حكايا استاذ متقاعد : نبش في رحلة وراء البحار ـ الحلقة 8 ـ

تابع 8
توقفت بنا السفينة مع مطلع النهار في ميناء مدينة،، باستيا،، وشرع الشباب الألماني يخرجون من شرانقهم، ليستأنفوا رحلتهم الرومانسية عبر هذه الجزيرة الساحرة.
توجهت نحو أقرب مقهى لتناول الفطور، ثم رحت أبحث عن محطة الحافلات لأكتشف بعضا من أسرار الأرض التي انجبت لفرنسا زعيمها التاريخي،، نابوليون بونابارت،،كما كانت منفى للملك محمد الخامس بعدما أجبرته قوات الاحتلال على مغادرة وطنه.
كنت قد اقتنيت خارطة سياحية للجزيرة، وأثناء التصفح، استوقفتني بعض الاماكن التي كان المهاجرون الأوائل من بلدتنا يتحدثون عنها، أو عبر الرسائل التي كانت تصلني من حين لاخر.
استقر قراري على مكان متداول بين العمال، فحددت وجهتي في ghisonaccia أو ( الديزوناج) كما كان ينطق بين الأهل.
ركبت الحافلة التي تذرع الجزيرة من شمالها الى غربها وسط جنان من الحقول الفلاحية المترامية الأطراف.
أثناء الرحلة، وقع بصري على شابين تشي ملامحهما بقرابة بيننا في الأصل!
توقفت الحافلة للاستراحة في ملتقى أحد الطرقات، وأخبرنا السائق بأن الرحلة لن تستأنف الا بعد دقائق عديدة، فنزل المسافرون لالتقاط الأنفاس.
توجهت نحو الشابين لأسألهما عن وجهتهما، فابديا تحفظا كبيرا، ولما ايقنت أنهما غير مرتاحين لتدخلي، لجأت الى المفتاح السحري، فسألتهما باللسان الأمازيغي هذه المرة، فكان التجاوب فوريا!
أكدا لي الشابان أنهما ينحدران بالفعل من بلدتنا ومن الدوار الفلاني، وأنهما وصلا الى هذه الارض ليلتحقا بأخ لهما، لكن أميتهما ضاعفت من محنتهما فظلا يتنقلان عبر الحافلات من منطقة الى اخرى دون جدوى!
سالتهما ان كان يحملان عنوانا، فسلمني احدهما رسالة لأكتشف أن عليهما أن ينزل حيث توقفت الحافلة لأن الوجهة المقصودة على مرمى حجر!
كان الشخص الذي يبحثون عنه زميلا قديما في الدراسة بمدينة جرادة، وطلبت منهما أن يبلغاه تحيات فلان.، ثم افترقنا بعد ما لمست بان الشابين التائهين قد استرجعا بعضا من هدوء النفس.
انطلقت الحافلة لمواصلة رحلتها، بينما كنت أفكر في تداعيات هذا الاختيار الذي لم استجل كل جوانبه، ولما توقفت مجددا في مكان كان مألوفا بين عمالنا هناك ، قررت النزول.
كان أحد الاقارب قد تحدث لي مرارا عن صاحبة ضيعة شهيرة غير بعيد عن هذه المحطة يشتغل لديها العديد من بني جلدتي، لذلك قررت اللجوء ل،، الأ وطوسطوب،،لبلوغ الوجهة .
توقف احد الفرنسيين ليسألني عن المكان المقصود، فلما ذكرت له اسم صاحبة الضيعة، طمأنني بأنه غير بعيد، وما هي لحظات حتى توقف عند مدخل ضيعة شاسعة، شكرت الرجل ونزلت.
تسمرت قرب الباب استطلع المكان، وما هي الا لحظات حتى جاءني مغربي ليرحب بي دون أن يسألني، بل حمل حقيبتي واصطحبني الى الاقامة التي يتقاسمها مع زملائه!
أعد الرجل القهوة ونادى زميلين له لمشاركتنا
وأنا مندهش من هذا التصرف الذي لا شك أن الظروف قد رسخته في اخواننا هناك ليتازروا!
ما ان خرج أحد المدعوين لتناول القهوة من بيته حتى اكتشفنا معا بأننا نعرف بعضنا، ذلك أنه ينحدر بدوره من مدينة جرادة.
كاد حلولي بين ظهران هؤلاء الطيبين ان يتحول الى نزاع، ذلك أن مضيفي الأول رفض أن يسلمني ،، لريحة البلاد،، وكان الموقف طريفا فعلا حينما لاحظت أنه مازال بيننا من يتنافس على المكرمات!
قضيت يومين في ضيافة هؤلاء الناس الذين سهلوا علي الوصول الى الاقارب، ذلك أنهم نشروا خبر وصولي المفاجىء الى هذه الارض، فجاء وفد كامل منهم لاصطحابي.
كان جل أقاربي يقيمون غير بعيد عنghisonaccia, وفي الغد، وصل الخبر السار.
لقد وصل الشابان التائهان الى أقامة اخيهما بعد معاناة طويلة، فجاء ليشكرني ويدعوني لضيافته بعدما اوضح لي أنني كنت السبب في انتهاء معاناته.
شكرت الرجل على تجشم كل هذا العناء ليعترف بالجميل، وناب الاقارب عني في الاعتذار عن مرافقته، لأنني حديث عهد بالوصول.
يتبع
ملحوظة: أشير الى أن الشخص الذي جاء ليشكرني على مساعدة اخويه، هو الأخ بركة( ارمضانن)، الذي أحييه بالمناسبة لأنني لم اره منذ عقود!


Aucun commentaire