مُونديَال 2026 بعَين العَقل…!!

قلم: إدريس الواغيش
اليوم، وقد هدأت الضّوضاء قليلا، ووضعت الحرب الكروية أوزارها وأثقالها، بالنسبة للمغرب على الأقل، ها أنا الآن مُجردٌ من الحَسرة والعاطفة، أطلب السّماح من اللاعبين جميعًا، ومن المدرب والطاقم التقني والإداري. أعترف أنني في لحظة انفعال عابر شتمت بعضكم، لا كرها فيكم، ولكن حُبًّا في ألوان الرّاية المغربية، وفيكم أحبّتي واحدًا واحدًا، وما كان عليّ أن أفعل. ما كان عليّ أن أقسو على أفضل فريق عربي وإفريقي، وصل إلى مراتب لم يصل أحد من فرق هؤلاء جميعًا، سواء في ترتيب الفيفا أو المنافسة العالمية. اعذروني أحبابي، أعزّائي اللاعبين، لا مجال اليوم للحَسرة والندم. أنتم من فعل بنا هذا، فقد دفشتمونا دفشًا إلى رفع سقف طموحاتنا، لم يعد الوُصول إلى ربع النهائي يغنينا عن الفوز بالكأس أو حتى يُقنعنا…!
والآن، تعالوا معا ننسى النتيجة، ونركز أكثر على الحدث، نحصي مع مواطنينا ومواطناتنا أرباح وخسائر مونديال 2026. أليست كرة القدم مثل الحبّ لعبة، كما يقولون عنها؟ فيها ربح وخسارة؟ وفيها رابح وخاسر؟ لنرى ماذا ربح منها المغرب؟ وماذا خسر فيها المغاربة؟ أولا ربحنا أنفسنا، وحققنا ذواتنا كمغاربة، وربحنا حُبّنا لبعضنا البعض. تأكدنا « مع من حشرنا الله في الجوار »، كما تأكدنا من مواطنتنا الصّادقة، وعرفنا قيمتنا وقيمة لاعبينا النجوم بين العالمين. أما بالنسبة للجمهور المغربي، سواء المقيم هناك في في الدّيار الأمريكية أو المُرتحل من المغرب، ومن أماكن أخرى في العالم إلى بلاد العمّ سام على نفقته الخاصة، لا سياحة أو استجمامًا، وإنما تشجيعًا لمنتخب بلاده، وحُبًّا في ألوان راية الوطن ونجمته الخماسية. الجميل جدًّا في هذا العرس الكروي العالمي، أن الجمهور المغربي شكل حدثا استثنائيًّا، حيثما حل وارتحل. لم يكن وجوده لحظة عابرة، بقدر ما ترك آثار طيبة ودائمة بين شعوب المعمور، وروّج بشكل حضاري وراقي جدّا، ومثالي لثقافة البلد والحضارة المغربية الضاربة في التاريخ عمومًا، وعرَّف برُوح الإنسان المغربي وعفويته وطيبته. أظهر طبيعة الإنسان المغربي، هو الذي كان عبر التاريخ متسامحًا ومتعايشًا مع كل العرقيات والديانات، مُحترمًا لثقافات كل الشعوب.
أعطى الجمهور المغربي بسلوكه الحضاري انطباعًا رائعًا وراقيًا عن بلده، وقدّم أطبقًا من ثقافته وتاريخه بشكل سخيّ: تسامح، روح ودعابة، تنوّع في الفلكلور والفن الشعبي، ترويج سياحي، التعريف بالأكلات والحلويات والشاي المغربي الأصيل في فضاءات « التايمز سكوير » بمانهاتن في نيويورك، كما في مدن أخرى أمريكية عالمية، كان جميلا أن نراه بلباسه التقليدي في الساحات والملاعب والشوارع، وكان أجمل أن يُعرّف بتاريخ المغرب وحضارته الضاربة في عمق التاريخ…إلخ. وقد حدث هذا الفعل مع المغاربة المتواجدين في بلاد العم سام، كما في نظرائهم بلد المكسيك .وهناك في المقابل، بعض الجماهير لم تترك أثرًا يذكر وراءها، لا في غدوها ولا رواحها، وكأنها لم تحضر أصلا فعاليات مونديال الولايات المتحدة الأمريكية 2026، وربما تركت عكس ما كانت تتمناه من هذا العرس الكروي العالمي.
والآن دعنا نفكر بهدوء، ونتساءل مُجرّدين من العاطفة أو أيّ حساسية: ألم يشجّع عمدة نيويورك زهران ممداني المنتخب الوطني المغربي، وتفاعل شخصيا مع أسود الأطلس رفقة زوجته؟ ألم تستقبل رئيسة المكسيك بعثة المنتخب المغربي بنفسها؟ ألم تسلم بيدها شخصيا باقة ورد لعميد المنتخب أشرف حكيمي، وهو نازل من سلم الطائرة في المطار؟ ألم تشجعنا الجماهير المكسيكية في مونتيري، بما تمتلكه من فلكلور شعبي ضد منتخب هولاندا، وكانت أكبر سند لنا بعد الجماهير المغربية؟ ألم نربح درجتين في سلم ترتيب الفيفا؟ دخلنا مونديال 2026 في الرتبة السابعة، وخرجنا منه ونحن في الرتبة الخامسة؟ ألم يصبح القميص الوطني المغربي ماركة عالمية مسجلة، يباع بكميات كبيرة في كبريات مولات ومتاجر الولايات المتحدة الأمريكية والأرجنتين وكندا والمكسيك، كما باقي كبريات الحواضر في دول أمريكا الجنوبية والعالم؟ ألم تظهر أليسيا إنفانتينو بقميص المنتخب المغربي، ولم تحمل قميص منتخب غيره؟ ألم نر كيف أصبح الأطفال الصغار يلعبون كرة القدم في أحياء وحارات البرازيل والمكسيك، وهم يلبسون أقمصة المنتخب الوطني المغربي، وقميص العميد حكيمي تحديدًا؟ ألم تشكل الكرة المغربية بنجومها العالميين دبلوماسية موازية، وتعرّف العالم أجمع من خلالهم على خريطة المغرب كاملة مكمولة بصحرائها غربية وشرقية، وجالت الخرائط كل أرجاء دول العالم وقنواته التلفزية وإعلامه؟ وهو ما يلزم الدبلوماسية فعله في سنوات وعشرات المؤتمرات ومئات الندوات.
عود على بدء، قد نكون خسرنا مقابلة الربع نهائي ضد منتخب فرنسا القويّ، وتركت تلك الخسارة بالشكل الذي رأيناه، غضبًا في النفس وغصّة في القلب. طيّب يا سيدي، هل كنا نتجاوز النصف نهائي، (أقول لو) أننا فزنا مثلا على فرنسا؟ وكان ذلك مُمكنًا، ولكن هذا قانون اللعبة دائمان فيها رابح وخاسر، ولا يهم كيف ربحت أو كيف خسرت. هل كنا نصل إلى النهاية، ونفوز بالكأس ضد إسبانيا أو الأرجنتين مثلا، ونطوف به شوارع الرباط؟ هل كانت تسمح الشركة المتحكمة سرًّا واللوبي الخفيّ الذي يدير كرة القدم في العالم والفيفا سرًّا وعلانية لدولة عربية، إفريقية أو إسلامية مثل المغرب بذلك؟ الجواب سيكون من دون تردد: لا وألف لا بدون لف أو دوَران…!!
طيب يا سيدي القارئ المفترض، وأنت عابرٌ من هنا في صمت، قد تقول لي كم أنفقت الجامعة على أسابيع اللعبة والفريق مقيم في الماما أمريكا؟ سأقول لك: « لا أعرف لا أنا ولا أنت »، ولكن هل تعرف كم جناه المغرب من أموال بوُصوله إلى الرُّبع، ولو أنه لم يفز فيه؟ أكيد لا تعرف، ولا أنا معك، ولو أنهم يقولون ما يعادل الأربعين مليون دولار. مبلغ من دون شك جدّ مُحترم. ولكن الأهم من المال، هو أننا ربحنا احترام العالم للمنتخب المغربي وبلده المغرب، وهذا هو الأكثر أهمية. هل رأى منكم أحدٌ حكمًا في مباراة في كأس العالم، عبر التاريخ، يواسي حارس أي منتخب أوروبي أو أمريكو لاتيني وهو خاسر؟ كما فعل الحكم الأرجنتيني ومساعدوه مع ياسين بونو سبع الأطلس في مشهد نادر ومؤثر؟

اليوم وغدًا، يحق لك أن تفخر بمنتخبك الوطني، وأبناء بلدك أيها المغربي الحر، أيتها المغربية الحرة، سواء كنت مقيمًا في بلدك أو مهاجرًا في غربتك، أمريكية كانت أو أسيوية وأوروبية. الأمور لا تقاس بالوقوف على تفاصيل صغيرة أو زلة عابرة، كخُسران مباراة ضد فرنسا في حدث عابر. ولذلك لا يجب أن نجلد ذواتنا أكثر من اللازم ونحن ضمن الثماني الأوائل عالميا. كل ما جنيناه ربح من عند الله أولا، وبفضل أسود الأطلس ثانيا. والأهم من كل ذلك، لا زال ينتظرنا ملف آخر أهم هو الصحراء الشرقية، وقريبا ستكون في طريقها إلينا قريبا أيها المغربي والمغربية، وهذا هو الأهم. قريبا سنطوي صفحة الوحدة الترابية بشكل قاطع، ونتفرّغ للتعمير والبناء من جديد. شكرا لكل أسد مغربي ترك دمه على العشب، وقليلا من هواء رئتيه في فضاءات ملاعب أمريكا والمكسيك. ألف مبروك علينا جميعًا أيها المغاربة، وإلى اللقاء في مونديال 2030 إن شاء الله تعالى بالمغرب. هو وطننا الحبيب المغرب، سنظل دائما نحبّه، ولنا فيه ما نعمل، ديما مغرب…!!



Aucun commentaire