Home»Débats»مقامة الهَرْوَلَةِ إلى قصرِ بنتِ الباشا

مقامة الهَرْوَلَةِ إلى قصرِ بنتِ الباشا

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني


حَدَّثَني أبو اليَقظانِ، وكانَ صادقَ البهجةِ، حُلْوَ اللهْجةِ، قال: لَمّا نَقَلَ لي الرُّواةُ أنّ السيّدةَ فاطمةَ الزهراءَ قَدْ وُلِّيَت رئاسةَ الوزراء، وأنّ الخبرَ طارَ في الأجواء، وتناقلَتْه الألسنةُ والأصداء، قلتُ في نفسي: إنّ هذا يومٌ مشهودٌ، ويومٌ للعقولِ بَلْهَ القلوبِ، فما أسرعَ ما يَهْرولُ إليه الرجال، وما أبطأَ ما يَصِلُ إليه ذوو الكمال! فانطلقتُ أتبيَّنُ الآثار، وأتسقّطُ الأخبار، حتى بلغتُ باباً عليه من الوُفودِ زِحام، ومن المُنتظرينَ كأنّهم على كنز يقتتلون، أو على مغنمٍ يتخاطفون. فوقفتُ أُجيلُ الطرفَ في الوجوه، وأُصغي للهمسِ والرفس، فرأيتُ العجبَ العُجاب، وسمعتُ ما يَحْبِسُ الجواب، ويُذْهِلُ اللُّبَّ ويُنسي الصواب.

رأيتُ شَيْخاً قد أخلَقَ الدهرُ ثيابَه، وأذابَ الحرمانُ شبابَه، يَحملُ تحتَ إبطِه ملفّاً كأنّه تابوت، ويقولُ بصوتٍ خفيت: أنا من القدامى، أنا من الأوفياء، أنا ممن خَدَمَها في البلديةِ سنينَ عدداً، وأنا اليومَ أولى بها من سائرِ الخلقِ أحَداً. قلتُ: وما في ملفِّك؟ قال: شهاداتٌ من زمنٍ مضى، ووعودٌ من زمنٍ لم يأتِ. قلتُ: وأيَّ منصبٍ تبغي يا عمّي؟ قال: كاتِبُ دولةٍ على الأقل، أو والٍ على إقليمٍ على الأكثر. قلتُ: يا هذا، إنّ المنصبَ ليس قِربةً تُعلَّقُ على صدرِ من عَطِش، بل أمانةٌ يُسألُ عنها من حَمَلَها. فقال: الناسُ يَحملونَ ولا يَسألون، ويأخذونَ ولا يُعطون. فقلتُ: صدقتَ في هذا الزمان، فاللهُ المستعان.

ثم رأيتُ فتًى مورَّدَ الخدِّ، مُسْبَلَ الشَّعْر، عليه من العطرِ ما يُغشي الأبصار، ويَخْطِرُ في الزحامِ كالطاووسِ بين الأطيار، فقلتُ: من أنت أيّها المُتَأنّق المُتألّق؟ قال: أنا من الشبابِ الصاعد، من الحزبِ الوافد، كنتُ في الميدانِ أدعو الناسَ إلى الخيرِ، وأوزّعُ المنشوراتِ على المارّةِ في البردِ والحرّ. قلتُ: وما تبتغي اليوم؟ قال: منصباً يناسبُ تضحياتي، وحقيبةً تُناسبُ شهاداتي. قلتُ: ومن قالَ لك إنّ الطموحَ يُقاسُ بالأحلام، لا بالأعمال؟ فقال: يا سيّدي، لا تكن متخلّفاً، فإنّ الزمنَ زمنُ الوجوهِ، لا زمنُ الجُهود. فتأوّهتُ وقلتُ: يا لَلزمانِ العجيب، صار فيه الدعيُّ وزيراً، والبطيءُ أميراً، والخاملُ مُكرَماً.

ثم رأيتُ رجلاً من ذوي الأقارب، يدّعي أنّه ابنُ عمٍّ من الأبِ والجدّ، فقلتُ: من أنت؟ قال: أنا من العائلةِ الكريمة، عائلةٌ كلُّها تنتظرُ التعيينَ، بيتٌ فيه أربعونَ رجلاً، كلٌّ منهم يرى أنّه أولى بالكرسيِّ من أخيه. قلتُ: ومن أين لكم هذا اليقين؟ قال: من شجرةِ النسب، فأصلُنا واحد، ومصيرُنا واحد، ومصيبتُنا واحدة. قلتُ: يا هذا، إنّ القُربى لا تكون قربةً إلى المناصب، بل إلى الطاعةِ إذا كانت العائلةُ أهلاً لها، لا إذا كانت سيفاً على الرقاب. فقال: خُذني بجهلي، واغفرْ لي، فأنا لا أفقهُ في السياسةِ غيرَ أنّها لعبةُ القريبِ والمطيع.

ثم أقبلَ رجلٌ من أهلِ المال، تسبقُه رائحةُ النفوذ، وتتبعُه أذيالُ الجُموع، فقال: أنا من رجالِ الأعمال، ومن كبارِ الرجال، أنا من أصحابِ المشاريع، وأنا من المُموّلينَ للانتخاباتِ بالطُرُقِ السريعة. قلتُ: وما مشروعُك اليوم؟ قال: مشروعي كبير، لكنّه يحتاجُ إلى وزيرٍ يفتحُ له الأبوابَ. قلتُ: ومن يكونُ ذلك الوزير؟ قال: أنا! فقلتُ: يا لَلوقاحةِ والصفاقة! تريدُ أن تكونَ رقيباً على ما تَخُونُ فيه، وحاكماً على ما تسرقه؟ فصاحَ بي: يا هذا، إنّ السياسةَ سوقٌ، من جاءَ بالمالِ فله العقودُ، ومن جاءَ بالوُعودِ فله النصيبُ، ومن جاءَ فارغاً فهو إلى الجحيمِ قريب.

ثم رأيتُ عالماً جليلاً، صاحبَ عمامةٍ كبيرة ولحية كثيفة، يَزحفُ في الزحامِ زحفَ الجائع إلى الطعام، فقلتُ: يا شيخُ، وأنتَ ماذا تبغي؟ قال: لقد درستُ ثلاثينَ سنةً، وكتبتُ سبعينَ كتاباً، وناقشتُ مئةَ رسالةٍ، ولم أجدْ حصيلاً ولا مآلاً، فجئتُ لأطلبَ منصباً مُستشاراً أو رئيسَ ديوانٍ. قلتُ: يا أسفي على العلمِ إذ صارَ خادماً للجاه، وعلى الفكرِ إذ صارَ حاجباً على بابِ الرواتب. فقال: لا تعجبْ، فإنّ العلمَ في هذا الزمنِ لا يشتري خبزاً، إلا إذا لبسَ شاشية السلطة، وتوسّدَ كتابَ المصالح.

ثم أقبلتْ وفودُ الأحزاب، تُقدّمُ عقودَ التحالفات، وتَرفعُ قوائمَ المطالبِ والحصص، فقلتُ: من أنتم؟ قالوا: نحن الحلفاءُ الجُدد، ضمّتْنا المصلحة، وجمعَتْنا المَغانم. قلتُ: ومتى تحالفتُم؟ قالوا: منذُ ساعةٍ. قلتُ: وعلى أيِّ شيءٍ؟ قالوا: على الكعكةِ. قلتُ: وفيمَ تختلفون؟ قالوا: في الأنصبة. فقلتُ: تاللهِ لقد رأيتُ عجباً، قوماً يتفقونَ على القِسمة، ويَتقاتلونَ على الحصة، كأنّهم ما قرؤوا في التاريخِ أنّ الخُلفاءَ إنْ تحالفوا على المصالحِ تفانوا، وإنْ تحالفوا على المبادئِ تَصافَحوا.

وبينما نحن كذلك، إذا برجلٍ يَتقصّى الأخبار، ويَتنقّلُ بين الدواوينِ كالطيفِ في الأسحار، فقيل: هذا ممن يعرفُ الجميع، ويقولُ لكلِّ مسؤولٍ: أنا معك، وأنا منك، وأنا ظِلُّك. قلتُ: ومن أنت اليوم؟ قال: أنا اليومَ من حزبِها، وغداً من حزبِ مَنْ أقوى. قلتُ: وكيف تُوفّقُ بين هذا وذاك؟ قال: كما يُوفّقُ المنافقُ بين مذبحين، يُبكي في هذا، ويُضحكُ في ذاك، ويُصلّي بينهما صلاةَ الطمعِ والرياء.

ثم لمحتُ رجلاً يلبسُ بدلةً أنيقة، ويحملُ حقيبةً فارغة، فقال: أنا سفيرٌ سابق، أبحثُ عن سفارةٍ لاحقة. قلتُ: وما في حقيبتك؟ قال: لا شيءَ، غيرَ أنّني أعرفُ المصافحةَ، وأُتقنُ المُجاملَة، وأُوقّعُ بلا قراءةٍ، وأوافقُ بلا مراجعة. فقلتُ: يا لَلعجب! صارَ السِّفْرُ صناعةَ من لا صناعةَ له، ووظيفةَ من لا وظيفةَ عنده.

فقلتُ في نفسي: يا أبا اليقظان، إنّ القصورَ تُبنى بالحجارةِ، وتُهدَّمُ بالطُّمّاع، وإنّ الكراسيَّ تُرفَعُ بالجهود، وتُسقَطُ بالوُفود. فمن دخلَ إلى القصرِ يطلبُ منصباً بلا عملٍ، فليعلمْ أنّ المنصبَ سيأكُلُهُ كما يأكُلُ السُّلُّ البدن. ثم انصرفتُ من الزحامِ، وقد أخذَ منّي التعبُ ما أخذ، وملَّتْ عينايَ من وجوهٍ رأيتُ فيها الطمعَ عارياً، والتملّقَ مكشوفاً. وإذا بي أرى السيّدةَ فاطمةَ الزهراءِ تُشيِّعُ وفداً وتستقبلُ آخر، والوجوهُ حولها تتبدّلُ كأمواجِ البحرِ، والكلماتُ تتشابه كأنّها خرجتْ من فمٍ واحد. فتقدّمتُ، لا لأطلبَ شيئاً، فقد كنتُ قد عقدتُ العزمَ على ألّا أمدَّ يدي إلى حطام، ولا أن أُزيّنَ لساني بمدائحَ كاذبة، ولا أن أُقايضَ ودّي بمنصبٍ أو حقيبةٍ أو سفارةٍ أو ولاية.

ودّعتُها ويدي تُلوّحانِ ببراءةِ من لا يطلبُ شيئاً، ولا يبتغي حطاماً، ولا يمدُّ كفَّه إلى كرسيٍّ ولا حقيبةٍ. وقلتُ في لُحْظِ اللِّحاظ: يا سيّدتي، إنّي لا أُريدُ ممّا يُريدُه القومُ شيئاً، لا منصباً يُزيّنُ الرقاب، ولا جاهاً يُثقِلُ الأكتاف، ولا قُرباً يُباعُ ويُشترى في أسواقِ النفاق. إنّما جئتُ أُشاهدَ التاريخَ وهو يُكتَبُ على جبينِ امرأةٍ، لا لأُطالِبَ بنصيبٍ من الكعكةِ التي تُقسَمُ على الوفودِ والطامعين. فابتسمتْ لي ابتسامةً عارفةً، كأنّها قرأتْ ما في ضميري قبل أن أنطقَ به، وفهمتْ أنّ في هذا الزمانِ من لا يزالُ يطلبُ الشهادةَ لا الشهادةَ المزيّفة، ويبتغي الحقَّ لا الحقائب.

وودّعتُها وأنا أقول: يا فاطمةَ الزهراء، إنّ من يطلبُكِ لمنصبٍ سينساكِ إذا انقضى المنصب، ومن يطلبُكِ للحقِّ سيذكرُكِ إذا ضاعَ الحقُّ. فامضِ على بركةِ الله، واعلمي أنّ الأيدي التي تُلوّحُ لكِ اليومَ بالولاءِ قد تُصفّقُ غدا لغيرك، أما من لوّحَ لكِ ببراءةٍ فقد ودّعَكِ بلا شرطٍ ولا حساب.

وشتّانَ بين من يعتبرُ ومن يَغترّ

المصدر:respress.ma.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *