Home»National»حكايا استاذ متقاعد : ذكريات من داخلية ثانوية عبد المومن ـ في ضيافة الشرطة

حكايا استاذ متقاعد : ذكريات من داخلية ثانوية عبد المومن ـ في ضيافة الشرطة

0
Shares
PinterestGoogle+

في ضيافة الشرطة
خلال اقامتنا بداخلية ثانوية عبد المومن بداية السبعينات من القرن الماضي، انطبعت الساحة الوطنية بأحداث ذات شجون، لعل أهمها الاضراب الطويل الذي عرفه قطاع التعليم الذي قاده الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يوم كان منظمة عتيدة منخرطة في القضايا الوطنية، قبل أن تتعرض لتفكيك منهجي أدخلها في ذمة التاريخ!
كانت عطلة عيد الاستقلال تقترن بالفاتح من شهر نونبر قبل أن تنتقل فيما بعد الى الثامن عشر من الشهر ذاته.
كان يوم العطلة متنفسا ننتظره بشوق لنتحرر مؤقتا من حياة الداخلية ونظامها الصارم، حيث نتصل بالعالم الخارجي، ونحلم بلقاء احد الأقارب الذي قد تدفعه أريحيته لدفع ثمن جلسة بالمقهى، أو لالتقاط أخبار الأهل على الأقل!

بمناسبة عطلة عيد الاستقلال في الفاتح من شهر نونبر 1973، حيث كانت تفصلنا سنة عن قسم البكالوريا، خرجت وباقي الداخليين للتخلص من الروتين، وكنت بمعية الثنائي : سي محمد الوالي وسي البشير بنعالية.
كان من عادتنا أن نزور محطة الحافلات القديمة( Place du Maroc)، وهي محطة كان موقعها يسهل على اللصوص مهمة النشل والهروب حتى طبقت شهرتها الافاق، وصار المسافرون يحسبون الف حساب حينما يحاولون حجز التذاكر وسط ازدحام شديد يندس عتاة المجرمين وسطه.
ما ان اقتربنا من المحطة المشؤومة حتى صادفت أحد الأقارب الذي أبى الا ان أرافقه لقضاء بعض الوقت معا في المقهى.
حين وافقت على العرض، طلب مني قريبي أن ارافقه لحجز تذكرة العودة لتفادي الفوضى التي تحدث في ساعة الذروة.
توجه الرجل نحو الشباك، بينما وقفت أنتظره على بعد امتار ومعي بعض أغراضه.
حينما كنا نهم بمغادرة المكان، فوجئت برجل بسحنة البدو يمسكني من كاهلي ويطالبني بتسليمه حافظة نقوده التي زعم أني سرقتها!
اعتقدت اول وهلة أن الرجل يمزح،وربما ذكرته بشخص يعرفه، لكنه قطع الشك باليقين فخيرني بين رد المسروق او مرافقته الى مركز الشرطة!
لم يفلح قريبي في اقناع المدعي ببراءتي ، بل لقد رفض ان يستلم اي مبلغ مقابل المضي الى حال سبيله.
اجتمع الناس من حولنا، واحسست بصدمة زعزعت كياني، ففضلت أن أرافق ،، وجه،، النحس الى مخفر الشرطة على أن اظهر بصورة لص لكل من يتابع المشهد!
توجهنا نحو مخفر صغير كان يقابل باب سيدي عبد الوهاب، ولم يعد له وجود اليوم، فوقفنا بالباب ننتظر دورنا.
عندما صار الداخل تحت بصري، رأيت شرطيا يجهز على كاهل عجوز وسلة بيضه لأنه عرض سلعته في مكان غير مناسب ، ولفق رجل القوات المساعدة ضده تهما اضافية ليكرم وقاره بتلك الوحشية!
حين رأيت مشهد العجوز الذي تلطخ ببيضه، تخيلت الوجبة التي ستكون من نصيبي وانا على عتبة الشباب المفعم بالحيوية، حيث سيغري جسدي هؤلاء بممارسة ساديتهم!
كانت سيارة الشرطة تدير بابها الخلفي للمخفر وعلى جانبيها يقف شرطيان يحولان دون اي محاولة للفرار.
كلما انهى ،، مشبوه،، حصته، الا وألقي به في السيارة حتى ضاقت بضيوفها.
تقدم المدعي ليجيب عن أسئلة المسؤول الامني، فاوضح بأنني سرقت حافظة نقوده عندما كان يهم بحجز تذكرة السفر.
نهرني المسؤول وأمر برد المسروق، فلما نفيت التهمة، واوضحت له بأني تلميذ اقيم بالداخلية، رد بالقول:
انتم التلاميذ أكبر اللصوص والمجرمين، وان لم ابادر الى رد المسروق، فانني سأعرض نفسي لعقوبات لن أنساها ما حييت!
تذكرت طلب العلم والاخلاق والوطنية وتطلعات الشباب، وكيف يتحول كل ذلك الى سلعة كاسدة لا يعترف بها مثل هذه النماذج التي استعاضت عن الفكر بالكلام النابي والمعاملة الوحشية.
شاء الحظ أن يحول الجواب الأخير للمدعي دون تدشين العقاب في المخفر،ذلك انه لما سئل عن المبلغ المسروق، اجاب بأنه لا يتعدى أربعة دراهم معها بعض الوثائق المختلفة!
امتقع وجه المسؤول وأمر باحالتنا على الدائرة الثانية فورا لتعميق البحث.
منع قريبي من اي تدخل، فركبت وغريمي سيارة الشرطة مع مختلف المجرمين والجانحين، وما ان انطلقت السيارة حتى خاطبني شرطي يقف بمحاذاة السائق: هل نسيت يوم سرقت كذا وكذا؟
وحين شرعت أرد على مزاعمه باندهاش، امسكني شرطي اخر كان يقف بالباب الخلفي لينقذني بقوله: الزم الصمت، فهو يحاول استدراجك ليجرب فيك قوة لكماته، ولم يكن لي بد من لزوم الصمت.
توقف السيارة بنفس الطريقة امام باب الدائرة سيئة الذكر، وما هي الا لحظات حتى نودي علينا للالتحاق بالطابق العلوي من اجل الاستنطاق.
تقدم المدعي ليعيد على مسامع المسؤول اسطوانته الاولى، قبل أن يتوجه لي بسلسلة من الأسئلة، بينما كان مساعده يفتش جيوبي لينتزع يده فجأة بعدما وخزته أسنان مشط كان بجيبي ومفاتيح دولابي في الداخلية.
توقف المسؤول ليفسح المجال أمام مساعده الذي أمرني باخراج شيء مشبوه في جيبي!
حين راى المسؤول المفاتيح ، اعتقد أن الخيط الأول قد ظهر لينكشف الباقي، لذلك سألني عن طبيعة هذه المفاتيح ووجوه استعمالها، فلما أوضحت له بأني اقيم بالداخلية، وأن تلك المفاتيح استخدمها في كذا وكذا، تناسلت اسئلته:
ما اسم مدير المؤسسة وحارس الداخلية ومقتصدها ونوع سياراتهم والوانها، ولماذا غادرت الداخلية اليوم..؟ الخ.
عندما تاكد المسؤول من صحة معلوماتي، توجه من جديد لغريمي قائلا:
كيف تأكدت من أن هذا الفتى هو من سرق حافظة نقودك، هل ضبطت يده في جيبك مثلا؟
اجاب المدعي:لا ياسيدي، لم اضبط يده في جيبي، ولكنني لما فقدت حافظتي ، كان يقف غير بعيد عني!
استشاط المسؤول غضبا وسارع الى القول:
يا ولد…اذن فهو يستخدم الجن؟ هل كان سينتظرك لو سرق حافظتك؟
حوصر المدعي بأسئلة لم تخطر على باله، وانهار أكثر حين علم المسؤول مبلغ المسروق ليقول له متشفيا:
ألاجل هذه الفرنكات حركت شرطة مخفرين؟ اف لك ولامثالك، ولئن لم يتنازل المتهم عن متابعتك ، فاني سأدخلك في متاهات لن تنساها!
بادر ،، وجه النحس،، الى محاولة تقبيل راسي التماسا للصفح فرفضت.
استغللت اقتناع المسؤول ببراءتي فاردت أن يرد لي الاعتبار بشكل ما لكنه فضل أن يبرر الفعل بجهل المدعي وسذاجته، فلما اصررت ، تحولت لغة المسؤول الى تهديد، وما كان مني الا أن رضخت للأمر الواقع.
تبعني المسؤول ليلطف الوقف، حيث استدرك:
انت شاب امامك مستقبل، وهذا رجل متخلف لا تنزل الى مستواه، وقد انصفناك ووبخناه!
نزلت من الطابق الاول لاجد قريبي عند الباب ، وما ان علم بأن الجرة سلمت، حتى انهال على غريمي شتما وتهديدا وهو في اقصى درجات انهياره.
مر على الحادث وقت طويل، لكنني كلما مررت قرب الدائرة الثانية ، الا واستعدت اليوم الأسود الذي خرجت فيه بحثا عن الراحة لتمتهن كرامتي ظلما وعدوانا.
أذكر ان الأخوين الوالي والبشير قد عاشا معي اطوار هذا الحادث ، ولكن ماذا كان عساهما يصنعان لو تدخلا ان لم يكن تلفيق تهمة مجانية ضدهما؟
لا اعتقد أنهما سيتاخران عن الادلاء بشهادتما!

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *