Home»Débats»ذكريات من الزمن الجميل : الحدادون والسمارون بتاوريرت… صناع المهارة ورواد الحرف التقليدية

ذكريات من الزمن الجميل : الحدادون والسمارون بتاوريرت… صناع المهارة ورواد الحرف التقليدية

0
Shares
PinterestGoogle+

محمد حتحوت


مواصلة للنبش في ذاكرة الزمن الجميل لتاوريرت اقدم للاخوات والاخوة بمدينتنا مهنتان من المهن التي طبعت الحياة اليومية بمدينة تاوريرت خلال الستينات والسبعينات والثمانينات، مهنتا الحداد والسمار، وهي من الحرف التقليدية العريقة التي لعب أصحابها دوراً أساسياً في خدمة الساكنة، خاصة في مجتمع كان يعتمد بشكل كبير على الفلاحة وتربية الماشية ووسائل النقل التقليدية

.
كان الحدادون والسمارون ينتشرون بمدينة تاوريرت، خاصة بحي الهندية أو حي النهضة، وبالضبط بحي السوق، وذلك بحكم قربه من السوق الأسبوعي الجماعي المعروف بـ »المحروق » بشارع القنيطرة. وكان هذا الموقع يشكل فضاءً اقتصادياً واجتماعياً نابضاً بالحياة، حيث كان إسطبل شوراق يستقبل دواب زوار السوق وأغنامهم التي يجلبونها للبيع، مما جعل المنطقة مركزاً رئيسياً لممارسة مهنة الحدادة والسمارة.
وفي هذا الفضاء الشعبي، كان الحدادون يقومون بسمارة الخيول والبغال، وهي عملية دقيقة تتطلب خبرة ومهارة كبيرتين. وكانت أصوات المطارق وهي تضرب الحديد المحمى داخل الأفران التقليدية تملأ المكان، في مشهد يومي يثير الإعجاب ويعكس مهارة وحرفية عالية توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.ومن أشهر الحدادين والسمارين الذين ذاع صيتهم آنذاك: الحداد بلخير بخوش، والكوخو وابنه، وبرتيت وأبناؤه، وعلي حداد، ورغيوة المختار وأخوه دركال، والحاج حداد رحمه الله. كما كان الأخوان عيادي يزاولان هذه الحرفة بعيداً بعض الشيء عن هذه المنطقة، إضافة إلى حدادين آخرين بحي الجديد وبالزنقة المقابلة لمكتب الكهرباء وبنفس الاسماء حداد وعيادي كونهم كلهم اقرباء من قبيلة وفخضة واحدة، وهي عائلات توارثت هذه المهنة أباً عن جد، وحافظت على استمراريتها لعقود طويلة.وكان الفلاحون يقصدون هؤلاء الحدادين من مختلف المناطق المجاورة لاقتناء أو إصلاح الأدوات الفلاحية، وعلى رأسها السكة المستعملة في المحراث، والمناجل الخاصة بحصاد الزرع، والمعاول، والفؤوس، والخناجر،

إضافة إلى صناعة وإصلاح « الفردي » او *المكحلة* المستعمل في التبوريدة والفروسية التقليدية الفونطازيا. كما كانوا يتوافدون عليهم لشحذ السكاكين، سواء الجزارون أو عموم المواطنين، خاصة مع اقتراب مناسبة عيد الأضحى المبارك.وكانت ورشات الحدادين والسمارين تشكل فضاءات يومية، حيث يقضي الحداد سنوات طويلة لاكتساب أسرار المهنة، بدءاً من إشعال الكير وتسخين الحديد، وصولاً إلى تشكيله بدقة وإتقان. وقد ارتبطت هذه الحرفة بقيم الصبر والاجتهاد والأمانة، وكان الحداد أو السمار يحظى باحترام كبير داخل المجتمع، لما يقدمه من خدمات لا غنى عنها للسكان.ولا تزال صور تلك الأيام راسخة في الذاكرة، ومن أجملها الجلوس قرب الصديق علي حداد، ومتابعة الحداد المرحوم بلخير بخوش وهو يمارس بمهارة فائقة في عملية سمارة أرجل الخيول، في مشهد كان يجمع بين القوة والدقة والخبرة المتوارثة، ويثير إعجاب الصغار والكبار على حد سواء.ومع التطور الصناعي الذي عرفته المملكة خلال العقود الأخيرة، وظهور المصانع والآلات الحديثة، إلى جانب انتشار الأدوات والمنتجات الجاهزة، تراجع حضور مهنة الحدادة والسمارة بشكل ملحوظ، واختفت العديد من الورشات التي كانت بالأمس القريب تشكل جزءاً من المشهد اليومي بمدينة تاوريرت

.
غير أن هذه المهنة العريقة لم تنقرض بشكل نهائي، بل ظلت صامدة بفضل عدد من الحدادين الشباب الذين تشبثوا بها، ووجدوا فيها مصدر رزق كريم، محافظين بذلك على جزء من التراث الحرفي الأصيل الذي توارثته الأجيال. ورغم التحديات التي تواجهها، فإن مهنة الحدادة لا تزال شاهدة على عبقرية الإنسان المغربي، وعلى قدرة الحرف التقليدية على التأقلم والاستمرار متى وجدت من يؤمن بها ويحافظ عليها.فكل التحية والتقدير للحدادين والسمارين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الناس، ولكل الشباب الذين ما زالوا يحملون المشعل، حفاظاً على مهنة كانت ولا تزال جزءاً من ذاكرة تاوريرت وتراثها العريق، وواحدة من أجمل صفحات الزمن الجميل وتحية كبيرة من هذا المنبر للاخ والصديق علي الحداد الانسان الطيب البشوش الذي قضينا معه اوقاتا جميلة لن ننساها ابدا .ورقة بقلم
Mohammed Hathout

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *