طَائِرَةُ لَافْرُوفْ فِي الدَّارِ الْبَيْضَاءِ غَدَاةَ « الْفِيتُو ».. كَيْفَ حَوَّلَتْ بَرَاغمَاتِيَّةُ الرِّبَاطِ وَمُوسْكُو قَرَارَ مَجْلِسِ الْأَمْنِ إِلَى شَهَادَةِ وَفَاةٍ لِـ »الْمِينُورْسُو »؟

عبدالقادر كتـــرة
عند الساعة الثانية وتسع وثلاثين دقيقة بتوقيت غرينيتش من فجر الأحد فاتح نوفمبر 2026، كانت طائرة «إليوشن إيل-96» (المسجلة تحت رمز RA-96018 ورقم الرحلة RSD308) التابعة للسرب الجوي الخاص بالحكومة الروسية تشق سماء الدار البيضاء عائدة إلى موسكو، بعد توقف تقني في مطار محمد الخامس الدولي للتزود بالوقود في طريق عودة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من قمة مجموعة العشرين بمدينة أتلانتا الأمريكية.
هذا المشهد الملاحي، الذي تكرر ذهاباً يوم 29 أكتوبر وإياباً فجر 1 نونبر، لم يكن مجرد تفصيل لوجستي عابر في دفاتر الملاحة الجوية؛ بل حمل في طياته أبلغ رد سياسي ودبلوماسي على القراءات المتسرعة التي راهنت على حدوث شرخ بين الرباط وموسكو عقب استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر.
فبين لحظة التصويت في نيويورك ولحظة هبوط طائرة لافروف في الدار البيضاء أقل من 36 ساعة، أثبتت خلالها الدولتان أن شراكتهما الاستراتيجية أعمق من أن تهزها تجاذبات القوى الكبرى، بل إن محصلة هذا التجاذب صبّت في صميم الأهداف الاستراتيجية للمملكة المغربية بوضع حد نهائي لبعثة « المينورسو ».
شراكة استراتيجية محصّنة وفصلٌ ذكي بين المسارات
منذ توقيع اتفاقية « الشراكة الاستراتيجية المعمقة » بين الملك محمد السادس والرئيس فلاديمير بوتين في موسكو عام 2016، أرست الرباط وموسكو قاعدة ذهبية في تدبير علاقاتهما الثنائية قوامها الاحترام المتبادل، واستقلالية القرار السيادي، وفصل الملفات الثنائية عن صراعات المحاور الدولية.
ولعل استمرار فتح الأجواء والمطارات المغربية أمام الطيران الحكومي الروسي — في وقت وصدت فيه العواصم الأوروبية مجالاتها الجوية أمام موسكو — يعكس وفاء المغرب لنهجه السيادي المتوازن.
ولم يقتصر هذا الزخم على البعد الجوي والدبلوماسي فحسب؛ ففي اللحظة التي كانت فيها أروقة مجلس الأمن تشهد نقاشات حادة، كانت سفينة الأبحاث العلمية الروسية « أتلانتيدا » تواصل مهمتها الميدانية في المياه الأطلسية المغربية لتقييم المخزون السمكي تمهيداً لتفعيل اتفاقيات الصيد البحري، بالتوازي مع تدفق المبادلات التجارية في قطاعات الحبوب والطاقة والأسمدة.
إن استقبال طائرة لافروف في الدار البيضاء بعد ساعات قليلة من جلسة مجلس الأمن يوجه رسالة واضحة مفادها أن الرباط تدرك جيداً طبيعة التموقعات الدولية، وأن موسكو تعتبر المغرب شريكاً موثوقاً وبوابة أطلسية وإفريقية لا غنى عنها.
ما وراء « الفيتو » الروسي.. كباش القوى العظمى وعلم الرباط المسبق
لفهم حقيقة ما جرى في جلسة 30 أكتوبر 2026، يتعين وضع الفيتو الروسي في سياقه الجيوسياسي الحقيقي؛ فالتصويت الروسي لم يكن موجهاً ضد المغرب أو سيادته على أقاليمه الجنوبية، بل جاء في إطار المواجهة المفتوحة بين موسكو وواشنطن بصفتها « حاملة القلم » وصائغة مشروع القرار داخل المجلس.
وقد قطع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، الشك باليقين حين أكد بوضوح أن المغرب « كان على علم مسبق بالفيتو الروسي ». هذا التنسيق الصريح والشفاف بين الدبلوماسيتين المغربية والروسية يفسر الهدوء التام الذي تعاملت به الرباط مع مخرجات الجلسة؛ فالمغرب لم يُفاجأ بالموقف الروسي، بل أعدّ سلفاً قراءته القانونية والسياسية لما سيترتب عن غياب قرار التمديد.
نهاية « المينورسو ».. حين تخدم النتيجةُ الأهدافَ الكبرى للمغرب
المفارقة الاستراتيجية الأبرز التي أفرزتها جلسة مجلس الأمن هي أن الفيتو الروسي — ومنع التمديد الكلاسيكي للبعثة الأممية — قد حقق للمغرب مكسباً تاريخياً طالما شكل غاية ضمنية لتحركاته الدبلوماسية، والمتمثل في طي صفحة بعثة « المينورسو » التي استنفدت مبررات وجودها منذ عقود.
لقد تأسست البعثة عام 1991 في سياق تاريخي متجاوز، وتحولت بمرور السنين إلى آلية بيروقراطية لإدارة النزاع وتجميده بدلاً من حله، بل استُغلت من قِبل خصوم الوحدة الترابية للمغرب كورقة ابتزاز موسمية كل شهر أكتوبر.
ومع حلول فاتح نونبر 2026 دون صدور قرار بالتمديد، دخلت البعثة رسمياً مرحلة التصفية وإنهاء المهام الميدانية بعد 35 عاماً من التواجد.
بهذه النتيجة، كسب المغرب ثلاث رهانات كبرى دفعة واحدة:
– تكريس السيادة الميدانية الكاملة: انتهاء الوجود الميداني لـ »المينورسو » يعني زوال آخر مظهر من مظاهر الوصاية أو المراقبة الأممية على الأقاليم الجنوبية للمملكة، وبسط السيادة المغربية الخالصة من طنجة إلى الكويرة دون شريك أو رقيب.
1- دفن خيار الاستفتاء إلى الأبد: بارتباط اسم « المينورسو » تاريخياً بمفهوم الاستفتاء المتجاوز، فإن تفكيك البعثة يمثل شهادة وفاة رسمية ونهائية لأي طرح خارج إطار السيادة المغربية.
2- إعادة صياغة قواعد التفاوض: بات الموقف المغربي أكثر صلابة وحسماً؛ فلا تفاوض على السيادة، ولا وجود لآليات أممية موازية على الأرض، وأي مسار سياسي مستقبلي ينحصر حصرياً في التفاوض حول تفاصيل تنزيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إن مشهد إقلاع طائرة سيرغي لافروف من الدار البيضاء نحو موسكو فجر فاتح نوفمبر، بالتزامن مع بدء العد العكسي لتفكيك بعثة « المينورسو »، يلخص ببراعة نضج المدرسة الدبلوماسية المغربية؛ دبلوماسيةٌ تتقن الحفاظ على متانة شراكاتها مع القوى العظمى في الشرق والغرب، وتمتلك في الآن ذاته القدرة على تحويل أعقد التجاذبات الدولية داخل مجلس الأمن إلى رافعة تخدم قضيتها الوطنية الأولى وتغلق إلى الأبد قوس « تدبير النزاع » لصالح « ترسيخ السيادة ».




Aucun commentaire