نحن بحاجة إلى أن ندق ناقوس الخطر، وأن نعيد الاعتبار إلى الكتاب والمدرسة والجامعة والمكتبة، وأن نخلق بيئة تجعل القراءة جزءا من الحياة اليومية، لا نشاطا موسميا مرتبطا بمعرض للكتاب أو مناسبة ثقافية سنوية .

الكاتب: سعيد حجي

يبلغ عدد سكان العالم العربي نحو 503 ملايين نسمة، وتشير تقديرات منشورة عن عام 2023 إلى أن متوسط القراءة لا يتجاوز 3.8 كتب للفرد سنويا. وفي كوريا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 52 مليون نسمة، بلغ متوسط القراءة لدى من قرؤوا كتابا خلال العام 14.8 كتابا. ومع اختلاف منهجية احتساب الرقمين، تظل هذه المفارقة جديرة بالتأمل، لأنها تضعنا أمام سؤال مؤلم عن مكانة المعرفة في حياتنا، وعن المسافة التي تفصلنا عن مجتمعات جعلت من التعليم والبحث والابتكار ركائز أساسية في مشروعها التنموي.
بدأتُ بهذه الأرقام لأنني أريد للإنسان العربي أن يتأمل موقعه اين يضع قدميه في هذا العالم ، وأن يسأل نفسه عن أسباب هذا التقهقر الذي تتسع دوائره من حولنا. كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ ولماذا نستهجن نتائج التخلف، بينما نغفل عن الشروط التي تصنع التقدم؟ وكيف ننتظر من مجتمعات لا تمنح القراءة مكانتها اللائقة أن تنتج عقولا قادرة على فهم التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم؟
إن القراءة تضع الإنسان أمام مرايا كثيرة، وتدفعه إلى مواجهة أفكاره القديمة، واكتشاف مواطن الخلل في أحكامه، وإعادة النظر في المسلمات التي ورثها عن محيطه. إنها توسع مساحة الأسئلة داخل العقل، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. وحين تضيق هذه المساحة، يجد المرء نفسه أسيرا لأفكاره الأولى، يكررها بثقة، ويدافع عنها بشراسة، حتى عندما تتكاثر الأدلة على خطئها.
والمشكلة في مجتمعاتنا أعمق من ضعف الإقبال على الكتب. نحن أمام أزمة ثقافية تتصل بطريقة التفكير، وبنظرتنا إلى المعرفة، وبالمكانة التي نمنحها للإنسان المتعلم. كم من شخص يتحدث في كل شيء، ويصدر أحكاما في السياسة والتاريخ والاقتصاد والدين، من دون أن يكلف نفسه عناء البحث أو التحقق؟ وكم من فكرة زائفة وجدت طريقها إلى عقول الناس، ثم تحولت بفعل التكرار إلى حقيقة يصعب المساس بها؟ في مثل هذه البيئة، يصبح الجهل قادرا على الدفاع عن نفسه، ويجد العقل الذي يطلب الدليل نفسه مضطرا إلى تبرير حقه في السؤال.
لقد أدركت المجتمعات التي قطعت أشواطا في التنمية أن بناء الإنسان يحتاج إلى استثمار طويل في التعليم والبحث العلمي والمكتبات ومؤسسات إنتاج المعرفة. فالتقدم التكنولوجي الذي نراه اليوم لم يسقط من السماء، ولم تصنعه الرغبات الطيبة أو الشعارات الحماسية، وراءه أجيال من الباحثين والمهندسين والعلماء، ومؤسسات أنفقت الأموال على البحث، ومدارس وجامعات جعلت المعرفة جزءا من مشروعها الاجتماعي والاقتصادي.
وحين نتأمل تجربة كوريا الجنوبية، ينبغي أن نفهم أن الفارق لا يختزل في عدد الكتب التي يقرؤها الفرد، فهناك عوامل كثيرة تتداخل في صناعة التقدم، من جودة التعليم إلى الاستثمار في البحث والتطوير، ومن كفاءة المؤسسات إلى طبيعة السياسات الاقتصادية. غير أن القراءة تظل إحدى العلامات المهمة على علاقة المجتمع بالمعرفة، وعلى مدى استعداد أفراده لتوسيع مداركهم ومواكبة عالم يتغير بسرعة هائلة.
أما نحن، فكثيرا ما نريد النتائج من دون أن نلتفت إلى مقدماتها. نريد جامعة تنتج المعرفة، ومؤسسات تبتكر الحلول، واقتصادا ينافس الاقتصادات المتقدمة، ومجتمعا يحسن تدبير شؤونه، ثم نغفل عن العقل الذي يفترض أن يحمل هذه المشاريع كلها. نريد أن نقطف ثمار شجرة لم نعتن بجذورها، ونستغرب حين لا نجد على أغصانها ما انتظرناه.
ثمة فرق كبير بين أمة تتمنى النهوض وأمة تمتلك أدواته. فالرغبة في التغيير لا تكفي إذا ظل الإنسان عاجزا عن فهم أسباب أزمته، وإذا بقيت الأسئلة الكبرى خارج دائرة اهتمامه. والنهضة تحتاج إلى عقل يعرف كيف يبحث، وكيف يختبر الأفكار، وكيف يتعلم من أخطائه، وكيف يعترف بجهله حين تنقصه المعرفة. وهذه الصفات لا تنمو في الفراغ، وإنما تتكون عبر تعليم جيد، وقراءة مستمرة، وبيئة تحترم السؤال وتمنح التفكير الحر مكانته.
لقد كتب الفيلسوف الفرنسي ديكارت في مطلع كتابه « مقال عن المنهج » أن العقل هو أكثر الأشياء توزيعا بالتساوي بين الناس، لكن امتلاك العقل لا يعني بالضرورة حسن استعماله. وهنا تكمن المسألة التي تستحق منا وقفة طويلة: فكم من عقل يمتلك القدرة على الفهم، لكنه يتركها معطلة بفعل الكسل، وكم من إنسان يستطيع أن يغير نظرته إلى الحياة، لكنه يفضل البقاء داخل الدائرة المألوفة، حيث لا يحتاج إلى مراجعة أفكاره أو الاعتراف بأخطائه؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعا هو أن يفقد الإحساس بحاجته إلى المعرفة. عندها يصبح غياب الكتاب أمرا عاديا، وتتحول المكتبات الفارغة إلى مشهد مألوف، ويغدو السؤال عن مستوى القراءة ترفا ثقافيا لا يستحق الانشغال. وحين تستقر هذه الحالة في الوعي الجمعي، يصبح إصلاحها أكثر صعوبة، لأن المشكلة تتجاوز توفير الكتب إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمعرفة.
نحن بحاجة إلى أن ندق ناقوس الخطر، وأن نعيد الاعتبار إلى الكتاب والمدرسة والجامعة والمكتبة، وأن نخلق بيئة تجعل القراءة جزءا من الحياة اليومية، لا نشاطا موسميا مرتبطا بمعرض للكتاب أو مناسبة ثقافية سنوية . نحتاج إلى تعليم يوقظ الفضول، وإعلام يحترم عقول الناس، ومؤسسات تشجع البحث، وأسر تدرك أن الاستثمار في عقل الطفل أهم من إغراقه بالمظاهر التي تستهلك المال وتترك الفكر جائعا.
وقد قال الشاعر أحمد شوقي:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
والعلم من أعظم المطالب التي تحتاج إلى الصبر والمثابرة والعمل المتواصل. أما الحضارة التي نريدها من دون علم، والمجد الذي نطلبه من دون جهد فكري، فسنظل ننتظرهما حتى يشيب الغراب، والغراب لا يشيب.
إن الأمم لا تتأخر في يوم واحد، وإنما تتراكم أسباب تأخرها عبر سنوات طويلة، حين تهمل عقول أبنائها، وتستخف بالمعرفة، وتؤجل إصلاح التعليم، ثم تستيقظ متأخرة لتجد العالم قد قطع مسافات بعيدة. وحينها يصبح السؤال عن أسباب التخلف ضروريا، لكنه يظل ناقصا ما لم يتحول إلى إرادة حقيقية لتغيير الشروط التي أنتجته.
فكيف نريد أن ننهض بأمة لا تمنح القراءة المكانة التي تستحقها؟ وكيف نطلب من الإنسان أن يفكر في مستقبل وطنه، إذا لم نمنحه الأدوات التي تساعده على فهم حاضره؟ إن بناء الحضارة يبدأ من العقل، والعقل الذي لا يتغذى بالمعرفة يظل عرضة للضياع، مهما أحاط نفسه بالشعارات والأمنيات.
ولعل أول خطوة في طريق الخروج من هذه الدائرة أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بحجم المشكلة، وأن نفهم أن النهضة مشروع يبدأ من الإنسان، من كتاب يقرؤه، وسؤال يطرحه، وفكرة يختبرها، وحقيقة يقبلها . فهناك تبدأ المسافة بين مجتمع يكتفي بتفسير أزماته ومجتمع يمتلك القدرة على تغيير واقعه.




Aucun commentaire