلفه الفيلسوف والمفكر الكندي آلان دونو، الذي يؤكد أن منظومة القيم العالمية أصبحت مهددة بالأذواق المنحطة التي انتشرت نتيجة سيطرة التافهين، إذ سيطرت شريحة كبيرة من التافهين والمنحطين على العالم، وصارت في خدمة السوق وتسليع كل شيء.
ومن بين الكتب الأخرى التي يمكن الاسترشاد بها لتطوير المشروع، أشار الدكتور ابن عزوز إلى كتاب « الذخائر والأخلاق في آداب النفوس ومكارم الأخلاق » لصاحبه أبو الحسن سلام بن عبد الله بن سلام الباهلي الإشبيلي، و »كتاب الصمت وآداب اللسان » لعبد الله محمد عبيد البغدادي أبو بكر ابن أبي الدنيا، ويعرف هذا الكتاب بأنه حفظ في نسختين تكمل إحداهما الأخرى، ففي إسناد نسخة دار الكتب المصرية، وردت أسماء راويات هن الشيخة الكاتبة شهدة بنت أبي نصر أحمد بن أبي الفرج الإبري، والمحدثة أم عتيب تجني بنت عبد الله الوهبانية، بينما في إسناد نسخة الظاهرية يظهر اسم فاطمة بنت محمد بن علي المدعوة نفيسة، وهو ما يعكس دور المرأة المسلمة في خدمة الدين. وأضاف الدكتور ابن عزوز ملاحظة منهجية مهمة تتعلق بالكتب التي حققت مرات متعددة، وهي ضرورة الإشارة في الهامش إلى أسباب اختيار تحقيق محدد دون غيره، مشيرا إلى أن تحقيق أبي إسحاق الحويني لهذا الكتاب يعد الأفضل بين التحقيقات المتاحة.
وفي وقفته المتعلقة بتخريج الأحاديث، أكد الدكتور ابن عزوز إلى ضرورة الرجوع إلى العلماء الأوائل في هذا الفن، فهم الأصل الأصيل، والنور الدليل في التصحيح والتضعيف.
وفي ختام المناقشة، أعيدت الكلمة للطالب عبد الحكيم درقاوي، الذي أعرب عن شكره مجددا لأعضاء اللجنة ولأستاذه المشرف، مؤكدا على القيمة العلمية للملاحظات والتوجيهات المقدمة والتي ستؤخذ بعين الاعتبار. وبعد المداولة، أعلنت اللجنة العلمية، بحضور السيد نائب العميد، والسيد مدير المختبر، منح الأطروحة تقدير « مشرف جدا »، مع الإشادة بمستوى الباحث، وبالجهد المبذول، وبالقيمة العلمية للعمل المقدم.
ولقد شكلت مناقشة هذه الأطروحة فرصة غنية بالدروس والإشارات المفيدة، لا سيما بالنسبة للحضور من الطلبة الباحثين، إذ مثلت نموذجا متميزا لمناقشة علمية ناجحة استمرت أكثر من ثلاث ساعات استعرضت بشكل مركز أحيانا ومستفيض أحيانا أخرى، عددا من القضايا المنهجية المتعلقة بالبحث الأكاديمي. بالإضافة إلى عدد من الملح والفوائد. وقد توافرت في هذه المناقشة جميع شروط النجاح، بدءا من الجانب التنظيمي واللوجيستي، مرورا بـالغنى الفكري والمعرفي الذي تميزت به تدخلات أعضاء اللجنة، وانتهاء بـطريقة التسيير الرفيعة التي قاد بها الأستاذ الدكتور محمد ابن عزوز أعمال الجلسة، وقد أضفت هذه العناصر مجتمعة طابعا من الغنى والسلاسة على مجريات المناقشة، مما أسهم في تعميق الفائدة العلمية المرجوة.
(*): مفتش تربوي، وباحث بسلك الدكتوراه.





Aucun commentaire