Home»Débats»الانتخاباتُ في المَغرب بين الشّخص والفكرَة…!! إدريس الواغيش

الانتخاباتُ في المَغرب بين الشّخص والفكرَة…!! إدريس الواغيش

0
Shares
PinterestGoogle+

ادريس الواغيش

تردّدت طويلا، قبل أن أكتب في موضوع الانتخابات الأخيرة في المغرب، وعن انحدار حزب يساري انتميتُ له عن قناعة وطيب خاطر، وها أنا أفعل اليوم، وقد وضعت حرب الانتخابات أثقالها، حتى لا أتّهم بتعكير مزاج الإخوة والأخوات في الحزب الذي جمعنا، وقد خرج منها « الاتحاد الاشتراكي » في المرتبة السادسة، هو الذي كان ينافس بشراسة على المراتب الأولى. والأمرُّ من ذلك، أنه خرج دون مقعد واحد في قلعته النضالية بالعاصمة العلمية فاس، الذي كان هو إلى عهد قريبًا مالكها. وهنا لا أدافع عن أشخاص مرّوا منه، ولكن عن فكرة آمنت بها، وأنا مُراهق في الثانوية، ثم طالبًا في الجامعة وموظفًا. ولا زلت إلى اليوم أؤمن بها، وقد تجاوزت الستين من عمري.

الانتخابات في المغرب بين الشّخص والفكرَة:

أكثر المُصوّتين اليوم يضعون مصلحة أو « همزة » ما بين عيونهم، وإلا صوّتوا لصالح شخص بذاته أو ابن المدينة والقبيلة، وآخر شيء يفكرون فيه هو المصلحة العامة، دون الحديث عن كفاءة الشخص ومؤهلاته أو المصالح الاستراتيجية الكبرى للوطن التي لا علم لهم بها. ولذلك، حين قال ابن خلدون مقولة الشهيرة، وبعضهم يقول إنها ليست له، وإنما نقلت عن آخر ونسبت له، وهي في كل الأحوال صائبة، تلخص الفرق بين الفرد الحُرّ فكريًّا، والعبدُ التابع الخانع للأهواء وأطماع الدنيا.

يقول ابن خلدون في مقولته الشهيرة: « الحرُّ يدافع عن الفكرة مهما يكُن قائلها، والعبدُ يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته ». الفرق في هذه الحكمة والمفارقة فيها، تكمن بين من يقدّس الأفكار، ومن يتّبعون أطماعهم وأهواء الأشخاص التابعين لهم. وهنا يكون الحرُّ مُنصفاً لأفكاره وذاته، بينما يبقى العبدُ مدافعًا عن الأشخاص التابع لهم، حتى لو أخطأوا في الرُّؤية والتقدير.

« الاتحاد الاشتراكي » فكرَة ، قبل أن يكون حِزبًا :

لم يعُد مهمًّا اليوم، في هذا الزّخم الانتخابي، الحديث عن تجديد ولاية أو تمديد عهدة شخص ما في مسار حزب عتيد مثل حزب « الاتحاد الاشتراكي ». ولكن، لو تسلحنا بقليل من الواقعية، سنقول إن الحزب قد تعرض لطعنات غدر، وأنهكت قواه منذ مدة ليست بالقصيرة. بدأ الإنهاك مع اليازغي، وانتهى بين يدي إدريس لشكر. حزب كان اسمه « الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية »، صار اسمه اليوم « الاتحاد الاشتراكي » حافيَة. وليس مهمًّا أن يربح إدريس لشكر، ومن والاه، هذا التحدي أو يخسره في الانتخابات ضمن عُهدته الرابعة، وليس مهمًّا الحديث كذلك عن مسار حزب عتيد في سياقه التاريخي، وعمومًا نهنئ مولاي إدريس على العُهدة الرابعة والرتبة السادسة، وذبول الوردة في مدينة فاس العالمة.

قصة هذا الحزب السياسي الكبير، لا يمكن اختصارها في مسار « وردة »، ولا في ذبولها المؤقت. معها بدأنا العهد والتزمنا به، شمَمنا رائحتها ونحن مراهقون، ثم شبابٌ وكهولٌ في مراحل لاحقة. وحزب « الاتحاد الاشتراكي » قبل أن يكون حزبًا سياسيًّا، هو فكرة أوّلا، والفكرة قد تنتحرُ في جمَاجم حامليها من البشر، ولكنها لا تموت أبدًا في العقول والفكر والتاريخ. قد تنام سنين عددًا، كما حصل مع أهل الكهف، ثم ما تلبث أن تنهض هذه « الوردة الاتحادية » يانعة من حرّ وجمر رمادها كالعنقاء، إن هي وجدت طبعًا بيئة مناسبة، مهما طال النوم بأهلها.

