Home»National»موت الطرق ورحلة الشتاء والصيف

موت الطرق ورحلة الشتاء والصيف

0
Shares
PinterestGoogle+

كانت مفاصل جماعة ،،سيدي لحسن،،مرتبطة فيما بينها عبر مئات المسالك التي نحتتها أقدام الإنسان عبر تعاقب الأزمان.
وعلى الرغم من تنوع تضاريس البلدة وعزلة بعض مكوناتها ،فإن الساكنة ظلت تحرص على ربط الصلة بالسوق الأسبوعي ولو تطلب ذلك التضحية بيومين من أيام الأسبوع.
وهكذا،فقد كان على بعض الأهالي أن يفدوا على السوق زوال يوم الأربعاء لتوفير قسط من الراحة لهم ولدوابهم حتى تتمكن من تحمل مشاق المسافة في الغد وهي تحمل المتاع وصاحبه.
لقد كان السكان القادمون من بعيد مرغمين على اقتناء البغال من الأصناف المؤهلة لتحمل وعثاء السفر الأسبوعي، وإن كان هذا الحيوان مدعوا للقيام بأعمال أخرى لا تقل عنتا عن قطع المسافة الشاقة.
إن البغال كانت مطلوبة في عملية الحرث وجلب الماء،ثم درس المحاصيل الزراعية،مما جعل أحد الأشخاص يمتهن إخصاء ذكورها حتى تظل مهمتها الأساسية ،هي الاستجابة لرغبات ملاكها.
كنا في زمن الطفولة ننتشي يوم الأربعاء من كل أسبوع،وكذلك زوال يوم الخميس باستعراض قوافل المتسوقين الذين تحول أصوات حوافر مطاياهم دون تصيد مواضيع أحاديثهم !
وللتاريخ،فإن أهم الطرق التي كانت تعج بالحركة،هي الطريق المؤدية إلى ،،بني وجكل،،مرورا ب،،بني معالا،،ثم الطريق المؤدية إلى ،،تافراطة،،ومنطقة،،فدان السلطان وسيدي اسماعيل،ثم الطريق المؤدية إلى ،،لغراس،،حيث أقيم السد وباقي الأماكن الآهلة بالسكان يومئذ.
ولعل المتسوقين الذين كانوا يتحملون أكبر المشاق،هم القادمون من،،دادة علي،، وآخرون من محيطهم كانوا يبيعون الأواني الخزفية التي يضيع عدد منها خلال رحلة عذاب حقيقية.
عندما تنطلق رحلة القوافل نحو السوق أو تعود لحال سبيلها،فإن العبارة التي تؤدي معنى الكثرة بدقة،هي قولهم: (يشلي وبريذ يتسانا سيسواقن)ومعناه بالتقريب أن حركة المتسوقين لم تفتر !
لقد جعلت هذه القوافل بعض الفضوليين يشبهونها بسوق النمل الذي لا يعرفه إلا أبناء البادية،حيث تثيرهن أسراب هذا المخلوق وهي تقضي بياض اليوم في حركة ذؤوبة من وإلى قريتها ،حيث تأتي بالمؤونة أو تعرضها لأشعة الشمس، أو تتخلص من بقايا الطعام التي فقدت صلاحيتها !
لازالت معالم أحد طرق السوق قائمة ،وهي طريق تعبر ملكيتنا،وكنا نجلس صبيحة يوم الخميس في أحضان شجرة ضرو ننتظر فارسا مغوارا،،يدعى محمد بن جلول،،كان أول من يعود من السوق وهو على صهوة جواد مهيب، وما إن يقترب منا حتى ينفحنا بحفنة من حلوى،،فليو،،!
لقد تحول عطاء هذا الرجل إلى تقليد أسبوعي،ولا يسعني بالمناسبة إلا أن أسأل الله أن يكرمه بجنة الفردوس،فقد كان وجها معروفا على صعيد القبيلة بشجاعته ومروءته وإتقانه للفروسية.
وبمقابل حركة الطرق والمسالك يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع،فإن بلدتنا كانت تعرف نشاطا يكاد يكون فريدا في طبيعته.
كانت الطريق الرابطة بين ،،عين بني مطهر،، و،،تاوريرت،،غير معبدة،وكانت المركبات المهترئة والقليلة التي تعبرها يومئذ تجد صعوبة بالغة في السير عليها في فصل الشتاء،لكن هذه الطريق كانت تتميز برحلتين سنويتين مميزتين، حيث تتمان مت الشرق إلى الغرب تارة، ومن الغرب نحو الشرق تارة أخرى.
كان أبطال هاتين الرحلتين من ساكنة ،،أولاد سيدي علي ،،وبني كيل،،الذين نتقاسم معهم جزءا من منطقة،،الظهرة،،.
عرف هؤلاء الناس بتربية المواشي والإبل،ولذلك كانوا مضطرين للتنقل بحثا عن الكلإ كلما شحت المراعي التي تعجز عن الاستجابة لحاجة آلاف من رؤوس الأغنام ومئات الإبل.
كان يوم الرحلة يوما مشهودا بالنسبة لنا نحن الذين لم نألف مشاهدة قطعان بهذا الحجم ،وبالخصوص قافلة الإبل وهي تتهادى على أصوات الحادي.
لم نكن نقترب من،،العيس،، بسبب خوفنا من هذه الحيوانات التي لا وجود لها ببلدتنا والتي كان من الصعب علينا أن نصدق بأنها أليفة !
كان رعاة الغنم يتوزعون بين مقدمة ومؤخرة القطيع وهم يثبجون ويحرصون على منع حيواناتهم من اختراق الحقول المجاورة للطريق.
لم نكن نعلم شيئا عن هاتين الرحلتين إلا من خلال ما يجود به الكبار الذين يجيبون عن فضولنا بكلام غير مقنع لكونهم ربما كانوا يجهلون الوجهة الحقيقية لهؤلاء الرحل الذين تزخر حياتهم بتراث حافل بالمشاعر الإنسانية التي لا يقدرها إلا من سبر أغوارها:
إن لهؤلاء وصفات طعام متفردة،ومفروشات جذابة وغناء يخلد تجارب عاطفية لا مثيل لها.
لست أدري كيف اختفت قطعان الغنم والإبل التي ظلت تؤثث فترتين في السنة،لتعقبهما تحولات قضت على تراث محلي بأكمله.
لقد عبدت الطرق وانتشرت وسائل النقل ،وبالمقابل،فإن الطرق التقليدية قد ماتت تماما،وصار من الصعب أن ترى راكب بغل أو حصان،بل إن الجناح الذي كان مخصصا للدواب بالسوق الأسبوعي، قد اختفى تماما،وتوقف معهه أحد مداخيل الجماعة البئيسة.
أما الطرق التي ظلت تعج بالحركة لقرون، فقد عادت إلى حالتها الأصلية،والتحمت مع باقي مكونات الطبيعة بحثا عن عذرية فات أوانها !
لست أدري هل يشعر أبناء البلدة بمرارتي وأنا أتأمل مسارات اقتفينا من خلالها

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *