Home»International»رسائل القاهرة 10 – الصحافة الورقية في مصر اليوم ( يكتبها : عزيز باكوش )

رسائل القاهرة 10 – الصحافة الورقية في مصر اليوم ( يكتبها : عزيز باكوش )

0
Shares
PinterestGoogle+
 

عزيز باكوش

رسائل القاهرة 10 – الصحافة الورقية في مصر اليوم ، لا أحد يقرأ عناوينها أو يكاد ، لقد غادرت أكشاكها ، وهجرت فناجين قهوة قرائها للأبد ، وباتت أيقونة مجمعة في موقع إلكتروني بكبسة واحدة . حيث تضع بسرعة فائقة ومريبة بين يدي القارئ مجموعة من الجرائد والمنشورات اليومية الأكثر تصفحا ، مرتبة ومبوبة ، حسب أهميتها وراهنية الأحداث الوطنية والدولية ، لتجعل القارئ الرقمي في قلب الحدث بعيدا عن الأرق والورق
لذلك يبدو الطريق إلى الجريدة الورقية هنا بهذه المنطقة من القاهرة ، غير معبد ، وبلا ملامح ، كما هو الحال بالمغرب . ولأننا في موت القراءة عرب ، فليس من الصعب إدراك جفاف الصحيفة الورقية ، واندثارفعل التصفح اليومي مع فناجين القهوة السادة كل صباح ،فتحلو الأهرام ، وتزهر أخبار اليوم ،الجمهورية ، ويتبعثر الوفد والشروق، ويسطع اليوم السابع، المصري اليوم إلى جانب البوابة ،فيتو ،الوطن ،التحرير، الموقع السلطة ،الدستور ، وينشط الخط الأحمر للمستقبل ،مصراوي ،السبورة، الزمان ،وتحيا مصر مع الفجر، النبأ، أهل مصر، روز اليوسف النهار…
لذلك ، بدورنا نتساءل كما يتساءل كتاب مصر وصحفيوها ،فيما إذا كان قارئ الصحافة الورقية بجمهورية مصر العربية ما زال على قيد الحياة ، بعد أن تأكد لي بالصورة والصوت وفاته السريرية بالمغرب. لماذا هجر القراء الصحافة الورقية في المقاهي والأكشاك بشكل عام ؟ ما أسباب هذا العزوف الكثيف عن كل ما هو ورقي ؟ ولماذا ذبلت الأكشاك، واصفرت أوراقها ، وتحولت إلى نقط لبيع المقرمشات والكروت وأوراق اللوطو؟ وهل من خيارات لتجاوز أزمة القراءة في العالم العربي تكتيكا واستراتيجية ؟ وإلى متى تظل المطابع العربية تخرج كل يوم المآت المؤلفة من الجرائد الورقية ، دون حسيب أو رقيب ،لتغرق بضع مئات من الأكشاك الرثة دون فائدة تذكر؟ وهل نحن حقا ، بحاجة إلى هذا الكم الهائل من المطبوعات التي لايشتريها قارئ ولا يقرأها أحد؟ كيف نتحمل هذا الإفلاس ونطيق هذه الخسارة في المال والجهد ؟ وما ذنب التكنولوجيا في هذه الجريمة الحضارية النكراء ؟
عندما نتحرى سبب عزوف العرب عن القراءة بشكل عام ، وقراءة الصحف بشكل خاص وعلى نحو مخيف في العقد الأخير ، فلا كبير عناء في استخلاص الأسباب الحقيقية الكامنة بعيدا عن شماعة الاقتصاد وانعدام القدرة الشرائية . فلا المدرسة تقوم بالدور المنوط بها في ترسيخ فعل القراءة بمعناه الثقافي . ولا وسائل الإعلام الرسمية من إذاعة وتلفزيون تجسد ذلك من خلال ما تبثه من أعمال درامية لا مستوى ولا تلبي مطالب الوعي الاجتماعي الصاعد ، إلى درجة التثقيف الحقيقي . ولا المجتمع المدني استطاع إرساء نموذج قرائي رشيد ومعتمد في مبادراته المتقطعة والتطوعية في الغالب . فيما ظل الخطاب الرسمي يلوك زبوره في التنمية المجتمعية خارج البعثة الكونية ، متمسكا برؤيته العقيمة للثقافة كأولوية ، والوعي بها رؤية ببعد نظر ومنهج سليم واستراتيجية واضحة المعالم لتظل الشعارات القرائية الملفوفة بالدين والطبخ ،وتتكلس الرافعات المناسباتية لتطويع الفعل القرائي ، وهما حقيقيا لتجسير فعل الإقراء، وردم هوته السحيقة في المجتمع . والنتيجة تخلف ينمو، وانحطاط مريب أمام أنظار عالم تجرفه التحولات الرقمية المريبة ،وتنقله ضوئيا إلى حقول المعرفة الأكثر شساعة بذكاء اصطناعي مهيب ليشكل وحده مصير العالم .
ولعل المشكلة برمتها ،تعكس بحق أزمة بنيوية يعيشها العرب بشكل عام ،والفئة الشابة منهم على وجه الخصوص ، لأنها تتعلق أساس بمستوى الوعي والثقافة في المجتمع.ولأن التقدم التكنولوجي حجب الكثير من الأفعال والسلوكيات النبيلة في حياة المجتمعات العربية، ومنها فعل القراءة الورقية النبيل ،والتي كان من المفروض أن ترسخها المدرسة وبرامج الحكومة ومبادرات المجتمع المدني الفاعلة والهادفة .
ويتساءل الكثير منا وبحرقة . هل التطور التكنولوجي هو القاتل ؟ وشاشات الحواسيب والهواتف واللوحات أداة جريمة ؟ وهنا يبرز الجواب بسيطا ، فانحذار الفعل القرائي أسبق عندنا من التطور التيكنولوجي . فنحن معدل القراءة عندنا لا يبارح كتاب واحد لثلاثة ملايين عربي في السنة .
على طول كونيش المعادي حتى مشارف المتحف القومي للحضارة المصرية ، مرورا بالمتحف الاركيولوجي ، بمحاذاة الطريق الدائري العملاق ، لا يوجد كشك واحد للجرائد الورقية والمطبوعات ، وعندما تذهب لمصر الجديدة، العبور ، شارع صلاح سالم، المتاخم لنادي الحرس الجمهوري ، فإنك ستشعر دون شك أنك في نيويورك ، أو باريس ،لكنك لن تجد نسمة جريدة ، ليظل فعل القراءة العربي حلما عسير المنال .
في فاس تم الإجهاز على أكشاك الجرائد التي تم إحداثها بمبادرة من سابريس ،وباتت تعرض عددا من الجرائد صفراء الباهتة توحي لأول نظرة بالكسل والضمور .
ويبقى الشيخ والعجوزة في دار السلام ،نقطة الضوء الوحيدة ، حيث أقتني نسخة من جريدتي اليومية بالتناوب ، ما بين الأهرام أخبار اليوم الجمهورية الوفد الشروق اليوم السابع المصري . ويبدو أن الرجل المسن وزوجته الطاعنة أصرا بعناد فرعوني على نشر الضياء ، وقد صمما بعزم فولاذي على رهان القراءة عبر بيع منتوجه عباره عن أعداد من الجرائد المصرية ، مثقلة بالأحجار خوفا من أن تتطاير صفحاتها بفعل الرياح مقابل قروش لا تسمن ولا تغني من جوع . حتى وإن كانت قد إندثرت من أغلب الأكشاك والمكتبات هنا بالقاهرة ، أو تقلصت أعدادها على نحو مريب . فالتطور المريب للرقميات التهم الصحيفة الورقية ،وأجهز على الكتاب ، وأصبح القارئ أبيض العينين ، مقعرهما من فرط التسمر الساعات الطوال على الشاشة .
لقد اندثر فعل القراءة الجميل ، تلك العادة التي وسمت جيلا مميزا، كان اليوم ليس له نكهة دون الجريدة والفنجان . اليوم ،تحولت هذه العادة عند جيلنا الحالي ،إلى سماعة وسيجارة وهاتف ذكي ،ومشاهدات لا تنتهي . ورغم كل ما يمكن أن يقال، فإن فعل القراءة ما يزال حيا ، وأن القراءة فن وثقافة لا يعرفها سوى المحب الحقيقي للحياة .
ومن شبه المؤكد أن الوعي الحقيق لن يتشكل بالمشاهدات الجارفة لفيديوهات الرعب والفضائح وروتين الأيام الفاضحة، بل بالقراءة وحدها يتشكل الوعي ، وتتراص النخبة المثقفة ، لتقف سدا منيعا ضد الجهل والأمية ، ومحاربة الخرافة والنضال ضد الإشاعة . فالمجتمع الذى لايقرأ ، يتحول حتما إلي أرض خصبة لصناعة الوهم ، ويصبح تغييبه ممكنا ، والتحكم في حركته وضبط بياناتها متاحا، وسبر آرائه وميوله وتوجيهها كما تشتهي سفن الأنظمة وتشكيل وعيه الفكري أمرا مكينا.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.