Home»International»كورونا وسؤال التوبة

كورونا وسؤال التوبة

0
Shares
PinterestGoogle+
 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين
كورونا وسؤال التوبة
بقلم: عبد المجيد بنمسعود
منذ أن حلت كورونا ( كوفيد19) بأرض الله، بأمر الله، وهي تذرعها شرقا وغربا،و شمالا وجنوبا، وتنساح في أطرافها بكل طلاقة وكبرياء، وتصب ذخائرها وحممها حيث توجهت، وتكتسح من المساحات ما شاءت، تطوي الأرض طيا، بسرعة مذهلة، وبإيقاع محير، وديناميكية مستعصية على الضبط، متمنعة على الفهم والتفسير، الأمر الذي تجلى في الحشد الهائل من المقاربات المتناقضة، والتحليلالت المتباينة، التي لا تكاد تبرح دائرة الاحتمال والتخمين، مما ألقى بالناس في دوامة من الحيرة والاضطراب والتوجس والترقب، وأغرقهم في لجة غائرة من الوساوس والعذاب.
لقد شكل هذا الاستعصاء والتمنع من طرف كورونا صفعة لغرور الإنسان، الذي اعتقد في لحظات زهوه ببعض مكاسبه في عالم الكشف والاختراع ، أنه قد اقترب من امتلاك ناصية الكون، أو أنه أدرك ذلك فعلا، فراح يلوح بقبضته في السماء، مستشعرا إحساسا عارما بالانتصار والانتشاء، صفعة طرحته أرضا ومرغت أنفه في التراب، وأرته نفسه في مرآة الحقيقة كسيفا مرعوبا، وضعيفا مهينا، يركض في الأرض محموما مذعورا، يلتمس البلسم والخلاص، مصارعا الزمن، حاشدا كل ما لديه مما حصله من مكاسب في عصر تزيى بزي العلم، وتاه قادته ومتزعموه بما حسبوه بلوغا للذروة، فراحوا يبسطون قبضتهم على مقاليد الحشود الزائغة والمتناثرة في أرجاء البسيطة، في حركة طائشة من التحكم والبغي والاستعباد. سددت كورونا إذن لكمة عنيفة أليمة إلى أنوف من خالوا أنفسهم في لحظة انتشاء، أربابا تستوجب تلقي طقوس التقديس والولاء، والطاعة والانقياد.
لقد تراوحت ردود الفعل عبر العالم بين من ظهرت عليهم بعض أمارات الفهم والاعتبار، بما ألقته كورونا من رسائل وإشارات، واقتنعوا بضرورة إعادة النظر في جملة ما هم عليه من تصورات وعقائد وأفكار وقيم، ومن أنماط للتعامل والسلوك، إزاء الكون والإنسان، وإزاء المجتمع والتاريخ، ولا ندري أي حجم تمثله تلك الطائفة في خضم البشرية الهائل، وبين من « وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا » ، هؤلاء الذين لا ندري أيضا، أي نسبة يمثلون، ولا أي مساحة يشغلون. وهذا في ظل غياب صارخ لآلية جادة، وذات مصداقية علمية وموضوعية’ يكشف من خلالها عن معطيات حقيقية ودقيقة حول الموضوع، غياب تفسره عملية التكتم والتعتيم، بل والتزييف والتزوير، التي يرزح تحت نيرها القاهر، الوضع الإنساني العام في العالم، وما يزخر به من تناقضات، وما يحبل به من أحداث وتحولات.
غير أن الناظر بعمق إلى مجريات الأحداث، من منطلق رؤية شاملة، المتابع لما تستتبعه من تفاعلات وتداعيات، على مستوى مفاصل الحياة الاجتماعية، في جميع أبعادها وجوانبها، يدرك أن الأمر يتعلق بمنعطف إنساني بالغ الخطورة، بالغ التعقيد، يتمثل في أن العالم أصبح مستباحا بشكل سافر وصريح، لقوى شيطانية، ممعنة في الشر والعدوان، تقتاد البشرية إلى مصير رهيب مجهول التفاصيل، وإن كان معلوما من حيث طبيعته الشيطانية العالتية، ونزعته الطغيانية الباغية.
فالذين يواكبون ما ينتجه المختصون، والمحللون، المراقبون لاتجاه الأحداث والتطورات، الدارسون لما تفرزه من ظواهر شاذة، في سياق الارتكاس والهبوط والانحطاط، الذي طال الحضارة البشرية، والتشوهات التي اعترت الفطرة وأصابتها في الصميم، تحت غطاء خادع من الدعاوى الباطلة، والشعارات الزائفة، يدركون عمق المأساة التي يتخبط في خيوطها وأحابيلها بنو آدم، وهول القرار السحيق الذي ينحدرون إليه بسرعة جنونية، تبعث على الخوف، وتولد شعورا طاغيا من الهم والقلق والعذاب.
يحصل هذا الاعتقاد والاقتناع لدى متابعي الشأن الإنساني العام، بمقتضى الجزء الظاهر من الجليد الذي تمثله الحقائق المتاحة، التي انتزعت انتزاعا، من بين فكي الوحش الكاسح المتربص بالإنسانية الدوائر، وهو كاف لاستشعار هول الخطر المحدق، فما بالك في حال ما إذا تحققت الإحاطة الشاملة بالمخطط الرهيب الذي حيكت خيوطه السوداء، لتلتف حول الكيان الإنساني، كما يلتف ثعبان ضخم حول جسم إنسان هزيل.
لقد أدرك العارفون بالوضع، أن كل الحصون الإنسانية قد اخترقت، وكل أساساتها قد نسفت، وأن محتوياتها قد نهبت، وحرماتها قد انتهكت، ثم علقت على بواباتها لافتات مزورة، تظهر عكس الواقع، وتطمس واقع السطو والاحتيال، وحقيقة التخريب والتدمير الذي مارسته وتمارسه القوى الشيطانية الأخطبوطية، بأذرعها الممتدة في كل اتجاه، المغروزة في كل جزء من أجزاء الكيان الآدمي المنكوب.
السياسة، الاقتصاد، الثقافة، الاجتماع، الأسرة، الدين، التعليم، الإعلام، كل هذه الحصون قد طالها التخريب، وعربدت فيها عصابات الفساد، و »مافيات » التحريف والتزييف، فغدت قاعا صفصفا، تنعق فيها الغربان، بسبب ما أخضعت له من عمليات مأساوية لإخلائها من جوهرها وحقيقتها، وإلباسها لباس الزور والبهتان، وشحنها بشحنات السوء والشنآن.
وإذا كانت كثير من الحقائق والمعطيات قد ظلت خافية قبل وفود كورونا إلى عالمنا البائس المنكوب، فإن حلولها بساحة العالم، قد أماط عنها اللثام.
وإن من أبرز ما ينبغي الكشف عنه في هذا المقام، ما جهرت به كثير من الأصوات التي يؤرق أصحابها هم الإنسانية المنكوبة، مما يتعلق بدأب القوى الشريرة في العالم على استثمار ما يحصل لها من مآسي وكوارث، الأمر الذي تأكد في تعاملها مع كوفيد 19، بحيث أرادت بصلافتها وخستها أن تحول كورونا، والخسائر المترتبة عن كورونا في العالم، في آن واحد، إلى رصيد مالي ضخم يضخ في خزائنها الرأسمالية العفنة، وإلى حبل يحز أعناق مئات الملايين في طول العالم وعرضه، ممن يسامون سوم الشياه إلى مذابحها ومسالخها، عبر العرابين والوسطاء من بني جلدتهم الذين تنكروا للعهد وخانوا الأمانة، ولانت نفوسهم الخبيثة، تحت سلطان سحر السحرة، بسبب خستهم ودناءتهم وقماءتهم وصغر نفوسهم.
لقد بدا واضحا أن الصراع المحموم بين أجنحة المكر الغربي من أجل التوصل إلى صنع لقاح واق من كوفيد 19، يندرج في سياق هذا السعي الذي يروم تحويل المأساة إلى غنيمة ضخمة تصلح علفا يزيد جسم الوحش الرأسمالي ضخامة وسمنة. وبدا واضحا أيضا أن هذه النزعة في سلوك النظام الرأسمالي الشره المعتوه، تكشف عن خسة معدنه، وقصر نظره، وفظاعة جرمه، وخوائه من أدنى القيم التي تنسبه إلى الآدمية، إذ لا يتاجر بمآسي البشرية، ويتمتع بمصائبها إلا من أوتوا باعا طويلا في الوقاحة والدناءة والشر والإجرام.
والذي يزيد المشهد سوءا، والمأساة شناعة، أن تساق الشعوب المغلوبة على أمرها سوقا إلى الانخراط في تنفيذ البروتوكولات والخطط التي تحاك في مراكز القوى الغالبة المتنفذة، تحت صيغ كاذبة، ولكن ماكرة، توحي للمغلوبين بشكل من أشكال الاستقلالية، بل وحتى البطولة، من باب التمويه.
وبهذا الاعتبار، وفي ظل هذه المقاربة الخادعة، والتواطؤ المكشوف، من المغلوب مع الغالب، يحول بلاء كورونا من فرصة للانطلاق في مسلسل جاد، لإعادة بناء الذات، في إطار توبة نصوح، تقطع مع الإرث الثقيل من الإساءة والإجرام في حق الأوطان، إلى ذريعة لمزيد من تكبيل الطاقات، وتكبيد الخسائر، ولاستكمال الانسلاخ، مما تبقى من بعض ملامح السيادة.
لقد كان بالإمكان أن تتخذ الشعوب المسلمة بلاء كورونا فرصة تاريخية مشهودة، لمراجعة الذات، ولطرح سؤال التوبة من جميع المعاصي التي اقترفت في حق الأفراد والمجتمعات، على كل المستويات، تلك المعاصي والجرائم النكدة، التي ألقت بالناس في أتون من العذاب والمعاناة، والمذلة والاستخذاء، وجردتهم من حقهم وحظهم المشروع، في الإحساس بالكرامة والعزة، وفي رفع رؤوسهم بين سائر الأقوام، في إطار الندية والمساواة، علما أن الأمة المسلمة تستحق ما يفوق هذا المقام، باعتبارها صاحبة الرسالة الخاتمة والدين القيم ، دين الإسلام، وهو مقام الشهود على الناس.
ولكن شيئا من ذلك لم يحصل للأسف الشديد، وكأن على قلوب أقفالها.
و قصارى ما حصل في سياق التفاعل مع وباء كورونا وما خلفه من هزات، وخلفه من ضحايا و جراح هو بذل جهود محمودة على مستوى إعداد العدة المادية والتقنية لمواجهة الداء، وإيقاف زحفه. وكان ذلك تعبيرا عن فهم ناقص لرسالة كورونا، التي كانت، ولا تزال تتطلب قراءة واعية شاملة، في ضوء رؤية الإسلام للكوارث والابتلاءات، والجوائح والهزات، قراءة تندرج في سياق سؤال التوبة الشامل العريض، الذي لا يقبل التجزيء والتفتيت، ويقتضي، على الضد من ذلك، إرجاع القطار إلى مساره الصحيح، والإصلاح الشامل لجميع الأجهزة ، لإزالة الأعطاب وإصلاح جميع مكامن الخلل.
