ومن أراد أن يفهم سبتة حقاً، فعليه ألا ينظر فقط إلى البحر الذي عبره الشباب. عليه أن ينظر أيضاً إلى الخريطةالجغرافية

ذة.سليمة فراجي

لست محللة سياسية ولكن بدا لي ان اطرح سؤالا أكبر من الهجرة ومن الصور المتداولة !
انظروا مثلا إلى مضيق هرمز
هناك جانب آخر من قضية سبتة التي أسالت كثيرا من الحبر لا يجوز أن يضيع وسط ضجيج الصور وطوفان النقد الموجه إلى المغرب دولة وحكومة
يقال لنا إن المغرب بلد فقير، وانتهز اعداء الوطن تداول الصور للانتقاص من قدراته وإن ما حدث في سبتة دليل على فشله وعلى رغبة شبابه في الهروب منه.
لكن لنطرح السؤال الآتي :
كيف يمكن أن نتحدث عن إهانة المغرب بسبب هجرة شبابه، بينما نتجاهل أن جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للمغرب ما زال خارج سيادته؟
سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين في خريطة الهجرة. إنهما تقعان عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في العالم: بوابة المتوسط، وقرب مضيق جبل طارق، حيث تتقاطع طرق التجارة والملاحة والطاقة والأمن.
ولمن يريد أن يفهم معنى الموقع الاستراتيجي للمضائق، يكفي أن ينظر إلى مضيق هرمز. فالممرات البحرية الضيقة ليست مجرد مياه تعبرها السفن؛ إنها أوراق قوة اقتصادية وجيوسياسية. وفي عام 2024 مر عبر هرمز ما يقارب 20 مليون برميل من النفط والسوائل النفطية يومياً، أي نحو 20% من الاستهلاك العالمي لهذه المنتجات.
فكيف يمكن إذن اختزال قضية سبتة في «مهاجرين مغاربة يريدون الهروب من الفقر»؟
المغرب الذي استثمر في موانئ كبرى مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، والذي جعل من موقعه البحري رافعة اقتصادية وجيوسياسية، يعرف جيداً قيمة هذه الجغرافيا.
وفي المقابل، فإن وجود سبتة ومليلية تحت الإدارة الإسبانية يجعل السؤال عن السيادة والموقع الاستراتيجي مشروعاً، خصوصاً عندما تتحول المنطقة نفسها إلى فضاء تتقاطع فيه قضايا الهجرة والأمن والتجارة والمراقبة البحرية.
ومن هنا، فإن الحديث عن «الإهانة» يحتاج إلى بعض الشجاعة الفكرية.
إذا كانت صور شباب يائسين وهم يحاولون عبور البحر تُقدَّم باعتبارها أكبر إهانة للمغرب، فليتذكر البعض أن أعمق الإهانات التاريخية ليست في صورة شاب يبحث عن مستقبل أفضل، وإنما في استمرار وضع استعماري أو إقليمي محل نزاع حول نقطتين لهما قيمة استراتيجية واقتصادية وأمنية بالغة.
لا يعني هذا أن هجرة الشباب أمر عادي، ولا أن اليأس الاجتماعي يجب تبريره.
على العكس.
فهجرة الشباب مأساة، تدمي القلب وعلينا أن نسأل لماذا فقد بعضهم الثقة في المستقبل.
لكن علينا في الوقت نفسه أن نرفض اختزال المغرب في تلك الصور.
فهذا المغرب الذي يرى البعض فيه فقط شباباً يركضون نحو سبتة هو نفسه المغرب الذي يبني الموانئ، ويطور البنية التحتية، ويوسع حضوره الاقتصادي في إفريقيا، ويعيد تشكيل موقعه في التجارة الدولية.
المشكلة ليست أن المغرب لا يتقدم. المشكلة أن جزءاً من شبابه لا يشعر دائماً بأنه يسير معه بالسرعة نفسها.
وهنا يصبح النقاش أكثر جدية:
لا نريد إنكار الفقر أو البطالة أو الظلم الاجتماعي.
لكن لا نريد أيضاً أن تتحول هذه المشاكل إلى حجة لإخفاء سؤال أكبر:
كيف يستمر الحديث عن شراكة استراتيجية بين المغرب وإسبانيا وأوروبا، بينما تظل سبتة ومليلية، بكل ما تمثلانه من قيمة جغرافية واقتصادية وأمنية، خارج السيادة المغربية؟
ثم هناك مفارقة أخرى تستحق التأمل.
إذا كان من الطبيعي أن تدافع إسبانيا عن حدودها في سبتة ومليلية، وأن تعتبرهما فضاءً إسبانياً وأوروبياً يجب حمايته، فلماذا يصبح المغرب وحده مطالباً بأن يفسر لماذا يحاول بعض مواطنيه الوصول إلى ذلك الفضاء؟
إن هؤلاء الشباب، سواء اتفقنا مع فعلهم أو اختلفنا معه، يعرفون شيئاً بسيطاً: أن سبتة ومليلية تقعان جغرافياً على أرض إفريقية، وأنهما مرتبطتان تاريخياً بالمجال المغربي، وأن الحدود التي يواجهونها اليوم ليست حدوداً طبيعية.
وهذا لا يمنح أحداً الحق في تعريض حياته للخطر، لكنه يفسر جزءاً من الحمولة النفسية والسياسية التي تحملها الهجرة نحو سبتة.
لذلك، لا ينبغي أن نختار بين حقيقتين.
نعم، هناك جرح اجتماعي مغربي يجب علاجه.
ونعم، هناك قضية سيادة وتاريخ وجغرافيا يجب ألا تختفي خلف صور الهجرة.
أما أن نطلب من المغرب أن ينظر فقط إلى شبابه الهارب، ونمنعه في الوقت نفسه من النظر إلى الأرض التي يهربون إليها، فذلك ليس تحليلاً كاملاً.
ومن أراد أن يفهم سبتة حقاً، فعليه ألا ينظر فقط إلى البحر الذي عبره الشباب.
عليه أن ينظر أيضاً إلى الخريطةالجغرافية




Aucun commentaire