من اغرب الغرائب ان يصبح كأس افريقيا 2025 قضية جزائرية مصرية مشتركة وليست قضية السينيغال


لم يعد الرقم 2797 وحده ما يرعب مملكة « الكراغلة »؛ بل انضاف إليه الرقم 8284 الذي يشير إلى المادتين اللتان اعتمدهما « الكاف » لإرجاع كأس إفريقيا لأصحابه، فكون المادة 82 تشير، صراحة وبدون لبس، إلى أن كل فريق غادر رقعة الملعب، تحت أي ظرف كان، قبل نهاية المباراة وبدون إذن الحكم، يعد خاسرا، وكذا المادة 84 التي تُرتب الجزاءات عن خرق المادة السابقة، قد أعطتا المسوغات القانونية لشرعية القرار المتخذ من لدن « الكاف »، الذي، ولأول مرة في تاريخه، حكم بالتطبيق المباشر لقوانين اللعبة بعيدا عن التوازنات وجبر الخواطر؛ مما كسر خواطر كثيرين من أصحاب القلوب الضعيفة والنفوس الهشة.
أما الاستناد على كون الفريق المنسحب قد عاد وأتمم المباراة وفاز فيها، فهو استناد باطل لأن عودته لا تَنسخ كونه قد غادر رقعة الملعب، حيث إن المادة 82 لا تشير لمعاقبة الفريق المغادر رقعة الملعب شريطة أن لا يعود للملعب؛ وإلا لكانت قد أشارت إليه صراحة، مما يغلق باب التأويل، كما أن المادة المذكورة لم تقيد المغادرة بوقت معلوم؛ بل لو تمت حتى في دقيقة واحدة أو أقل، لاعتبرت مغادرة تامة الأركان حسب القراءة القانونية الصِّرفة، بعيدا عن كل اجتهاد مُبتذل أو تأويل متعسف؛ بل إن عودة الفريق المنسحب هي أكبر دليل على أنه يندرج تحت طائلة المادة 82؛ لأن العودة، بكل بساطة، تعني بأن الانسحاب قد تم بالفعل.
إن القفز على لوائح الكاف المؤطرة لقوانين لعبة كرة القدم في إفريقيا، بدون مبرر قانوني أو حاجة تحكيمية ملحة، ثم الاستناد على المادة الخامسة من قانون UEFA هو سلوك قانوني شاذ وغير منضبط، حيث إن هذه المادة تحدد فقط المرجع القانوني، ولا تنص على أن قرارات الحكم محصنة وغير قابلة للمراجعة، وإلا ما الحاجة في خلق هيئات تحكيمية مثل لجنة الانضباط داخل الكاف، ولجنة الاستئناف، والمحكمة الرياضية الدولية، إذا كانت قرارات الحكم نهائية وغير قابلة للطعن، وهو ما بدا واضحا في مئات، بل آلاف، القرارات التأديبية التي صدرت عن مختلف الهيئات التحكيمية والتي غيرت قرارات الحكام من النقيض إلى النقيض، وبدلت نتائج المباريات والمنافسات، في مختلف قارات العالم؛ بل وأحيانا كان يتم ذلك بعد بضع سنين.
لقد ثبت، بما لا يدع مجالا للشك، بأن الفريق السنغالي قد انسحب من الملعب، وبذلك يكون قد خسر اللقاء وأضاع اللقب بدون أدنى شك، وكل ما وقع بعد ذلك مجرد عبث لا يمكن اعتباره قانونيا لمجرد أن الحكم سمح به؛ فليس من سلطة الحكم تجاوز القوانين المؤطرة للعبة، كما أن استئناف المباراة باطل من الناحية القانونية؛ وبالتالي، كل ما بني على باطل فهو باطل.
إذا افترضنا جدلا على أن سلطة الحكم مقدسة ولا يجوز مراجعتها أو الطعن فيها، فإن اعتراف رئيس لجنة الحكام بأن تعليمات قد أعطيت للحكم من أجل أن لا ينذر أي لاعب من لاعبي السينغال الإحدى عشر، يدل على أن كل ما وقع بعدما رجع فريق السنغال إلى الملعب؛ لم يكن نابعا من إرادة الحكم الحرة، أو من اجتهاداته الخاصة في تطبيق القوانين التي تؤطر اللعبة؛ وهذا ما يدل على أن الأمر لم يكن يتعلق أصلا بقرارات الحكم الخاصة؛ بل بقرارات كانت تؤخذ في المكاتب المكيفة، وهو ما لن يجد له الاتحاد السينغالي لدى « الطاس » أي سند قانوني، ولو بالتأويل المُجْحِف والاجتهاد المتعسف، حتى ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
لنفترض جدلا أن استئناف المباراة كان قانونيا، وهو ليس كذلك، فإن إنذار اللاعبين الذين غادروا الميدان بدون إذن الحكم كان سيترتب عنه طرد لاعبين من السينغال، كما أن تسعة لاعبين، اليتامى، الذين سيظلون على رقعة الملعب، سيكونون تحت طائلة الطرد عند أي إنذار جديد في حقهم، الأمر الذي كان سيجعل خسارة الأسود من سابع المستحيلات؛ وهذا يعني بكل بساطة، أن استئناف المباراة بتلك الطريقة الفجة، التي غادر فيها اللاعبون رقعة الملعب لأكثر من 15 عشر دقيقة ووصلوا إلى مستودع الملابس، حتى كاد بعضهم أن يأخذ حماما ساخنا، ثم عادوا بكل أريحية واستأنفوا المباراة وكأن شيئا لم يقع، لم تكن مجرد خطئ جسيم وزلة عظيمة؛ بل كانت كارثة كروية غير مسبوقة؛ وبالتالي استوجب معالجتها بقرار تأديبي غير مسبوق؛ إذ يكون الجزاء من جنس العمل.
الأدهى والأمر من كل هذا، أن سلوك السينغاليين لم يكن أبدا عفويا على أرض الملعب؛ بل كان مخططا له بعناية فائقة، وهو ما بدا واضحا في سلوكيات الاتحاد السينغالي قبيل المباراة، سواء من خلال الندوة الصحافية التي أقامها المدرب السينغالي والتي شكر فيه تنظيم « الشان » في الجزائر على حساب أحسن نسخة للكان في المغرب، في تصريح أدهش العالم، وكذا بيان الاتحاد السينغالي المثير الذي دعا لحشد جماهيره في محطة القطار، ثم خرج بعدها يتباكى من قلة الأمن، وغيرها من سلوكيات تؤكد أن الأمر دُبِّر بليل، وكل من عاش أجواء المباراة من داخل الملعب ترسخت لديه قناعة بأن السينغال قد قاموا بتخيير المغرب بين الفوز بالتنظيم أو الفوز بالكأس، وهو ما أكدته الصحافية الفرنسية المشهورة « فينيسا لومواني »، والتي قالت لحارس السينغال « إدوارد ماندي » في نهاية المباراة: « أتردد في تهنئتك بعد ما رأينا ما حدث ».
إن كون اللقب عاد لأصحابه بعد شهرين، لا يطعن، بحال من الأحوال، في أحقية من له الأحقية في التتويج ولو بعد عامين، إذْ أن الحق لا يزول بالتقادم، مثلما كانت مملكة « الكراغلة » تصدع رؤوسنا دوما بمقولة أن حق الشعب الصحراوي « الفنكوشي » لا يزول بالتقادم.
أبشر كثيرا من الحاقدين الذين يدَّعون بأننا لن نتذوق طعم هذا النصر، بأننا نتذوق طعمه ثلاثة أضعاف، مرة لأن اللقب عاد إلينا بعد عناء طويل، ومرة لأن السينغاليين سيأخذون درسا عظيما، مفاده أن من يحترم القانون هو من يفوز في النهاية؛ وليس من يتقن فن البلطجة، ومرة ثالثة لأن الشعب « الكرغلي » سيمضي أسوأ عام في تاريخه، عام ضياع الصحراء وضياع اللقب.
ومن اعجب العجائب في عالم الحقد والحسد والبغضاء أن العصابة الحاكمة في الجزائر مستعدة لأن تقدم لمحاميي « الطاس » مقابل رأس « فوزي لقجع »، مليار دولار أو مليارين؛ لأن الأمر في نظرها ليس مجرد كأس أو لقب؛ بل هي كرامة شعب مُضلَّل عاش في العالم الآخر، وبنى أمجاده على جُرف الوهم فانهار به.
نورالدين زاوش
رئيس جمعية المعرفة أولا



Aucun commentaire