إنه ليس بلائق في حق الشعوب المنتسبة للإسلام عقيدة وحضارة، أن يكون تعاملها واستجابتها للكوارث والابتلاءات، شبيها بتعامل واستجابة الشعوب والأنظمة التي حرمت من نور الإسلام. فالركون إلى مجرد التعامل المادي التقني ليس بكاف لكفكفة الداء، وجلب الدواء. ولا مناص إذا كانت الأمة المسلمة أمينة لخصوصيتها وطبيعتها وتميز شخصيتها، أن تجمع بين الإعداد المادي والإعداد الروحي، لتحصل على الترياق الوافي والبلسم الشافي، لا بد من التوجه إلى رب كورونا لرفع كورونا، فهو سبحانه نعم المولى ونعم الوكيل،هو الذي ينزل الأسباب والمسببات، ويخلق بأسباب وبغير أسباب، فهو مسبب الأسباب ورب الأرباب، الذي « إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ». فسبحانه عما يصفون.
يقول سبحانه وتعالى: » إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (الرعد:11).
ويقول سبحانه: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (يونس: 107).
ينطبق هذا على الأمم والشعوب كما ينطبق على الأفراد، سواء بسواء.
وإذا كانت الأمم الغربية قد تركت لشأنها تصارع كورونا بالأسباب المادية والبحث العلمي، بحكم تركيبتها المادية، بعيدا عن هدى الإسلام، فما يكون لمن شرفوا بالانتساب له والدخول في حماه، أن تكون مقاربتهم محاكية لهولاء الغربيين.
نعم لم يخل الأمر من بعض الإنابة والرجوع إلى الله جزئيا على مستوى فصائل من الناس في بلاد المسلمين، في ظل موجات كورونا المباغتة، بفعل الصدمة، ولكن ليس بالشكل المطلوب الذي يفي بالنصاب، فقد همهم هؤلاء بشفاههم، مستشعرين العلاقة بين نزول البلاء، وفشو المعاصي والذنوب، ومن ثم ضرورة الإنابة لفاطر الأرض والسماء.
غير أن التوبة التي كان يجب أن تحصل، هي التوبة الشاملة النصوح، التي يدخل الناس بموجبها في السلم كافة، ويدخل نظام الحياة بجميع أجهزته ومؤسساته ودواوينه تحت عهدة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة.
وليس يعني هذا أن يتحقق الرجوع دفعة واحدة، فهذا مما تأباه سنن الاجتماع والعمران البشري، التي من ضمنها سنة التدرج، إنما المراد إعلان النية وإصدار القرار، وإبرام العهد مع الله جل جلاله على المضي قدما في طريق الإصلاح، من أجل بناء القوة، واسترجاع الهيبة، وإثبات الوجود والحضور.
إن مما يحز في النفس ويفت في العضد، أن نلحظ شبه غياب لهيئات العلماء في هذا المقام، فالأمر الطبيعي الذي كان ينبغي أن يقع، وتستوجبه هذه اللحظة الفارقة من حياة الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، أن يعلو صوت العلماء بالنصح والإرشاد، وتحديد الموقف السديد تجاه هذه النازلة من منظور الإسلام، وتنوير جمهور الناس في شأن السبيل الناجع للخروج الآمن من بين براثن هذا الداء الوبيل.
إنه ما لم تتم المواجهة على هذا النحو، وبهذه الرؤية، فإن هذا الوضع المحرج سوف يظل قائما، وحتى في حالة انحسار الموجات الراهنة لوباء كورونا، فقد تأتي موجات أخرى، قد تكون أشد وأعتى، لأن وعيد الله للمعاندين لله المتمردين على شرعه وحكمه، لا يتخلف بحال. فالنجاة النجاة، فإن النذير العريان قد لوح بقميصه، محذرا من الأخطار. فلات حين غفلة ولات حين استهتار.
إن بوسع الأمة المسلمة أن تتجاوز زمن كورونا وهو زمن ضعف وانكسار، وتفكك وانهيار، إلى زمن للقوة والعافية، بفضل نهضة صادقة إلى شريعة الله العزيز الجبار الرحيم الغفار. وصدق الله القائل سبحانه: » هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (محمد: 38).

 
MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.