Home»National»تجديد الرؤية التعبيرية: من الكتابة إلى الكتابية: « الكتابة المدرسية بين الصناعة الفنية للأساليب النثرية، ورؤى المناهج الحديثة » ـ الجزء 1

تجديد الرؤية التعبيرية: من الكتابة إلى الكتابية: « الكتابة المدرسية بين الصناعة الفنية للأساليب النثرية، ورؤى المناهج الحديثة » ـ الجزء 1

0
Shares
PinterestGoogle+

تجديد الرؤية التعبيرية: من الكتابة إلى الكتابية:

« الكتابة المدرسية بين الصناعة الفنية للأساليب النثرية،

ورؤى المناهج الحديثة »ج

محمد ابراهيمي

1- إطار نظري:

كان سقراط يكره الكتابة؛ لأنها تستنزف الذاكرة ويؤثر الحوار التوليدي، وكان القدماء يعتبرون الكتابة استرجاعا يخفف من الفائض المركوز؛ لكن المحدثين يعتبرون الكتابة إعمارا للخراب، وتجميلا للقبيح، ورد فعل ذاتي وموضوعي، على فعل الحياة وانعكاس الواقع.

الكتابة حسب يمنى العيد في معرفة النص ص82، ليست » استخداما للغة ،وإن كانت مادة الكتابة اللغة ،والكتابة ليست إنشاء لتراكيب ترسف في قيود القواعد ،وأنظمة اللغة، وإن كانت أهداف التعليم والتكوين تقتضي ذلك، الكتابة ليست رصفا للألفاظ ،وتصفيفا للوحدات المعجمية لتوليد المعنى، وإنما الكتابة صياغة تولد التعبير في سياق اجتماعي ومقام فني ، يخلق حجمه الدلالي بالقصر أوالإطناب، بالفصل أو الوصل ،بالإيجاز أو الإسهاب ويشيد فضاءه النوعي الأجناسي بالمقالة التفسيرية أو الحجاجية أو النقدية ،بالوصف الخارجي أو الداخلي أو الخيالي ، بالسرد اليومي أو الذاتي أو الغيري ، بالحكي الخيالي أو النقد، بالملاحظة والتقرير، وبالتحويل من جنس لآخر، بالتوثيق بمفاهيمه المتعددة أو الصياغة الرسالية او القصاصة الإخبارية، قد تنحرف الكتابة ولكن لصالح مزيد من الواقعية ،وقد تتعالى الكتابة وتشط عبر الواقع، ولكن لصالح مزيد من الطبيعة الإنسانية.

الكتابة منتج اجتماعي، ينبثق من عالم الإنسان وواقعه، يراكم نبض الحياة ليولد الدلالة الاجتماعية. ص58

إنها الشكل الآخر للقراءة ، كما ترى جماعة تيل كيل، وتربطهما علاقات طبيعية تسلسلية، حيث يلحم التدمير فعل الكتابة ،على حد تعبير « لوسركل » في كتاب عنف اللغة، والمراد بالتدميرهو مصدر الألم، فالكتابة تعبير عن الوجدان الفردي، وما يمور بداخله من مختلجات ومساورات ،ومشاعرإيجابية أوسلبية، وتعبير كذلك عن الوجدان الجماعي، وما يكتنفه من قلق حول قضايا ماضية أو راهنة أومستقبلية ممضة ،وهي مصدر معافاة، فالكتابة معادل موضوعي يحقق التوازن بين الذات والموضوع، ومنفذ للتنفيس يصرف الضغوط النفسية والاجتماعية والوجودية ، ويسوق جماليا الطاقة البشرية؛ مما يفضي إلى إثبا ت الذات، ورد الاعتبار للأنا الفردية والجماعية، إنها علاج مؤلم ،فالكتابة معاناة ومجاهدة ؛لكنها تفريج عن الكرب، وتخفيف من ثقل الأعباء، عبء الواجب، وعبء المنسيات ،وعبء المسكوتات عنها.

