Home»National»دروس رمضان بين التأطير التقليدي والتأطير المواكب لتحديات العصر

دروس رمضان بين التأطير التقليدي والتأطير المواكب لتحديات العصر

0
Shares
PinterestGoogle+

أحمد الجبلي
يعد التأطير الديني من أهم الأفعال الحضارية الهادفة التي من شأنها أن تسهم مع جميع النخب الفاعلة في الواقع من حيث بناء الإنسان المواطن الصالح لنفسه، والمصلح لغيره، والمساهم في تنمية ورقي بلاده.
إن الثقافة الشرعية بصفتها الجناح الأكثر قدرة على حماية الفرد والمجتمع من الزيغ والانحراف في البلاد، لتعلب دورا حاسما في منهج الحياة سواء لدى الأفراد أو لدى الجماعات.
وإذا كانت العديد من المدارس والجامعات والكليات والمعاهد لا تُعَلّْمُ أبناءها وطلابها الثقافة الشرعية كمادة حيوية مهمة تدرس لتعطي أسلحة ذاتية روحية وفكرية كي تجعل الإنسان في منأى عن أي انحراف أو تطرف أو إرهاب. فإن المسجد يعد المكان الجامع الذي يجمع جميع الأطياف والنخب والشرائح، كما يجمع جميع الأعمار، وبذلك يكون هذا التجمع الإيماني فرصة ذهبية يجب حسن استغلالها في تأطير المغاربة بما لا يتلقونه في أماكن عملهم ولا بمعاهدهم ولا بجامعاتهم.
كما أن بهذا التأطير والتوجيه والإرشاد والتعليم يسترد المسجد دوره الحقيقي في نشر الوعي والثقافة الدينية الحقيقية التي تتأسس على العلم الشرعي الصافي النقي تماما كما تلقته الأمة وأجمعت عليه. وهو فكر من شأنه أن يمنح الفرد المغربي حصانة وحماية من خلال ما يمنحه هذا الفكر للإنسان من آليات المقارنة والقياس التي تفيد في تمييز الغث من السمين وما هو من الشرع وما هو بعيد عنه وإنما مجرد أقوال لأناس لم يثنوا الركب ويقوسوا الظهور ولا عرفوا عناء طلب العلم ولا ارتحلوا ولا اغتربوا ولا درسوا على مشايخ وعلماء مشهود لهم بالعلم والمعرفة والمنهج السديد والعقيدة الصحيحة.
إن حلول شهر رمضان يعد فرصة ذهبية يجب استغلالها أحسن الاستغلال، وما يساعد في ذلك ذاك الإقبال الجماهيري الشعبي العظيم على المساجد من أجل الصلاة والعلم والاستزادة مما عند الوعاظ والأساتذة من فهم وفقه وشرع.
إن مما يلاحظ على دروس رمضان كونها ظلت متشبثة بفقه الصيام الذي من المفروض أن يكون الناس قد حفظوه وضبطوه لكونه يتكرر سنويا، سواء في المساجد أو في القنوات أو من خلال المحاضرات التي يعقدها المجتمع المدني، ولعل المؤمن الذي يريد الحفاظ على صومه صحيحا سليما لابد له أن يبذل بعض الجهد في المطالعة وقراءة بعض كتب الفقه في شأن الصيام وما يحتاجه الصائم حتى يحافظ على صومه لعل الله يقبله منه.
إن الاستعداد لاستقبال هذا الشهر الكريم يجب ألا يكون فقط استعدادا من خلال تهييء ما لذ وطاب من مأكولات بقدر ما يجب أن يعي الناس أنهم مطالبون بالاستعداد بأنواع أخرى من التهييئات منها مراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالصيام، حتى يطمئن الإنسان إلى أن صومه صحيح وهو وفق ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
إن الله تعالى قد ملأ المساجد والساحات بمشيئته، فَقَرَّبَ البعيد وجعل أفئدة النائين تميل إلى بيوت الله، وتحن إلى القيام والعلم وقراءة القرآن، وهذه الأجواء من العار تضييعها، ولذا وجب البحث في تحديد الحاجيات الحقيقية التي يحتاجها الإنسان المسلم، إن واقع التربية يعد مزريا حيث تعاني الأسر من انفلاتات خطيرة ومن تجلياتها وتمظهراتها ما نراه صباح مساء في الإعداديات والثانويات والجامعات من انحلال خلقي وألبسة غريبة وسلوكات أقل ما يقال عنها أنها بعيدة كل البعد عن أخلاق الإسلام، وواقع الإدارة، وواقع الأسرة، وواقع التجارة، وواقع العلم والمطالعة…
كما أن وجود ملايين المواقع الالكترونية المحسوبة على الإسلام والتي تنشر فتاوى خطيرة وغريبة وتنشر فكرا تكفيريا تسلطيا لا يتوافق والإسلام، فضلا عن تلقي الإنسان المسلم والمرأة المسلمة، على الخصوص، العديد من الأفلام والمسلسلات المشحونة بالسموم والتي من شأنها أن ترسم معالم شخصية متغربة أو شيعية، أو مرتبكة تائهة مضطربة، أضف إلى ذلك لجوء العديد من المغاربة إلى الفتاوى العابرة للقارات، من قنوات يشرف عليها دجالون أو متطفلون أو جهال لا تتوفر فيهم أدنى شروط الفتوى.
فما المطلوب إذن؟ إن الوعاظ في رمضان مطالبون بالإقلاع عن الروتين السنوي الذي ظلوا عليه منذ عقود، والمطلوب هو استغلال هذه الأوبة والتوبة والتجمعات الجماهيرية في مساجد المدينة، لكونها فرصة لا تتكرر إلا مرة كل سنة من أجل:
1- ترسيخ التوبة في القلوب وتبيان عظمتها وعظمة فرحة رب العزة بها،
2- عدم النظرة الدونية للناس التائبين الذين فرحوا برمضان وأقبلوا على بيوت الله، بل التعبير عن الفرحة بهذا الإقبال والعمل على جعله خطوة أولى نحو الاستمرارية في شكر الله وعبادته. ويكفي الواعظ فرحا أن جاء الله بالناس أجمعين وجمعهم له بين يديه، ولا يبقى إلا دوره في غرس بدور الإيمان وحب الدين  وجعل الصلاة عظيمة في قلوب المومنين، وشحن العقول بسماحة الإسلام ونور الإسلام وفكر الإسلام وعقلانية الإسلام، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، لا كما يفعل البعض فيسب الناس ويعتب عليهم بأنهم عباد رمضان، وهو سلوك ينفر ولا يبشر.
3- على الواعظ أن يحدد الحاجيات المطلوبة، والتي يكون قد استقاها من خلال معرفته بالتخبطات السلوكية والإدارية والأسرية والتربوية والثقافية التي يعرفها الناس طيلة السنة. كما سبق ذكر نماذج منها، لأن الناس في رمضان قد جمعهم والله تعالى فرقق القلوب وفتح جناته وصفد الشياطين، فالقلوب مهيأة والعقول مفتوحة، ومنسوب القابلية لتقبل كلام الله وكلام رسوله قد ارتفع، فالعهدة إذن على الواعظ الفطن الذكي الذي يعرف كيف يسوق خطابه خطابا مؤثرا مضبوطا من شأنه أن يغرس القيم المطلوبة والشواهد التربوية المستوحاة من النصوص، وبذلك فقط يمكن له أن يحقق:
1- إعطاء معلومات وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الدين،
2- تغيير الأفكار التي دخلت عقول المسلمين من قنوات وأفلام وإعلام ومنابر ومواقع وفتاوى خارجية، وهي  أفكار قد تكون هدامة ولا علاقة لها بدين الله وسنة رسول الله. وهذا سيدفع بالواعظ دفعا لتتبع الأحداث وقراءة ما ينشر في المنابر والجرائد والمواقع وتتبع المواقع التي تعرف إقبالا جماهيريا كبيرا حتى يعرف طبيعة الأفكار المنشورة وطبيعة الأفكار التي يتلقاها المؤمنون وتشكل أرصدهم المعرفية والثقافية، وبالتالي هي التي تشكل سلوكاتهم اليومية.
3- غرس القيم والمبادئ لأنها تدل على السلوك وتُقيّم الأفعال.
4- تغيير السلوكات والأفعال والممارسات حتمي إذا تغيرت الأفكار.
5- تغيير عادات وبالتالي تغيير حياة العديد من الناس الذين كانوا قبل رمضان في بعد بعيد عن الله ورسوله وعن القرآن وتعاليم الدين.
6- التركيز على تماسك الأسر لأن العقد يكاد ينفرط وذلك بتناول مواضيع متميزة كالعلاقات الأسرية، والمراهقة، والتربية وتتناول هذه المواضيع بأسلوب أقرب إلى الواقعية ويحقق القابلية للتطبيق، والابتعاد عن الأسلوب الإنشائي السردي الذي يحولها إلى مواضيع فارغة من أي تمثلات واقعية يعيشها الناس.
7- وكلما أعيدت الأمة إلى العلم والمعرفة، وأعيدت إلى الكتاب والمطالعة، أعيدت إلى جادة الصواب وإلى  المسلك الوحيد الذي يعمل على رفع التحديات ويحقق المواكبة للركب الحضاري والإسهام في التنمية والرقي والازدهار.
8- اجتناب كل ما يدعو إلى الفرقة ويخلق الفتن، والتركيز على ما يجمع الناس ولا يفرقهم، كذكر أحدهم في أحد الدروس أن المرأة ليست مطالبة بأعمال المنزل شرعا، وأن الرجل مطالب بأن يأتيها بخادمة. فهذا الواعظ، غفر الله لنا وله، يريد أن يخلق فتنة في المجتمع، فإذا كانت الأسر كلها مستقرة والمرأة جد مسرورة  وسعيدة  بتقديم خدمات لزوجها وأبنائها في إطار المودة والرحمة وهي مأجورة إن شاء الله على جميع مجهوداتها، فلماذا إذن إيقاظ الفتنة وتحريض النساء على المطالبة بخادمات، مع العلم أن الخامة هي نفسها فتنة للأسر التي بها شباب يافع وغير متزوج. وأحيانا تكون فتنة للزوج نفسه، فهذا الواعظ يحتاج لمن يرشده ويفقهه في ترتيب الأولويات، وأنه ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال حضر أهله ولا كل ما حضر أهله آن أوانه. ولو فقه هذا الواعظ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في هذا الخطأ الشنيع، فلو علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطمح إلى هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم، ولكنه لم يفعل، عليه السلام،  لأن الوضع لم يكن ليجعل الأمر مستساغا لكون القوم قريبي عهد بالجاهلية.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *