وجدة..مأساة في ثاني يوم عيد تُثير صدمة لذى الرأي العام المحلي..

رسبريس
في صبيحة ثاني يوم العيد، حيث يفترض أن تعمّ الفرحة وتتزين القلوب بالبهجة، كانت مدينة وجدة على موعد مع صدمة قاسية هزت وجدان ساكنتها، حين اختار شاب في مقتبل العمر أن ينهي حياته على قنطرة حي أنكادي، في مشهد لم يكن مجرد خبر عابر، بل جرح نازف كشف عن عمق مأساة صامتة تعيشها المدينة. هرعت السلطات، وفتح تحقيق، ونقل الجثمان إلى المستشفى، لكن كل هذه الإجراءات الروتينية لن ترد روحًا أزهقتها أوجاع تراكمت طويلاً، ولن تخفف من وطأة السؤال الثقيل: كيف وصل إنسان إلى نقطة اللاعودة ليجعل من قنطرة مكانًا لإنهاء حياته بدل أن تكون جسرًا إلى غد أفضل؟ إن ما حدث ليس انتحارًا فرديًا بقدر ما هو مرآة لواقع اجتماعي خانق، يعكس أزمة متجذرة في مدينة كانت يومًا منارة للشرق المغربي، لكنها اليوم تغرق في مستنقع البطالة والهشاشة والإحباط الذي لا يلوح في أفقه أي بارق أمل.
وجدة، التي تئن تحت وطأة الإقصاء التنموي، تدفع اليوم ثمن سياسات جعلت من شبابها طاقة معطلة وأحلامًا معلقة بين جدران الانتظار القاسي، حيث تتحول القناطر من منشآت للعبور إلى رموز للانهيار، وتتحول الحياة إلى عبء ثقيل حين تفقد معنى الكرامة والأمان. إن الانتحار الذي اهتزت له المدينة ليس حالة فردية معزولة، بل هو صرخة مدوية في وجه مجتمع فقد القدرة على الإصغاء، ومؤسسات غابت عن مسؤوليتها في الحماية والحضن، إنه رسالة مؤلمة مفادها أن اليأس استطاع أن يقتل ما تبقى من خيوط التعلق بالحياة في نفوس كثيرين. وكلما غابت الحلول الجذرية وبقيت الخطابات الإنشائية دون أفعال، كلما ازدادت هذه المآسي تكرارًا، وأصبحت القناطر مقابر لأرواح كان بإمكانها أن تحيا لو وجدت يدًا تمتد أو أفقًا يفتح.
إن معالجة هذه المأساة لا يمكن أن تختصر في تحقيق أمني أو تقرير طبي، بل تتطلب وقفة جريئة أمام فشل السياسات التنموية التي جعلت من جهة بأكملها تعاني من التهميش والبطالة المقنعة والفقر المزمن. آن الأوان أن تتغير المقاربة، وأن تتحول النخب والمسؤولون من لغة المواساة إلى لغة الفعل، بإطلاق مشاريع حقيقية تستوعب طاقات الشباب، وتمنحهم حقهم في العيش الكريم، وتعيد الاعتبار لمدينة تستحق أن تكون فضاء للحياة لا ساحة لليأس. وجدة اليوم تحتاج إلى أكثر من كلمات، تحتاج إلى قرارات تعيد الثقة إلى قلوب أبنائها، وإلى كسر جدار الصوت الثقيل الذي طالما طمر الآلام حتى انفجرت بهذه الطريقة المأساوية. الرحمة للمغادر قسرًا، والعبرة لمن تبقى، فالمسؤولية جماعية في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تصبح المآسي عنوانًا ثابتًا في نسيج هذه المدينة الجريحة.



Aucun commentaire