وفي نهاية المطاف، إذا كانت القراءة وسيلة للفهم ،فإن الكتابة آلية للإفهام ،تقوم على التشاكل بين المعنى والمبنى، والتوازن بين الجمل والتراكيب ،والمزج بين الحقيقة والمجاز، وتنويع مطابقات الواقع، وتعداد أشكال الاتحرافات اللغوية ،والزيادة في التدقيقات الوصفية، وتنويع آليات استضمارالقدرة على التفسير والتحليل، والتركيب والإقناع بالاستدلالات ، والمقاربات النصية ،والمراوحة بين الأسلوب المرسل والأسلوب المترسل ،المعتمد على متانة الصياغة، وجزالة العبارة ،وتكثيف المعنى، والاقتصاد في اللغة، وحسن التخلص،

،وبلاغة التمثيل، وعلاقة السابق باللاحق ،ومطابقة الموضوع للمقام ومقتضى الحال.

لقد أصاب ابن خلدون في المقدمة كبد الحقيقة، عندما اعتبر الكتابة « صناعة إنسانية « ، يتداخل فيها المكان والزمان؛ لتدبير المفكر فيه ،أوالإعلان عن المسكوت عنه ،تحت سقف مشترك بين الكتابة والوعي الأجناسي؛ لإعادة تصور الأفكار، وتصويرها للمتلقي، وربطها بالتفكير.فلغة الكتابة تخلق الفكر فلا مفهوم دون لفظ، ولافكر دون نظام كلام ،كما يرى علي حرب « في لعبة المعنى » ص112 إنه » التمثل المضاعف » كما يرى فوكو، » تمثل ما يتمثل من علامات ورموز »، لتصدق نبوءة الكتابة ،باعتبارها وصفا بالكلمات للأشياء ،وتطلعا لدلالة الشيء على الشيء ،والإحالة عليه، والحلول محله.

فاللغة جوهر،والمعنى إطلاق الكلام، واللغة مزية ،والإنسان أسير الأسماء ص116 علي حرب ،ففي الكتابة اللغة تخلق منطقها، والمنطق يخلق نحوه.إذ الكتابة تثبت النص برسالته المشفرة ،وتنفتح على المعنى ، وتتوجه للقارئ بحدث كلامي، لتنهض بوظائف داخل السياق الدلالي والتداولي.

2- الصناعة الفنية.

لقد بدئت الكتابة بعبد الحميد الكاتب ،الذي أنشأ الكتابة الفنية وفق أصول ومنهج ،وانطلاقا من تقاليد فنية تقوم على التحبير والتنميق، وإضافة تحميدات للنثر العربي ،كالبسملة ،وعبارة أما بعد …وختمت بابن العميد الذي وازن في كتاباته بين إبلاغ الذات وتبليغ الموضوع ، بين الفيض العقلي والتدفق العاطفي، بين الإيجاز والإسهاب.

وحسب الدكتور محمود شاكر عالم في مقال له  » الجاحظ وأسلوبه الخاص في الكتابة »نشر في مجلة أقلام الهند العدد الثالث 2006 .فإن الجاحظ أمير البيان العربي، ربط بين المداومة على القراءة، و التردد المكثف على المكتبة ؛قصد البحث والتمحيص، والكشف في المعجم ،وزيارة البادية العربية ، كشكل من أشكال الانغماس الصوتي المتاح ، لسماع لغة الضاد في منابعها الأصلية، وبين الحدق في الكتابة الفنية ،وإتقان الصياغة الأسلوبية .

الكتابة كلام منتظم في نسق، يخضع لنظام لغوي ليحقق التواصل الفني والاجتماعي عن وعي، يمنى العيد في معرغة النص ص44، وتحكمها ثنائية الشكل والمضمون ،حيث تحمل رؤية ليست من النص ولكنها فيه، رؤية الكاتب كيف يرى الخارج، دون فجوة تؤثر على الأدبية ،التي تخلق قوانين بناء النص الداخلية، ودون مسافة توتر تؤثر على القول والخطاب ، وتركيزهما على صياغة الجملة والتركيب؛ لتوليد التعبير ،في إطار انتظام العناصر النصية في صيغة التزامن،حيث يهيمن الفاعل والموضوع ،وتتوارى رؤية المتلقي .في معرفة النص ص68 وص69

رغم شرط ارتهان الشكل، لبساطة ووضوح التعبير عن المقاصد ،والإيجاز والتلميح للرسالة المنشودة، ومطابقة الألفاظ لأحوال المخاطبين.سواء تنكب الكاتب المنشئ مطية أسلوب الخبربأنماطه الابتدائي والطلبي والإنكاري، أو امتشق معول الحفر عن المعنى في طبقاته المتعددة أو استكنه أغوار النفس البشرية للتعبير عن الحالات والتجليات بأسلوب الإنشاء الطلبي كالنداء والاستفهام والأمر والنهي، أوغير طلبي كالتعجب والمدح والذم…مستعينا بالصنعة الفنية وبمتانة الصياغة،

3- رؤى المناهج الحديثة

إن هدف الكتابة عند شيخ البنيويين بارث هو تحقيق اللذة  » فالكتابة ليست هي التعبيرعن ذات الكاتب، ولا وسيلة للاتصال ،وإنما هي استخدام خاص للغة، فيه إيحاء ولذة نصية ،ولذة البحث عن القارئ المفترض، وعن فضاء المتعة، وتداخل الوعي باللاوعي: » الكتابة علم متعة الكلام » في كتاب لذة النص ص25 وهي أي الكتابة حسب مقال نشر في مجلة شرق الخليج سنة 1992 : » متجذرة فيما وراء اللغة،

تنمو مثل بذرة ، وليس كخط ، إنها تبدو جوهرا،وتهدد بإفشاء سر،إنها تواصل مضاد،لايخلو من ريبة وخوف، وثقة واستواء »،لذلك اهتم بارث بالكتابة من الداخل، في علاقتها بالذات المعرفية والذات النفسية، الكتابة وسط بين الصدفة والضرورة ،وسيرورة بين الذات والتاريخ. الكتابة درجات بدون ضمير، ولا زمن للفعل، هي درجة الصفر التي ميزت كتابات  » بروست وكامو » … وهي كتابة الدهشة، كتابة بيضاء، محايدة ،متفلتة من الذات، تتميز بالتخفيف، والسلاسة ،والتغريب… والكتابة أيضا: »حرة في أكثر لحظات التاريخ لأنه اختيار، وهي مشتقة من الحركة الدلالية،ومتمفصلة عن بنيتين نتج عن تمفصلهما تبدلات حاسمة في العقلية والشعور. » عن الكتابة في درجة الصفر ترجمة محمد نديم حشفة ص25

والكتابة هي لحظة الصمت ،ونقطة اللاشيء، لحظة تشكل الفكر والوعي، والتحامهما بالواقع ،مما يؤدي إلى تمخض الكتابة من تشكل الفكرواللغة. حسب مقال محمد العجمي « القراءة في درجة الصفر » شرق غرب. و »الكتابة مهما كان شكلها الأدبي معبرة عن روح الجماعة يعبر الكاتب عن تفرده بوضوح لأن هاهنا موضع التزامه »الكتابة في درجة الصفر ص22 وهي أي الكتابة « فعل تضامن تاريخي يربط بين الإبداع والمجتمع جوهرها أخلاقي وهي اختيار اجتماعي. ص23 و »موضوع للتأمل ثم للفعل وأخيرا لإلغاء المؤلف حيث يبدو الفكر متعاليا على ديكور الكلمات ». ص12 .

وفي المجمل » الكتابة حضور دون تضخيم بلاغي وتلاوين تحدث طفرة للفكر وأفق قولي دائم الرفعة ».ص37 .

إنها الشكل الثالث، مزيج من السرد والمقالة،وصيغة توليفة من السرد والاستبطان والتقصي، إنها في عبارة « السيرة الفكرية » للكاتب.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

1 Comment

  1. خالد عيادي
    20/02/2020 at 12:59

    السلام حياك الله أمتعتنا بهذا المقال.ما أحوجنا لمثل هذه الأبحاث البانية للذائقة العربية، في وقت انسحبت فيه الكتابة الهادفة.بالتوفيق للمزيد.خالد عيادي

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *