في الماضي كانت السينما تُضيء المدينة

سليمة فراجي
مرور السنوات يعيد إلى الذاكرة صفحاتٍ منسية من تاريخ القاعات السينمائية بمدينة وجدة، تلك الفضاءات التي كانت بالأمس تنبض بالحياة، قبل أن تُهدم جدرانها وتُهدم معها ذاكرة ثقافية صنعت وجدان أجيال متعاقبة. فما بقي اليوم ليس سوى أسماء وصور وحكايات يرويها من عاشوا زمن الشاشة الكبيرة، حين كانت السينما موعدًا أسبوعيًا مع الفن والثقافة والحلم.
وجدة من أوائل المدن المغربية التي عرفت الفن السابع ، حيث بدأ سكانها، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، يكتشفون عالم الصورة المتحركة عبر قاعات سينمائية أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من المشهد الحضاري والثقافي للمدينة. وقد ساهمت هذه القاعات في نشر الثقافة السينمائية، واستقطبت جمهورًا واسعًا من مختلف الفئات، قبل أن تختفي الواحدة تلو الأخرى، تاركةً فراغًا مؤلمًا في الذاكرة الجماعية.
وكانت أول قاعة سينما تُشيد بمدينة وجدة في ثلاثينيات القرن الماضي بجوار المقبرة المسيحية، لكنها لم تعمّر طويلًا. وبعدها توالى افتتاح عدد من القاعات التي شكّلت لعقود معالم بارزة في المدينة.
أبرز القاعات السينمائية بوجدة
سينما المغرب (Rex سابقًا)
شُيدت سنة 1932، وكانت تتسع لحوالي 650 متفرجًا، قبل أن تغلق أبوابها سنة 1984.
سينما الكوليزي (Colisée)
افتُتحت سنة 1934، وكانت أصغر قاعات المدينة، إذ لم تتجاوز طاقتها الاستيعابية 300 مقعد.
سينما لو باري (Le Paris)
شُيدت سنة 1936 تحت اسم “ريالتو” (Rialto)، قبل أن تتعرض لحريق أدى إلى إعادة بنائها، لتُعرف بعد ذلك باسم “لو باري”. وكانت أكبر قاعات وجدة بطاقة استيعابية بلغت نحو 900 مقعد، وتحولت إلى معلمة ثقافية ورمز للذاكرة الفنية بالمدينة. واحتضنت العديد من التظاهرات الوطنية والدولية، من بينها الدورة السابعة للمهرجان الوطني للسينما سنة 2003، والدورة الأولى للمهرجان المغاربي للفيلم سنة 2005.
سينما فوكس (Vox)
افتُتحت سنة 1940، وكانت تتسع لحوالي 650 متفرجًا، وظلت من أكثر القاعات استقطابًا لعشاق الفن السابع، قبل أن تُصنف سنة 2018 ضمن التراث الوطني.
سينما المعراج (Le Mirage)
افتُتحت سنة 1951 بطاقة استيعابية بلغت 600 مقعد، واستمرت في نشاطها إلى غاية سنة 1995.
سينما النصر (Ennasr)
أُنشئت سنة 1960، وكانت تتسع لنحو 800 متفرج، قبل أن تُهدم في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
سينما الفتح (El Fath)
شُيدت سنة 1969 بطاقة استيعابية بلغت 650 مقعدًا، لكنها لم تستمر سوى سنة واحدة.
سينما الملكي (Royale)
افتُتحت سنة 1975 بشارع علال بن عبد الله، وكانت من أكبر قاعات المدينة بطاقة استيعابية قاربت 900 مقعد.
سينما الريف (Rif)
كانت آخر قاعة سينمائية تُبنى بمدينة وجدة سنة 1985، غير أنها لم تصمد سوى عام واحد، إذ أغلقت نهائيًا سنة 1986.
و من مدينة السينما اضحت مدينة بلا قاعة سينمائية
والمفارقة المؤلمة أن مدينة وجدة، التي تنظم اليوم مهرجانات سينمائية وعدة تظاهرات مخصصة للفن السابع، لا تتوفر على قاعة سينمائية واحدة مفتوحة في وجه الجمهور. فقد هُدمت معظم القاعات التاريخية لتحل محلها بنايات إسمنتية، بينما تنتظر قاعات أخرى قرارات قد تضع حدًا لوجودها نهائيًا.
ولعل ما وقع لسينما “لو باري” يجسد هذا الواقع المؤلم؛ فلم يكن الأمر مجرد هدم لبناية قديمة، بل كان فقدانًا لرمز ثقافي، وطمسًا لذاكرة جماعية احتضنت عروضًا فنية، ولقاءات ثقافية، ومهرجانات سينمائية صنعت جزءًا من تاريخ المدينة.
واذا كانت الذاكرة مسؤولية جماعية فإن المدن لا تُقاس فقط بما تُشيّده من بنايات حديثة، بل أيضًا بما تحفظه من معالمها الثقافية وذاكرتها الجماعية. فالقاعات السينمائية لم تكن مجرد أماكن لعرض الأفلام، بل كانت فضاءات للتربية على الفن، والانفتاح على الثقافات، وصناعة الذوق الجمالي، وملتقى للأجيال.
صحيح أن الجدران التي احتضنت بدايات السينما في وجدة قد لا تعود، لكن الذاكرة يمكن أن تُصان بالصورة، وبالتوثيق، وبالإرادة الجماعية. ولعل مهرجان الفيلم المغاربي، في دوراته المقبلة، يشكل فرصة لإطلاق مبادرة حقيقية لإحداث قاعة سينمائية عصرية تحفظ ذاكرة الماضي، وتستجيب لمتطلبات الحاضر، حتى تستعيد وجدة مكانتها كمدينة للصورة، وللفن، وللثقافة.
فالمدينة التي أنجبت هذا التاريخ السينمائي العريق، لا يليق بها أن تظل بدون شاشة كبيرة تجمع أبناءها، وتعيد إلى أحيائها ذلك الضوء الذي كان يومًا يملأ قاعاتها، ويصنع أجمل الذكريات
مقتطف من كتابي حول مدينة وجدة



Aucun commentaire