Home»Débats»ألف درهم للأضحية.. المغاربة بين فانتازيا الوزير وجحيم الأسواق؟

ألف درهم للأضحية.. المغاربة بين فانتازيا الوزير وجحيم الأسواق؟

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني

السيد الوزير (وزير الفلاحة، فقد تشابه علينا الوزراء)، دعني أولاً أهنئك على روح الدعابة العالية التي تتمتع بها. فتصريحك بأن أثمان أضاحي العيد تبدأ من ألف درهم هو، دون مبالغة، أفضل كوميديا سوداء سمعتها هذه السنة. في زمن تضيق فيه الوجوه وتنحبس فيه الضحكات، تأتي أنت لتملأ بيوت المغاربة ضحكاً.. من البكاء. ألف درهم؟ بارك الله فيك، لو قلت لنا إنك وجدت خروفاً بهذا الثمن في المتحف أو في كتاب التاريخ لصدقناك، لكن أن ترمي هذه الجملة القنبلة على الهواء وكأنك تتحدث عن أسعار الخبز أو الماء المعدني، فهذا إما تجاوز رهيب للحقيقة، أو إعلان ضمني بأنك أتيت إلى الدنيا من كبسولة زمنية، وأنك لا تزال تعيش في المغرب النبيل أيام الخمسينيات، حيث كان الدرهم يساوي ذهباً والكسكس يُطهى بالبركة فقط.

السيد الوزير الذي لا يعرف سكان بلده إلا من خلال التقارير الورقية، المواطنون يطالبونك اليوم بخريطة تفصيلية وإحداثيات جغرافية دقيقة. أين هذا الخروف الأسطوري الذي يساوي ألف درهم؟ هل يعيش في منطقة عسكرية محظورة؟ هل هو خروف ورقي في إحدى وثائق الوزارة؟ أم أنه خروف لا يُرى إلا في أحلام البيروقراطيين؟ عذرا السيد الوزير: لقد تشابهت علينا الخرفان؟

نحن ندفع اليوم أثماناً تجاوزت ثلاثة آلاف وأربعة آلاف درهم لأغنام هزيلة، كأنها لم ترَ عشباً في حياتها، وكأنها خرجت للتو من مجاعة عالمية. تأتي أنت لترسم لنا لوحة زيتية وردية تتصدرها أكباش بثمن رمزي، وكأننا نعيش في سوق خيالي من إخراج والت ديزني أو أفلام هاري بوتر.

ولكن، عفواً، السيد الوزير: بما أنك لا تمشي في الأسواق، أين تعيش بالضبط؟ أي كوكب تسكن؟ لأننا هنا على كوكب المغرب، تابع لقمر الغلاء والفراقشية، نكتوي يومياً بنار الأسعار المجنونة. هذا الكوكب الذي يجهله وزراءنا تماماً، يتميز بمادة دسمة اسمها “الفراقشية”، وهي المادة (البهراتية) التي دخلت جميع المواد الغذائية فأفسدتها. لا تكاد تخلو قفة مواطن من فضيحة سعرية. الطماطم أصبحت سلعة كمالية تتبارى فيها الأسر كالمقتنيات الثمينة، التفاح بعشرين درهماً للكيلو يباع في محلات تزينها بالورود كأنه هاتف محمول من الجيل الأخير، والأسماك باتت ترفاً لا يصلح إلا في مناسبات العمر، واللحوم الحمراء تجاوزت كل التصورات حتى صار لحم الغنم أحلاماً ومحكيات تروى للأطفال قبل النوم.

لكن الحكومة، السيد الوزير، ليست غائبة. لا، إنها هنا، حاضرة، لكنها.. أدارت ظهرها. ولنكن صريحين: ظهرها ليس ظهراً عادياً، بل ظهر مغطى بطبقة سميكة من الجلد واللامبالاة التي لا تخترقها أزمات المواطنين. تركت الحكومة المغاربة يواجهون وحدهم، وجهاً لوجه، مع مفترسين من نوع خاص. ليس ذئاباً ولا أسوداً، بل مفترسون اقتصاديون، تجار يحولون الأسواق إلى غابات ضارية، ومضاربون يتحكمون في الخضر والفواكه كأنهم ملوك الطوائف. وفي كل صباح، يستيقظ المغربي على معجزة جديدة: “لماذا ارتفع سعر البصل اليوم؟ هل استوردناه من المريخ؟”. لا أحد يجيب. ولا أحد يتحرك. فقط بيانات رنانة تصف الأسعار بالـ”العادية”، بينما المواطن يمسح عرقه ويشتري نصف كيلو من الفول ليعيش.

وزير الفلاحة، الذي لا علم له بما يدور في الأسواق، يدّعي ببراءة طفل –أو يحب أتمسخير بلغة الجيران – أن ثمن الخروف يبدأ بألف درهم. هذا التصريح لا يثير الغضب فقط، بل يثير الشفقة أيضاً. شفقة على رجل مسؤول يعتقد أن المواطنين لا يرون ولا يسمعون. شفقة على من يظن أن السحر والتضليل الإعلامي ما زالا ينفعان. لقد أصبح سوق الأغنام فظيعاً لدرجة أن من يدخله يشعر وكأنه في جبهة حرب. لا أحد هناك يتحدث عن “ألف درهم”. ألف درهم الآن لا تشتري لك حتى حذاء تذهب به إلى السوق، فما بالك بخروف للعيد؟! نعم الوزير إما يعيش في قصر محصن بأسوار عالية تمنع وصول رائحة الغلاء إليه، أو أنه يقرأ تقارير اقتصادية عمرها خمسين سنة.

كل يوم نكتوي. ليست المناسبة فقط هي الأضحية، ولكن كل لحظة من لحظات حياتنا اليومية. حين نذهب لشراء الخضر نكتوي، حين ندخل إلى السمكرة نكتوي، حين نمر بمحل الفواكه نكتوي، وحين نفتح الثلاجة نكتوي. كل شيء تحول إلى نار. حتى الهواء أصبح له ضريبة غير مباشرة. لكن ذلك لا يهم أحداً على ما يبدو. الحكومة مشغولة بالتسخينات الإنتخابية وترتيب أوراق ما بعد شتنبر المقبل ، بينما المفترسون يعيثون فساداً في الأرض دون حسيب ولا رقيب. ولا توجد أي إرادة حقيقية للقطع مع هؤلاء الذين يفسدون على المغاربة فرحتهم، ليس فقط فرحة العيد، بل فرحة العيش الكريم. ما المانع في أن نرى قرارات صارمة، حملات تفتيشية حقيقية، مراقبة فعلية للأسواق، وجرأة في معاقبة المحتكرين؟ لا، كل ما نسمعه هو “الأسعار في حدود المعقول” و”لجنة لمراقبة الأسعار” التي يبدو أن أعضاءها يعيشون في نفس الكوكب البعيد أي كوكب الوزير .

يا سيدي، اهبط من برجك العاجي، اذهب إلى السوق بنفسك، مع محفظة خاصة بك، وحاول أن تشتري خروفاً بألف درهم. وعندما تفشل في المهمة المستحيلة، قد تدرك أنك لست على كوكب الأرض، أو على الأقل، لست في المغرب. حان وقت العودة إلى الواقع، قبل أن يفقد المغاربة حتى القدرة على السخرية منكم ..والسلام…

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *