Home»Débats»امرأة على رأس الحكومة المغربية.. يا مرحبا يا مرحبا..

امرأة على رأس الحكومة المغربية.. يا مرحبا يا مرحبا..

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني


حين عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لم يكن الحدث مجرد تبديل موقع بموقع، بل كان كسراً لتابو ظل قائماً منذ الاستقلال. لأول مرة في تاريخ المملكة، تصل امرأة إلى رئاسة السلطة التنفيذية، لا بوصاية أبوية ولا بحصة رمزية، بل بوصفها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، الحزب الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً من أصل 395. وبمقتضى الفصل 47 من الدستور، كلّف الملك رئيسة الحكومة من الحزب المتصدر للإنتخابات التشريعة لشتنبر 2026. هذا التفصيل الدستوري هو ما يمنح التعيين ثقله: المنصوري ليست أول امرأة مغربية تترأس الحكومة فحسب، بل أول امرأة في المغرب العربي تصل إلى هذا الموقع عبر انتخابات تشريعية، لا عبر أمر رئاسي كما حدث في تونس سعيّد مع نجلاء بودن ثم سارة الزعفراني. هنا يصبح السؤال أقل احتفالياً: هل نحن أمام تحول بنيوي، أم أمام استثناء انتخابي سريعاً ما تبتلعه الآلة السياسية؟

لكن المرأة التي ستجلس على كرسي الرئاسة لن تجلس على تاج، بل على جبل من الجمر الملتهب. حكومتها ترث خرائب متراكمة منذ حكومة بنكيران، مروراً بالعثماني، وصولاً إلى أخنوش. ملفات التنمية المندمجة التي ظلت وعوداً مؤجلة، والنمو الذي يتهادى بين أرقام هزيلة وتوقعات دولية قاتمة، والبطالة التي تلتهم الشباب وتدفعه إلى قوارب الموت أو إلى أحلام الهجرة، وتذييل الترتيب العالمي في التعليم والصحة والتنمية الإجتماعية وكذا مجال الحريات والفساد الذي يضرب أطنابه في مفاصل الإدارة، والبيروقراطية التي تخنق الاستثمار وتجعل من رجل الأعمال مسافراً في متاهة من الأختام والتأشيرات. هذه ليست ملفات تُورَّث، بل أمراض مزمنة في جسد الدولة. والمنصوري، المحامية والسياسية التي انتخبت عمدة لمراكش سنة 2009 ثم دخلت الحكومة، تعرف أن فرحتها لن تدوم أكثر من اليوم الأول من التعيين مع هذا الحجم الثقيل من الإرث .

الاقتصاد المغربي نفسه مريض. الدين العام يتضخم، وعجز الميزانية يتسع، والاستثمارات الأجنبية تتردد، والطبقة الوسطى تتآكل. جائحة كوفيد-19 تركت جروحاً عميقة وأخاديد غائرة، والحرب في أوكرانيا رفعت أسعار الطاقة والغذاء إلى مستويات غير مسبوقة. المغرب، الذي يستورد معظم احتياجاته الطاقية، يدفع فاتورة باهظة، والمواطن البسيط هو من يحمل العبء. فوق هذا كله يقف المونديال كرهان رياضي وطني، لكنه أيضاً محك وجودي: البنية التحتية، والاستقرار، والقدرة على تدبير الملفات الكبرى. حكومة المنصوري ستُحاكم أمام العالم، لا أمام البرلمان فقط. وأي خلل في تنظيم المونديال سيكون خطيئة لا تُغتفر.

وفي المحيط الإقليمي، تقف ملفات لا تنام. سبتة ومليلية، الجرح المفتوح مع إسبانيا. الوضع المتوتر في الشمال (أوروبا)، حيث تختلط أوراق الهجرة والتهريب والتطرف. الجنوب، حيث الصحراء المغربية تدخل منحى جديداً من المواجهة الدبلوماسية والأمنية الشرسة مع الجار اللدود الجزائر. والخليج، الذي يظل شريكاً استراتيجياً أصبح ساحة صراعات نفوذ دولي.

لكن الأخطر من كل ذلك هو المشهد الداخلي. حزب الأصالة والمعاصرة حصل على 97 مقعداً فقط، وهذا يعني أن الحكومة ستكون هشة بنيوياً، مهددة بحجب الثقة في أي لحظة. التحالفات التي ستُبنى ستكون قابلة للانفجار في أي أزمة، والتناقضات بين مكوناتها قد تتحول إلى سكاكين مسلطة على رقبة الرئيسة. المنصوري تعرف أن رئاسة الحكومة ليست منصباً بروتوكولياً، بل لعبة توازنات دقيقة، حيث كل قرار قد يكون طلقة في القدم. ومعارضة قوية وشرسة، ربما أقوى معارضة منذ عقود، تنتظرها في البرلمان وفي الإعلام وفي الشارع. قد تسقط، وقد تُحجب عنها الثقة، وقد تُدفع إلى انتخابات مبكرة. هذا ليس تشاؤماً، بل قراءة باردة لقواعد اللعبة.

ثم هناك البعد الأعمق: امرأة في السلطة، في مجتمع مكبل بالتقاليد والذهنيات الذكورية. المنصوري لن تواجه خصومها السياسيين فقط، بل ستواجه تنمراً يومياً، وسخرية من جنسها، وشكوكاً في قدرتها على القيادة. الإعلام، الذي يبحث عن الإثارة، قد يحوّل كل خطأ إلى كارثة، وكل قرار إلى معركة. الثقافة المغربية، التي لا تزال تنظر إلى المرأة ككائن يجب أن يبقى في “الكوزينا” وبالكاد في الظل، ستكون عقبة لا تقل عن عقبة الفساد والبطالة. لكن المنصوري تعرف هذا، وقد اختارت أن تخوض المعركة. وربما كان ابن عربي محقاً حين قال: “الشيء إذا لم يؤنث لا يُعوَّل عليه”. الأنوثة هنا ليست جنساً، بل رمزاً للخصب والتجدد والقدرة على العطاء. امرأة على رأس الحكومة قد تكون فأل خير في زمن فقد فيه المغاربة الثقة في رجال السياسة. رجال تناوبوا على السلطة، ووعدوا، وأخلفوا، وبنوا إمبراطورياتهم الصغيرة على حساب الدولة. ربما جاء الوقت لنقول: لنجرب الأنوثة، ليس لأن المرأة أفضل من الرجل، بل لأن الرجال، في هذا السياق، استنفدوا أوراقهم.

لكن وراء الرمزية السياسية القوية لهذا التعيين، تبرز أربعة ملفات حارقة قد ترافق بداية ولايتها وتتحول إلى اختبارات للحكامة والأداء اليومي. أولها شبهة تضارب المصالح التي أثارها ملف عقاري لعائلتها في تسلطانت بضواحي مراكش.

والاختبار الثاني يرتبط بتجربتها على رأس وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بين 2021 و2026. فقد تعرض حضورها في الوزارة لانتقادات، خصوصا في فترات غيابها، فيما أصبح كاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب بنبراهيم يتولى جزءا مهما من التدبير والتمثيل المؤسساتي للقطاع..

ويبرز تحد ثالث إذا احتفظت المنصوري برئاسة مجلس جماعة مراكش، إذ ستجد نفسها مطالبة بالتوفيق بين قيادة الحكومة وتدبير واحدة من أكبر المدن المغربية وأكثرها ارتباطا بالأوراش السياحية والاستثمارية والتحضيرات لاستحقاقات دولية كبرى.

أما الملف الرابع فيتمثل في وضع المنصوري الصحي، وهو موضوع تحدثت عنه بنفسها. فقد سبق أن اضطرت إلى الإجابة عن أسئلة برلمانية وهي جالسة بسبب مشكلة في الركبة، كما أقرت قبيل الانتخابات بمعاناتها من آلام في الرقبة وتوعك في الركبة، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها في صحة جيدة وقادرة على تحمل المسؤولية. علما أن منصب رئاسة الحكومة ليس منصباً عادياً. هو آلة تلتهم الوقت و تطحن الجسد والأعصاب. ومن يقف على رأسها، عليه أن يعرف أن التاريخ لا يرحم من يتردد، ولا يمنح فرصاً ثانية.

وهكذا، تدخل المنصوري الملقبة ببنت الباشا رئاسة الحكومة محاطة برمزية تاريخية بوصفها أول امرأة تتولى المنصب، لكن أيضا بأسئلة موروثة من تجربتها السابقة تتعلق بالحكامة وتضارب المصالح المحتمل والحضور وتوزيع الوقت بين المسؤوليات. وستتحدد أهمية هذه الملفات في تقييم ولايتها ليس بما أثير حولها قبل تعيينها، وإنما بكيفية إدارتها لها عمليا، وبمدى الفصل بين المصالح الخاصة والمسؤولية العامة، وحضورها في قيادة العمل الحكومي، والاختيارات التي ستتخذها بشأن استمرارها أو عدم استمرارها على رأس جماعة مراكش.

السلطة، كما يقول الفلاسفة، ليست تاجاً بل عبء. والقمة أكثر الأماكن برودة وعزلة. هناك، حيث الرياح أقوى، والوحدة أشد، والقرارات أثقل..

لذلك أقول لنترك المرأة تشتغل. لنمنحها فرصة، لا لأنها امرأة، بل لأن المغرب يحتاج إلى التغيير. وربما بعد سنوات سيتذكر المغاربة أن أول امرأة ترأست الحكومة لم تكن صدفة، بل ضرورة تاريخية ملحّة . لكن الرمزية وحدها لا تحكم. الحكامة هي التي تحكم. والأسئلة الأربعة ليست اتهامات، بل اختبارات. والاختبار الحقيقي ليس في ما قيل قبل التعيين، بل في كيفية إدارة هذه الملفات عملياً، وفي القدرة على الفصل بين الخاص والعام. إن نجحت، صارت الرمزية تاريخاً. وإن فشلت، صارت تاريخا لمجرد رمزية مهدورة.

المصدر: ريسبريس.م

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *