الموت يعود ليفجع الأسرة الفنية والمغاربة!


أحيانا يصعب على أي إنسان كان في هذا الكون أن يتقبل زيارة الموت المفاجئة رغم أنه نداء رباني وحقيقة حتمية لا مفر منها، لاسيما عندما يطرق باب شخص قريب وعزيز أو باب نجم كبير من أبرز النجوم الفنية أو الرياضية، يكون قد بصم على مسار حافل بالعطاءات الغزيرة والمتميزة، التي تتحول إلى ذكريات خالدة في التاريخ.
ففي هذا السياق فجعت الساحة الفنية المغربية والعربية خلال الفترة الأخيرة برحيل قافلة من نجوم الأغنية المغربية، ومن بينهم اثنان من رواد الفن الأصيل، وهما الهرمان الشامخان عبد الهادي بلخياط ابن العاصمة العلمية والروحية مدينة فاس، الذي وافته المنية عن عمر 86 عاما يوم الجمعة 30 يناير 2026. الذي بدأ مسيرته الفنية في ستينيات القرن الماضي وتربع على عرش الطرب المغربي طيلة خمسة عقود، قبل أن يعتزل ويختار مسارا روحيا خالصا، سخر فيه صوته الشجي لخدمة المديح النبوي والابتهالات، مخلفا إرثا فنيا وإنسانيا متميزا، جعله واحدا من رموز الأغنية المغربية الأصيلة وعلما من أعلام الفن المنقوش في وجدان الأجيال، بما قدمه من إبداع صادق واحترام عميق للفن ورسائله التربوية الهادفة…
وها هي الأسرة الفنية تفقد من جديد أحد أبنائها البررة، وهو أيضا سليل العاصمة العلمية والروحية، الفنان المقتدر والموسيقار الكبير عبد الوهاب الدكالي، الذي لبى نداء ربه يوم الجمعة 8 ماي 2026 عن عمر ناهز 85 سنة، من داخل غرفة الإنعاش بإحدى مصحات مدينة الدار البيضاء الخاصة، على إثر خضوعه لعملية جراحية قيل إنها لم تكلل بالنجاح، وذلك عقب مسار فني حافل بالتجارب الفنية الاستثنائية التي امتدت لأزيد من خمسين سنة، حيث استطاع أن يمنح للأغنية المغربية شخصيتها، وأن يحلق بها عاليا نحو فضاء عربي أوسع، دون أن يفقدها هويتها المغربية الأصيلة…
وجدير بالذكر أن صاحب الأعمال الخالدة، التي ستظل حاضرة في الأذهان عبر تعاقب الأجيال مثل « مرسول الحب » و »كان يا ما كان » و »ما أنا إلا بشر » و »سوق البشرية »، ولد هو أيضا في مدينة فاس عام 1941، في وسط ثقافي وفني ساعده كثيرا في اكتشاف مواهبه منذ نعومة أظافره، حيث تلقى تكوينا في الموسيقى والتمثيل والرسم، قبل أن يشق طريقه في المجال الفني سنة 1957 عندما كانت الأغنية المغربية تبحث لنفسها عن ملامحها، حيث لم يلبث أن سطع نجمه ضمن الأصوات المؤسسة للمدرسة الغنائية المغربية الحديثة، بفضل أسلوبه المتميز وقدرته على المزج بين الزجل المغربي واللغة العربية الفصحى…
فما يحسب للراحل الذي عرف بأناقته وذوقه السامي أنه استطاع الحفاظ على مكانة مرموقة داخل المشهد الموسيقي، بسبب اختياراته الفنية الراقية وابتعاده عن الصخب والابتذال، مما جعله مرتبطا بتلك الفترة الذهبية من تاريخ الأغنية المغربية التي صنعت مجده مع الذين كرسوا حياتهم للفن ومنحوه قيمته الحقيقية. والأكثر من ذلك أنه لم يكن مجرد موسيقي أو مطرب عادي، بل كان فنانا شاملا ومدرسة رائدة، إذ سجل حضوره في المسرح والتمثيل والرسم، إثر مشاركته في أعمال سينمائية مغربية، ك »الحياة كفاح » و »رمال من ذهب » و »أيام شهرزاد الجميلة » وغيرها.
وليس هذا وحسب، فقد استطاع الحفاظ على ينبوعه الفني المتدفق بسخاء كبير، مكرسا كل جهوده في الخلق والإبداع، حيث لم يكن هناك شيء آخر يشده عدا حسه الفني وعمله الغنائي والموسيقي الرفيع، يتنقل بين كتابة الموسيقى وبسط ألوانه الجذابة على لوحاته الساحرة، التي عرض بعضها في عام 2018 بقاعة باب الرواح، وأبان من خلالها عن باعه الطويل في مجال رسم صور العلماء والفنانين وعديد الشخصيات البارزة في الحياة العامة التي كرست حضورا تاريخيا. والجميل في الأمر هو أنه كان أكثر تعلقا بتلك اللوحات دون أن يفكر يوما في بيعها أو ينجر خلف أسعارها المغرية، وهي التي توجد اليوم محفوظة في « المتحف الصغير » الذي فتحه الراحل ببلادنا، استجابة لرغبة ابنه والمفتوح أمام الزوار مجانا.
فقد شكل هذا الرحيل المباغت لعميد الأغنية المغربية عبد الوهاب الدكالي صدمة قوية، وبذلك يكون المغرب خسر قامة فنية استثنائية شامخة يصعب تعويضها، وفقد المغاربة والشعوب العربية واحدا من بين أبرز النجوم في سماء الفن الأصيل، لاسيما أنه كان يحظى بشهرة واسعة على المستوى العالمي، حيث نال خلال مسيرته الطويلة عدة جوائز وتكريمات دولية، من بينها انتخابه عام 1991 شخصية العالم العربي من طرف هيئة الإذاعة البريطانية بلندن، وحصل سنة 1996 على لقب أفضل مبدع موسيقي في مهرجان القاهرة الدولي للأغاني، فضلا عن أوسمة وتكريمات دولية من فرنسا والفاتيكان، وتوشيحه عام 2013 بوسام المكافأة الوطنية من درجة قائد…
إننا مهما حاولنا تأبين الموسيقار الراحل عبد الوهاب الدكالي لن نجد الكلمات التي يمكنها أن تنصفه، وترقى إلى مستوى ما قال ملك البلاد محمد السادس في حقه عبر برقية التعزية التي بعث بها إلى أسرته، معتبرا أن الساحة الفنية فقدت أحد أعمدة الطرب المغربي الأصيل، الذي أفنى زهرة عمره في الخلق والإبداع وأثرى الخزانة الغنائية الوطنية أزيد من نصف قرن بالكثير من الأعمال الفنية…
وأمام هذا المصاب الجلل، نسأله تعالى أن يتغمد الفقيد بالمغفرة والرضوان، ويسكنه فسيح الجنان، ويلهم ذويه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire