الجزائر: استنزاف الاحتياطي النقدي بعد خسارة سونطراك عشرات قضايا التحكيم الدولي تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار

عبدالقادر كتـــرة
ألزم حكم تحكيمي دولي نهائي (صدر في 9 دجنبر 2025) شركة سوناطراك بدفع حوالي 290 مليون دولار لصالح الشركة البريطانية « صاني هيل إنرجي » (Sunny Hill Energy)، بعد فسخ سوناطراك لعقد شراكة في مشروع غاز « عين تسيلة » في أبريل 2021. وكانت الشركة البريطانية قد طالبت في الأصل بتعويض يقترب من مليار دولار.
خسرت سوناطراك (والجزائر كدولة) عشرات قضايا التحكيم الدولي. ففي عام 2023 وحده، بلغت قيمة القضايا الخاسرة 1،3 مليار دولار، وتشير تقديرات برلمانية إلى أن إجمالي الخسائر خلال السنوات الأخيرة تجاوز 10 مليارات دولار.
هذه الخسائر تُضعف الاحتياطي النقدي الأجنبي، تزيد العبء على المالية العامة، تُضعف ثقة المستثمرين الأجانب، وتكشف عن خلل هيكلي في إدارة العقود والمشاريع بالقطاع العام.
وتعود الشراكة إلى عقد وقع في 26 شتنبر 2004 بين سوناطراك وشركة « بيتروسلتيك » البريطانية (التي استحوذت عليها لاحقاً « صاني هيل إنرجي ») لتطوير حقل غاز « عين تسيلة » في حوض إيليزي جنوب شرق الجزائر، بنظام تقاسم الإنتاج. كانت حصة الشريك الأجنبي تبلغ 75% ثم انخفضت إلى 38.25% بعد عمليات بيع جزئية.
في 12 أبريل 2021، أعلنت سوناطراك فسخ العقد، مبررة ذلك بـ »إخلال متكرر » من الشريك الأجنبي بالتزاماته التعاقدية، خصوصاً تأخير دخول المشروع مرحلة الإنتاج عن الآجال المتفق عليها (كان من المقرر بدء الإنتاج في 2017).
واعتبرت الشركة البريطانية قرار الفسخ « مصادرة غير مبررة »، حيث استثمرت مئات الملايين من الدولارات في المشروع دون تعويض، فرفعت دعوى تحكيم دولية طالبت فيها بتعويض يقارب مليار دولار.
وفي 9 دجنبر 2025، أصدرت هيئة التحكيم الدولية حكمها النهائي، رأت أن فسخ سوناطراك للعقد من جانب واحد لم يكن مبرراً قانونياً، وألزمت سوناطراك بدفع تعويضات مالية لصالح الفرع البريطاني. بلغت القيمة القصوى للتعويض حوالي 290 مليون دولار (أقل من المطالبة الأولية)، وهي مخصصة لتسديد سندات ثانوية للشركة البريطانية تستحق في 29 مارس 2028.
من بين النزاعات التحكيمية أخرى خسرتها سوناطراك:
– النزاع الشركة الأجنبية المبلغ السنة المرجع
نزاع عقود أسعار الغاز إديسون الإيطالية (Edison) 300 مليون دولار (حوالي 300 مليون يورو) 2013/2014
– نزاع عقد إنجاز مقر الخطوط الجوية شركة كندية (غير مُسمَّاة) غير محدد (تم فسخ العقد) 2016
– نزاع مع شركة إسبانية « أو أس أل » الإسبانية (OSL) 200 مليون دولار (مطالبة قائمة) 2023
– نزاع مع شركة بريطانية صاني هيل إنرجي (Sunny Hill Energy) 290 مليون دولار (حكم نهائي) 2025
وخسرت الجزائر 28 قضية من أصل 32 قضية تحكيم دولي رفعت في الخارج (بيانات 2016)، وفي عام 2023 وحده، بلغت قيمة القضايا الخاسرة 1.3 مليار دولار.
من التداعيات على الاقتصاد الجزائري « المترهل » استنزاف الاحتياطي النقدي حيث تدفع سوناطراك (كشركة مملوكة للدولة) هذه التعويضات من مواردها أو بمساعدة الخزينة العامة، مما يستهلك جزءاً من الاحتياطيات الأجنبية التي تُعد شريان الحياة للاقتصاد المعتمد على الواردات.
كما تزيد هذه المدفوعات غير المتوقعة من العبء على المالية العامة، وتحد من قدرة الحكومة على تمويل مشاريع التنمية والخدمات الاجتماعية في ظل أوضاع مالية صعبة.
الخسائر المتكررة في التحكيم الدولي هي بمثابة رسالة سلبية للمستثمرين الأجانب، مفادها أن البيئة التعاقدية في الجزائر محفوفة بالمخاطر القانونية، مما يثبط دخول استثمارات جديدة تحتاجها البلاد لتنويع الاقتصاد.
ثم تكشف هذه القضايا عن ضعف في إدارة العقود والمشاريع داخل المؤسسات العامة، حيث يُلاحظ سوء إعداد دفاتر الشروط وصياغة العقود، وإهمال الجانب القانوني والاستشراف للنزاعات المحتملة، وعدم التدقيق الكافي في التزامات الأطراف، وغياب الكفاءات المتخصصة في التفاوض والتقاضي الدولي.
لهذه الخسارة بالكليارات من الدولارات تأثير على سمعة سوناطراك: تُضعف هذه الخسائر مصداقية سوناطراك كشريك موثوق في المشاريع الدولية، وقد تدفع شركاء أجانب حاليين إلى المطالبة بمراجعة شروط عقودهم أو اللجوء إلى التحكيم أيضاً.
خلاصة القول، الحكم الأخير لصالح « صاني هيل إنرجي » ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الهزائم التحكيمية التي تدفع ثمنها الخزينة الجزائرية. وراء هذه الخسائر تقف أسباب هيكلية عميقة منها ضعف الحوكمة في مؤسسات الدولة والشركات العمومية، وهيمنة الاعتبارات السياسية على القرارات الاقتصادية، مما يؤدي إلى فسخ عقود بشكل متسرع دون دراسة العواقب القانونية، وغياب ثقافة التقاضي الدولي والاعتماد على فرق قانونية غير متخصصة في مواجهة كبريات المكاتب الدولية.
في ظل اقتصاد « مترهل » يعاني من انخفاض إنتاجية القطاعات غير النفطية وارتفاع معدلات البطالة، تُعد هذه الخسائر التحكيمية « ضربة مزدوجة »: فهي تستنزف الموارد المالية الشحيحة، وتُعمق أزمة الثقة مع المستثمرين الدوليين. بدون إصلاح جذري لمنظومة إدارة العقود وتعزيز الشفافية والحوكمة، ستستمر الجزائر في دفع « فواتير التحكيم » الباهظة، مما يهدد بتبديد ثروات الأجيال القادمة.





Aucun commentaire