تاوريرت : حين غير النمو ملامح المدينة

محمد حتحوت

بسم الله الرحمن الرحيم
اخواتي إخواني ، بعد أن استحضرنا في الجزء الأول ملامح تاوريرت البسيطة، حيث كانت المدينة هادئة، متناسقة، وقريبة من الطبيعة في تفاصيلها، ننتقل الآن إلى مرحلة جديدة من تاريخها؛ مرحلة بدأت فيها التحولات العميقة تفرض نفسها، معلنة نهاية زمن وبداية زمن آخر. فابتداءً من أواخر السبعينات، لم تعد تاوريرت تلك المدينة الصغيرة المنغلقة على ذاتها، بل دخلت دينامية نمو متسارع، حملت معها الكثير من التغيرات، بعضها إيجابي، وبعضها الآخر فرض تحديات صعبة
.
نبدأ من حيث انتهينا. بعد نهاية سنوات السبعينات، بدأت تاوريرت تعرف نمواً ديمغرافياً مطرداً، نتيجة الهجرة المتزايدة إليها من مختلف القرى المجاورة، خاصة بفعل سنوات الجفاف المتتالية. كما ساهمت أراضي الجموع بشكل كبير في تسهيل التوسع العمراني، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان بشكل عشوائي، حيث انتشرت أشكال من البناء غير المنظم لتلبية الحاجة الملحة للسكن.ومع هذا التوسع، اتسعت رقعة المدينة، وظهرت أحياء جديدة في غياب تصميم حضري واضح أو تجهيزات كافية، فتحولت تاوريرت إلى وجهة لكل من يبحث عن الاستقرار. وبرزت أحياء هامشية حملت تسميات من واقعها، مثل دوار لاحونا ودوار اللامبا وغيرها، وهو ما ساهم في بروز مظاهر الهشاشة وانتشار الفقر في بعض المناطق.ولم يكن التحول عمرانياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً؛ إذ بدأت ملامح مجتمع جديد تتشكل، يجمع بين أبناء المدينة الأصليين والوافدين، في تنوع غني أحياناً، ومليء بالتحديات أحياناً أخرى، خاصة فيما يتعلق بالاندماج وظروف العيش. ومع تزايد الكثافة السكانية، ظهرت إكراهات عديدة، من بينها ضعف البنية التحتية، وغياب طرق معبدة في بعض الأحياء، ونقص في شبكات الماء والكهرباء، إضافة إلى قلة الفضاءات الترفيهية.وفي المقابل، بدأت بعض مظاهر التحديث تفرض نفسها تدريجياً؛ حيث توسعت شبكة الماء والكهرباء، وتحسنت بعض الطرق، وظهرت وسائل نقل أكثر تنظيماً. كما عرفت الحركة التجارية دينامية جديدة، فلم يعد السوق الأسبوعي وحده القلب النابض، بل ظهرت محلات وأسواق صغيرة داخل الأحياء، قربت الخدمات من الساكنة.
أما على المستوى التعليمي، فقد ازداد عدد المدارس والإعداديات والثانويات، وشهدت المدينة بروز أطر تربوية ساهمت في تأطير أجيال جديدة، رغم الاكتظاظ وقلة الإمكانيات. كما ظهرت بعض الأحياء السكنية المنظمة التي أنجزتها مؤسسات كالعمران، في محاولة لإضفاء نوع من التوازن على المشهد العمراني.وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، بدأت بعض الجمعيات في الظهور، محاولة تأطير الشباب وتنشيط الحياة المحلية، في وقت ظلت فيه ملاعب الأحياء فضاءً أساسياً لاكتشاف المواهب، خاصة في كرة القدم التي بقيت المتنفس الأول لشباب المدينة.ومع ترقية تاوريرت إلى عمالة إقليم، دخلت المدينة مرحلة إدارية جديدة، حيث تم تقريب العديد من الخدمات التي كانت متمركزة سابقاً في بركان أو وجدة، مما خفف عن الساكنة عناء التنقل، وفتح آفاقاً أوسع للتنمية، رغم محدودية الإمكانيات مقارنة بحجم التحديات.
وهكذا، وبين توسع عمراني سريع ونمو ديمغرافي متزايد، وجدت تاوريرت نفسها أمام واقع جديد، تتقاطع فيه آمال التنمية مع صعوبات التهيئة والتدبير. لكنها، رغم كل التحولات، ظلت وفية لروحها الأصيلة؛ مدينة تحتضن أبناءها والوافدين إليها، وتمنحهم فرصة للعيش والأمل. وبين الأمس الجميل واليوم المتغير، تستمر الحكاية… حكاية مدينة تصنع ذاتها بصبر، وتكتب تاريخها بتفاصيل الناس البسطاء، الذين كانوا وما زالوا نبضها الحقيقي.ورقة بقلم
Mohamed Hathout



Aucun commentaire