حزب « الوردة » في ميزان الانتخابات:

قصة حزب « الوردة » العتيد مُعقدة قليلا، ارتبطت أولا بالمغرب الحديث في بُعدها الإيديولوجي، السياسي، الفكري، الجهادي، القومي، الاجتماعي والتاريخي. والفكرة أرقى كثيرًا من أن ترتبط بشخص أو تجديد بيعَة وعُهدة، ولا تُقاس الفكرة بعدد المقاعد المُحصّل عليها في انتخابات تشريعية باهتة وجدّ باردة. وآن لنا الأوان، نحن قدماء الحزب، أن نتجرّأ قليلا، ونتحدث بقليل من الصراحة والوضوح والواقعية عن أسباب اندحار « حزب الاتحاد الاشتراكي » في المغرب إلى المرتبة السّادسة، وعلى الخصوص عدم حصوله على مقعد في قلعته بفاس، ونشرح الأسباب وما وصل إليه اليوم شأن الحزب في فاس والمغرب عمومًا. وقد كان مؤسفا حقا ألا يفوز حزب « القوات الشعبية » العتيد بمقعد برلماني في فاس، والمؤلم في ذات الوقت أنه لم يعد يخيف أحدًا من أحزاب الأغلبية في الحكومة، ولا مُطمئنًا لأحد من منافسيه التقليديين، سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة، وكأنه ويا للغرابة، أصبح نكرة أو صفرًا على اليمين.

لم يعد « حزب الاتحاد الاشتراكي » اليوم معارضًا راديكاليًّا، ولا ثوريًّا مزعجًا للحاكم، ولا مرجعًا في الديمقراطية والفكر الاشتراكي داخل المغرب وخارجه، ولا دليلا قويًّا في بُعده القومي والعُروبي والإسلامي، ولا يُعتد به في توجُّهه الديمقراطي الاجتماعي والاشتراكي العمّالي في مختلف دول قارات العالم. تجاوزته كل الديمقراطيات الحديثة، وأصبحت أبعد من أنفه، حدث ذلك منذ زمن ليس بالقريب، وهو بدوره أصبح بعيدًا عنها في تركيبة مجالسه المحلية والجهوية والوطنية، وفي القرارات التي تصدر عنها، بعد أن نخر جسمه جهلٌ مقدّس وتحنيط مؤسّس، رغم ما كان يدعيه أو يعتقد به أكثرية مناضليه ومناصريه الجدد والقدامى في ظاهرهم، وهم في حقيقة الأمر وبواطنها، لم يكونوا أكثر من مجرد انتهازيين، وصوليين وأنانيين حقيقيين، ويملكون أنياب الذئاب بالفطرة. ويجوز لنا أن نقول اليوم، إن الحزب في مرحلة تراجع عام على كل المستويات، إن لم أقل في مرحلة انهيار، مثلما وقع مع سور برلين، وما صاحب انهياره من تغيرات في المزاج الاشتراكي العام.

أيُّ اشتراكية نُريد…؟

كانت للحزب في وقت من الأوقات جرأة في تطويع اللعبة السياسية بالمغرب، وفي أن يطرح سؤالا جوهريًّا: أيُّ اشتراكية نريد؟ لأن زعماء الحزب ومنظريه كانوا يمتلكون رؤية حكيمة وبُعد نظر، ويَعون جيّدا ما يجري من حولهم في العالم، ثم سرعان ما يستوعبونه، ويعرفون طرقات الإجابات السريعة على تلك الأسئلة الصّعبة. كان المغرب يعيش في محيط إقليمي وعربي ودولي صعب ومُتغيّر، ويعرفون ما سينتج عن الكثير من تلك التحولات الجيوسياسية المعقدة. أما الواقع الدولي، فقد كان بدوره معقدًا ومتحرّكًا، ويتميز بتعقيد تركيبة الشبكات فيه، وتضارب المصالح وتحولاتها العميقة في العلاقات بين الدول.

عبد الرحمن اليوسفي أنعش الحزب:

انتعش الحزب مرحليًّا في فترة تاريخية معينة من تاريخ المغرب الحديث، مع قدوم الأستاذ اليوسفي من منفاه الاختياري الفرنسي، وعرف الحزب يومئذ انفتاحًا ديمقراطيًّا نسبيًّا مع قدومه، ولكن كل ذلك لم يكن كافيًا. وكان الحزب قبله قويًّا مع الحرس الحزبي القديم كذلك، ومع زخم النضال الديمقراطي الطلابي في الجامعات المغربية، والجماهيري في الشارع والحياة العامة في زمن عبد الرحيم بوعبيد. كنا ساعتها تلاميذ في الثانويات، وطلابا في الجامعات ننتشي بالانتماء إليه، وكنا نجد في الزعيم الاتحادي بوعبيد قائدًا حقيقيًّا، ورمزًا للمناضلين الأصفياء والشرفاء في المغرب والعالم كله. أذكر أنني كنت سعيدًا ذات مراهقة بلقائه، فرحًا برُؤيته، كان واقفا أمامي وسلمت عليه. لم أصدق أنني كنت في حديث معه بمدينة تازة ذات سنة، ولم يُصدق رفاقي المراهقين في النضال، لولا الشهود، أن كل ذلك حصل. كدت أطير من الفرح يومها بلقاء الزعيم، وهو في صحبة بعض رفاقه من أعضاء المكتب السياسي.

أما وقد كبرت اليوم قليلا، أصبح صوتي مبحوحًا، ولم يعد قادرًا على إقناع أحد، سواء في البيت أو في الشارع. بحّت حنجرتي في مسيرات أزقة الأحياء والشوارع، وفي أعياد الشغل والمسيرات الاحتجاجية والانتخابية، وأنا أخوض كل ما عرفته الساحة المغربية من انتخابات برلمانية، وأخرى جهوية ومحلية.

وفي الأخير، أدركت أن غيري استفاد من تلك الانتخابات، وكنت أعتقد جازمًا حينها، وأنا خاطئ حتى عنقي، وأنني أدافع واهمًا عن الطبقة الكادحة أولا، ثم عن نفسي ثانيًا. ولكن يتبيّن لي فيما بعدُ، أنني كنت أبعدُ عن تحقيق ذلك. كنت موظفا بسيطا، ومثقفا كادحًا يحلم في واضحة النهار بإتمام قصة قصيرة، وفي الليل بترسيم ملامح وجغرافيا قصيدة جديدة. وكنت أغفو أحيانًا، وسط الباعة المتجولين والناس أجمعين وهم يصيحون من حولي، وأنا منشغل بما أنا كنت فيه، لا ألتفت إليهم.

كما ستبيّن لي لاحقا أنني ظلمت نفسي، وظلمت الآخرين معي، لا أنا دافعت عن نفسي، ولا عن الطبقة الكادحة التي كنت، ولا زلت، أنتمي إليها. وفي ظل هذه المسارات المُعقدة، لست نادمًا على شيء حلمت وآمنت به، ولا متحسّرًا على قراراتي وقناعاتي. أعيش قنوعًا راضيًا بما وصلت إليه، وما اكتسبته من تجارب، وتعلمته من أخطائي السابقة. وها اليوم، وصلت إلى زمن لن يقنعني فيه أحد أن حزب « الاتحاد الاشتراكي » كان قلعة للديمقراطية في عهد محمد اليازغي أو يعيشها في آخر ما تبقى من زهو أيامه مع إدريس لشكر. قُصّت عن عمد أجنحته التي كان يطير بها: جمعيات، صحافة وإعلام وشبيبة، وزاد الأم سوءا مع انقسام نقابته. أصبح « حزب الاتحاد الاشتراكي » مثل الرجل المريض، ضعف رصيده النضالي والجماهيري، وتخلى عنه خيرة شبابه في جمعيات مثل: « الشعلة » و »الطفولة الشعبية ».

« الاتحاد الاشتراكي » بين التّنظير والتأطير:

غياب « الاتحاد الاشتراكي » عن فاس، ليس وليد اليوم، ولم يأت صدفة في الانتخابات، ولكنه حصل على فترات متتابعة، وازداد استفحالا بعد غياب مهندسي التخطيط والتنظير والتفكير. كان شيئا طبيعيًّا أن يضعف مخزون الحزب الفكري والجماهيري، ويضمحل تدريجيًّا إشعاعه، سواء بفاس أو المغرب كله. مات محمد جسّوس، وانسحب محمد عابد الجابري دون أن يعلم بانسحابه أحد، ولم أعرف عن انسحابه إلا من حوار له، كان جميلا وطويلا مع مذيعة حسناء في قناة مشرقية.  هذه الرموز الفكرية الاتحادية العظيمة، هي التي كانت تعطي شحنات فكرية وتنظيمية لحزب الوردة، وهي التي كانت تشكل رؤيته في الحاضر، ومقوماته التنظيرية للمستقبل، وهذا ما جعل من حزب « الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية » أقوى وأعتد حزب عرفه المغرب الحديث، بعيدا عن مرجعياته الفكرية والإيديولوجية، قبل أن يدُبّ الصراع بين رموزه الفكرية. تذبذبت مواقف العروي بين تأييد للحزب ونكران لتوجهاته الإيديولوجية، ثم بدأ هذا الصراع الخفيّ الذي كان بين العروي المؤرخ والجابري المفكر يخرج تدريجيا إلى العلن. وازداد الصراع حدة بعد نفي الجابري أن يكون العروي مفكرًا أو شبيهًا له. قال الجابري في كثير من الحوارات أن دور العروي يقتصر على التأريخ، لأنه مؤرخ وليس مفكر، وأنه لا ينتمي إلى عالم الفكر، وهو ما كان يقوله ابن رشد عن انتماء الغزالي إلى عالم الفلاسفة، وذهب الخلاف بينهما أبعد من ذلك، ووصل إلى أن كفر بعضهما البعض. ومع سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، احتار الرفاق في اختيار الاشتراكية التي يريد أن تبناها الحزب. وهنا بدأ البحث عن التوازن الصعب والإيقاع المفقود. ساد نقاش طويل حول سؤال واحد بين القواعد مركزيا وجهويا ومحليا: أي اشتراكية نريد؟ واهتدى الجميع في الأخير إلى تبني « الاشتراكية الاجتماعية »، لأنها الأصلح في بلد تبنى الليبرالية منذ البداية، ومجتمع محافظ متمسك بالدين الإسلامي وتعاليمه وقيمه.

حزب « الاتحاد الاشتراكي » والمُعتزلة:

هذا الانسداد في أفق الرؤية للمستقبل في الاتحاد الاشتراكي، يذكرني بما وصلت إليه فرقة المعتزلة في آخر فصول حياتها قبل الغياب، وهي خاتمة عرفتها كثير من المذاهب والأحزاب التي تفتقد إلى تفكير وتنظير للحاضر والمستقبل. وهو ما ستصل إليه أيضًا، عاجلا أو آجلا، كثير من الدكاكين السياسية في المغرب. لا نكر أحد أن الفلسفة اليونانية ساهمت بشكل كبير في نمو فكر المعتزلة وتطويره، وهو الفكر الفلسفي الذي استخدمته فرقة المعتزلة في طروحاتها لتكوين عقيدتها الفلسفية انطلاقا من الفلسفة اليونانية، وليس من فكر ناتج عن مخاض فكري انطلاقا من بيئة عربية أو إسلامية، كما هو الحال مع فلسفة ابن رشد الأندلسي الإسلامية، الذي وجد مَخرجًا للالتقاء الفكر الإسلامي مع الفلسفي في كتابه: » فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال »، أثبت فيه أن الشريعة والفلسفة، هي علاقة اتصال وتكامل، وليست علاقة صدام وتعارض، كما كان يدعي بعض الكلاميين والفلاسفة، وأنهما في خدمة أهداف واحدة، بينما كانت أغلب أفكار المعتزلة مستوردة. تدرج المعتزلة في الأخذ بمنهاج فلاسفة اليونان، وتأثروا بالفكر اليوناني كثيراً، نظراً لاعتمادهم العقل، وكانوا أكثر الفرق اتصالاً بالفلسفة اليونانية، وأكثرهم استفادة منها. وحينما استنفذوا أفكار الفكر اليوناني، لم يجدوا بديلا عنها، ولذلك توقفت مسيرتهم، عكس ما حدث مع ابن رشد الأندلسي. هل يتكرر مصير المعتزلة مع الاتحاديين في حزب « الاتحاد الاشتراكي »؟ أم أن الاتحاديين سيجدون مخرجًا آمنا لما وصل إليه الحزب؟ سؤال يحتاج إلى من يجيب عنه…!!

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *