رسالة إلى رئيسة الحكومة والثلاثين برلمانيا …!

الكاتب سعيد حجي

افتتح البرلمان دورته التشريعية الجديدة ، فظهر على شاشات التلفاز من ظهر من السادة النواب، بعضهم تلعثم وهو يحاول تهجئة جملة بسيطة، وبعضهن استعرضن بياض أسنانهن الحليبية أمام عدسات الكاميرات، حتى وجدن أنفسهن في الغد مادة دسمة لمواقع التواصل الاجتماعي. وخرجت علينا إحداهن، وهي تحاول أن « تفرنس » و تتحدث بالفرنسية، بعبارة « داز داك شي إنتريسون »، فانتشرت اللقطة وأصبحت حديث الناس. مرت الزوبعة بخيرها وشرها، وانشغل الجمهور بصورها ، وبدأت المَشاهد تخفت شيئا فشيئا ، وراح الضجيج يستقر في قعر الكأس، تاركا لنا ما يستحق أن نتحدث عنه حقا..
والآن، اسمحوا لنا أن نخرج كناشنا القديم، ونقلب بعض صفحاته أمامكم. ففي جهة الشرق، حيث يمثلنا ثلاثون برلمانيا، ما زلنا نعيش فصولا من حكاية تنموية طال انتظار نهايتها. هنا، لا تزال بعض مظاهر الحياة العامة تستدعي عقودا مضت، حتى يخيل للمرء أن الزمن مر من فوق المنطقة وتركها واقفة عند محطة قديمة، ثم مضى إلى مدن أخرى….
خذوا قطار فاس وجدة مثالا. قطار يذكرك، من شدة ما تسمعه داخله من طقطقة واهتزاز، بتلك القطارات التي تظهر في الأفلام التاريخية، حين كان الفحم يتولى أمر القاطرة وكانت العربات تتمايل فوق سكك الحديد. يقضي المسافر ساعات طويلة في رحلة يفترض أن تكون وسيلة للانتقال المريح، فإذا به يخرج منها وقد أنهكه الضجيج والاهتزاز. ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية أن القطار ما زال يربط مدنا عدة ، بينما يظل السؤال عن تحديث هذا الخط وعن نصيب الشرق من الاستثمار في النقل مطروحا بإلحاح…
ثم انظروا إلى أرقام الجهة. وفقا لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط عن سنة 2025، بلغ معدل البطالة في الشرق 22.1 في المائة، مقابل 13 في المائة على الصعيد الوطني، بينما لم يتجاوز معدل التشغيل 31.2 في المائة، مقابل 37.8 في المائة وطنيا. هذه الأرقام وحدها كافية لتشرح جانبا من معاناة آلاف الأسر، ومن أسباب الهجرة التي تدفع الشباب إلى مغادرة مدنهم وقراهم بحثا عن فرصة عمل تحفظ كرامتهم.
وتقول معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إن جهة الشرق تضم أكثر من 2.29 مليون نسمة. نحن نتحدث عن كتلة بشرية واسعة، وعن مدن وأقاليم وقرى لها حاجاتها وانتظاراتها وحقها في الخدمات العمومية. ومع ذلك، ما زالت الهوة بين ما ينتظره المواطن وما يجده أمامه تثير أسئلة ثقيلة حول العدالة المجالية، وحول نصيب هذه الجهة من التنمية الوطنية.
ولنقترب أكثر من حياة الناس، تعالوا إلى المستشفيات. في تاوريرت وجرسيف وجرادة وبركان والعيون الشرقية والسعيدية بوعرفة ومناطق أخرى، يواجه المرضى وأسرهم صعوبات في الوصول إلى الخدمات الصحية المتخصصة، ويضطر بعضهم إلى التوجه نحو مدن بعيدة، وفي مقدمتها وجدة، طلبا للعلاج. وحين تستدعي الحالة نقلا طبيا، تبدأ معاناة أخرى مع الانتظار والإجراءات وتوفر وسيلة النقل. وقد تكون الدقائق في بعض الحالات أثمن من كل الخطب التي تلقى تحت قبة البرلمان. فما قيمة مؤسسة صحية قريبة إذا كانت عاجزة عن توفير العلاج الضروري؟ وما معنى الحق في الصحة حين يصبح الوصول إلى المستشفى المتخصص رحلة مكلفة في المال والوقت والأعصاب؟
هذه الملفات تحتاج إلى أرقام رسمية دقيقة عن زمن الانتظار، وتوفر سيارات الإسعاف، والموارد البشرية والتجهيزات الصحية في كل إقليم. وهي أرقام ينبغي أن تكون بين أيدي ممثلي السكان، حتى لا تظل معاناة المرضى مجرد حكايات تتناقلها الأسر في المقاهي وممرات المستشفيات. فالمرضى لا يستطيعون انتظار نهاية الولاية التشريعية حتى تتحسن ظروف علاجهم.
أما التهيئة الحضرية، فحدّث ولا حرج. أحياء تحتاج إلى إصلاح الطرق والأرصفة، وشوارع أنهكتها الحفر، ومقاطع لا تكاد تعرف متى زارتها آخر مرة شاحنة تحمل مادة الزفت. بعض البنيات التحتية تحمل آثار عقود من الإهمال، فيما تتجدد الوعود مع كل استحقاق انتخابي. ويظل المواطن مطالبا بالصبر، وكأن إصلاح الطريق الذي يسلكه يوميا منحة ينتظرها من أصحاب القرار، لا حقا من حقوقه مقابل الضرائب والرسوم التي يؤديها.
وليس ملف الشباب أقل إلحاحا. كم من شاب غادر تاوريرت أو جرادة أو جرسيف أو بركان او العيون نحو مدن الشمال بحثا عن عمل؟ وكم من شاب ركب قوارب الموت، واضعا حياته بين أيدي البحر، بعدما ضاقت به سبل العيش في وطنه؟ وكم من شاب بقي في مكانه، يحمل شهادة أو حرفة، ويقضي سنواته في انتظار فرصة لا تأتي؟ وراء كل رقم في سجلات البطالة إنسان له أحلام مؤجلة، وأسرة تنتظر أن يصبح سندا لها، وأم تتمنى أن تراه مستقرا في حياته. والهجرة التي تفرغ بعض المناطق من شبابها تترك وراءها قرى ومدنا تفقد طاقاتها، وتترك أسرها معلقة بين الخوف والانتظار.
السادة النواب والسيدات النائبات، إنكم تمثلون جهة يبلغ عدد سكانها أكثر من مليونين وربع المليون، ويسجل اقتصادها ناتجا داخليا إجماليا يناهز 82.6 مليار درهم، أي نحو 5.1 في المائة من الناتج الوطني سنة 2024، وفقا لمعطيات الحسابات الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط. هذه أرقام تذكرنا بأن الشرق يملك طاقات اقتصادية وبشرية تستحق أن تتحول إلى فرص عمل وخدمات وبنيات تحتية، وأن التنمية فيه ينبغي أن تكون مشروعا واضح المعالم، بميزانيات معلنة وآجال محددة ومحاسبة على النتائج.
نريد منكم أن تحملوا هذه الملفات إلى البرلمان، وأن تسائلوا الحكومة عن مصير المشاريع المتعثرة، وعن أسباب استمرار البطالة، وعن وضع المستشفيات والنقل والطرق، وعن البرامج المخصصة للأقاليم التي ما زالت تنتظر نصيبها من الاستثمار. نريد أن نعرف ماذا ستفعلون، ومتى ستفعلونه، وكيف سيعرف المواطن أن ما وعدتم به قد تحقق. فالمواطن لا يستطيع أن يبني مستقبله على صور افتتاح الدورات التشريعية، ولا على البلاغات التي تختفي بعد أيام من نشرها.
ونتمنى من رئيسة الحكومة وأعضاء حكومتها أن ينظروا إلى الشرق باعتباره جزءا أصيلا من مستقبل المغرب، وأن يجعلوا تقليص الفوارق المجالية هدفا قابلا للقياس، تظهر نتائجه في المستشفيات والمدارس والطرقات وفرص الشغل، وفي حياة الناس اليومية. فالعدالة المجالية لا تتحقق بخطاب جميل، وإنما بميزانية تصل إلى مستحقيها، ومشروع يخرج إلى الوجود، ومسؤول يجيب عن سؤال المواطن حين يسأله: أين وصلتم؟
أما أنتم، أيها البرلمانيون الذين ستقضون خمس سنوات تحت قبة البرلمان، فإن امتيازات المسؤولية تضع على عاتقكم واجبات ثقيلة. فالمقعد النيابي أمانة، والراتب والتعويضات يقابلهما عمل ومساءلة وحضور ومرافعة عن مصالح المواطنين. ومن حق الناس أن يعرفوا ما أنجزه ممثلوهم، وكم سؤالا وجهوا، وكم ملفا تابعوا، وما الذي تغير فعلا في حياة من انتخبوهم.
لقد شاهدناكم في افتتاح الدورة التشريعية بجلابيبكم الأنيقة وبلاغاتكم الرسمية، وسننتظر أن نراكم في ملفاتنا اليومية، حيث تتعثر المشاريع وتطول لوائح الانتظار ويضيق أفق الشباب. لن نحكم على نياتكم من اليوم الأول، وسنترك لكم فرصة العمل، لأننا تعبنا من خيبات الأمل، ولأننا نريد أن نصدق أن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياة الناس.
وجّهوا وجوهكم نحو الشرق، ونحو كل منطقة مهمشة في هذا البلد الحبيب. اسمعوا صوت المريض الذي ينتظر سيارة إسعاف، وصوت الشاب الذي يبحث عن عمل، وصوت المسافر الذي يقطع ساعات طويلة في قطار أنهكه الزمن، وصوت المواطن الذي ملّ رؤية الحفر أمام بيته والوعود فوق المنصات.
أمامكم خمس سنوات، وهي مدة كافية ليترك العمل الجاد أثرا يراه الناس ويلمسونه. فلا تجعلوها خمس سنوات أخرى من الانتظار، ثم تعودوا في نهاية الولاية لتطلبوا ثقة مواطن لم يجد خلال سنواتها ما يقنعه بأن صوته كان له وزن.
فالشرق لا يطلب امتيازا على بقية جهات المغرب، ولا يريد أن يعيش على هامش وطنه. إنه يطلب حقه في تنمية تحفظ كرامة أبنائه، وتمنح شبابه سببا للبقاء، ومرضاه فرصة للعلاج، ومدنه حقها في بنية تحتية تليق بسكانها.
هذه هي الرسالة التي نريد أن تصل إليكم بعد أن انطفأت أضواء الكاميرات: هناك مواطنون ينتظرون منكم عملا يغير حياتهم، لا لقطة أخرى يتداولها الناس ثم ينساها الجميع.




Aucun commentaire