صوتك أمانة وطنية ومسؤولية أخلاقية!

اسماعيل الحلوتي
وفق ما سبق الإعلان عنه من قبل، انطلقت في الساعة الأولى من يوم الخميس 10 شتنبر 2026 الحملة الانتخابية برسم انتخاب أعضاء مجلس النواب، المقرر إجراؤه يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، والتي ستمتد إلى غاية يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026 في الساعة الثانية عشرة ليلا. إذ سيحرص خلالها المترشحون والأحزاب السياسية على التواصل مع المواطنات والمواطنين للتعريف ببرامجهم الانتخابية، مع احترام القواعد والضوابط التي تنظم وسائل الحملة وأماكنها وكيفيات ممارستها، بما يضمن التنافس الانتخابي الشريف، تكافؤ الفرص بين المتبارين على المقاعد وحماية إرادة الناخبين من الممارسات التي تحول دون حرية اختيارهم.
فالاستحقاقات الانتخابية ذات أهمية بالغة، باعتبارها الأساس الحقيقي لإرساء أسس الديمقراطية، والوسيلة الرئيسية لتمكين المواطنين من صنع القرار والاتجاه نحو الغد المشرق. لذلك ظل العاهل المغربي محمد السادس منذ توليه مقاليد الحكم حريصا على التمسك ببعض الثوابت الأساسية، منها نزاهة الاقتراع، وضوح البرامج الانتخابية، جودة المترشحين، مصداقية المؤسسات ومسؤولية الناخبين. حيث أن الانتخابات الحرة والنزيهة تنتج حكومة قوية وبرلمانا متوازنا ومجالس جماعية حقيقية، لكن صناديق الاقتراع لا تنتج ثقة المواطنين، بل تبنيها المؤسسات المنتخبة خلال الولاية التشريعية…
وتكمن أهمية الانتخابات أيضا في أنها تمنح الفرد حقه القانوني والدستوري، وتمنحه فرصة التعبير عن رأيه واختيار من يراه جديرا بثقته وأهلا لتمثيله والدفاع عن قضاياه الكبرى. كما تنمي الوعي السياسي والاجتماعي لديه وتعمق شعوره بالانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية، بالإضافة إلى أنها تحسه بقيمة صوته الانتخابي في إحداث التغيير المأمول والتأثير على السياسات العامة، تضمن الانتقال السلس للسلطة. وتسمح للمجتمع بمراقبة سير المؤسسات ومدى قدرة المسؤولين على التدبير الجيد للشأن العام ودعم التنمية المستدامة، تقييم أدائهم ومحاسبتهم عند تسجيل أي تقصير في العمل وإخلال بالوعود والالتزامات…
لذلك بات من الضرورة بمكان أن يسارع المواطن إلى المشاركة الإيجابية في التصويت، إن كان يرغب فعلا في أن تحرص بلاده على ترسيخ مبادئ الديمقراطية ونزاهة العملية الانتخابية، من أجل ضمان تعزيز الديمقراطية النابعة من اختياره الحر لممثليه. حيث إن الانخراط الفعال للمسجلين في اللوائح الانتخابية في عملية التصويت دون أي تردد وفق ما تمليه مصلحة الوطن، حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة تفرض أن يتم أداؤها بوعي ومسؤولية، وأن هذه الاستحقاقات الانتخابية هي السبيل الأمثل لإسناد ممارسة السلطة من قبل الشعب إلى ممثليه.
فما يدفعنا اليوم أكثر إلى العودة للحديث عن الصوت الانتخابي، هو أنه مازال بيننا مواطنون كثر لا يقيمون له وزنا ولا يدركون خطورة الاستهتار به، والحال أنه أمانة وطنية ومسؤولية أخلاقية، تساهم بفعالية في بناء مستقبل البلاد والعباد من حيث تحديد طبيعة المسؤولين وشكل المؤسسات المنتخبة، وإلا ما كان للملك محمد السادس أن يدعو الناخبين في عدة مناسبات إلى تحكيم ضمائرهم واستحضار مصلحة الوطن والأمة والمواطنين خلال الاختلاء في المعزل لاختيار الأنسب والأصلح من المترشحين الذي تتوفر فيهم مختلف الشروط اللازمة، محذرا من الوعود الكاذبة والمزايدات السياسوية والانتخابوية غير المجدية، ومشددا على عدم بيع أصواتهم التمييز بين الصادقين الذين يتحلون بالأخلاق الفاضلة من ذوي الكفاءة والخبرة، وبين الانتهازيين ممن يرجحون كفة مصالح الحزب الضيقة ومصالحهم الذاتية الذين لا يتورعون عن التلاعب بالعواطف أو اللجوء إلى وسائل وممارسات مخالفة للقانون.
ولن نجد هنا أفضل مما جاء في الخطاب السامي لجلالته يوم 20 غشت 2015 بمناسبة الذكرى 62 لثورة الملك والشعب، حيث قال: إن الهدف الأسمى من الانتخابات « لا ينبغي أن يكون هو الحصول على المناصب، وإنما يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط » وأن « التصويت حق وواجب وطني » بالنسبة للمواطنين. وأضاف قائلا إن « التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، ويرفع صوته أكثر من الآخرين بشعارات فارغة أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين » مؤكدا في ذات الوقت أن « هذه الممارسات وغيرها ليست فقط أفعالا يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضا تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين » وأن « التصويت يجب أن يكون لصالح المرشح الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية، والحرص على خدمة الصالح العام »
إننا وبعد التجارب السابقة الفاشلة، سواء بالنسبة لحكومتي « حزب العدالة والتنمية » بقيادة عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني، والتحالف الحكومي الثلاثي برئاسة عزيز أخنوش، التي أخلت بوعودها، وساهمت جميعها في تعميق جراح المواطنين، عبر ضرب القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي، اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية وتفشي مختلف مظاهر الفساد والريع، لم نعد قادرين على المزيد من عض أصابع الندم حد الإدماء والاستمرار في التشكي، مادام اقتراع يوم 23 شتنبر 2026 يشكل فرصة ذهبية لتصحيح الأوضاع، من خلال معاقبة المتخاذلين والانتهازيين والمفسدين، واختيار الأفضل، النزيه والكفء من المرشحين.
ذلك أن التغيير الحقيقي يبدأ بالخروج من دائرة العزوف إلى المشاركة الفاعلة، خاصة في أوساط الشباب من نساء ورجال الغد، فعدم مشاركة هذه الفئة الواسعة من المجتمع ومعها باقي الفئات الأخرى، من شأنه فسح المجال أمام الفاسدين للتمادي في نهج تلك الأساليب القذرة التي ما انفكت تجر بلادنا إلى الخلف. فلنصوت لمن يستحقون تمثيل الأمة وأبنائها بصدق وأمانة.
اسماعيل الحلوتي




Aucun commentaire