حين تنتصر الحكمة والقانون على البلطجة!


نعم أنا أيضا مثلي مثل ملايين المواطنين المغاربة داخل المغرب وخارجه، كنت أمني النفس بأن يحسم المنتخب الوطني لكرة القدم لقب كأس أمم إفريقيا داخل « المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله » بمدينة الرباط، لاسيما أن منافسات البطولة جرت على أراضي الملاعب الرياضية بالمدن المغربية، خلال الفترة الممتدة من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026 وأن المغرب لا يتوفر سوى على لقب وحيد، حصل عليه منذ قرابة نصف قرن من الزمن في عام 1976، لأني كنت شديد الإيمان بالتنافس الشريف والقيم الرياضية التي من شأنها تعزيز الاحترام المتبادل بين الفرق والمنتخبات المتبارية…
بيد أننا لم نلبث أن فوجئنا والعالم من حولنا بما حدث يوم الأحد 18 يناير 2026 تحت عدسات الكاميرات من أحداث لا رياضية على رقعة الملعب إبان المباراة النهائية، حيث أقدم مدرب المنتخب السنغالي « بابي ثياو » الذي يبدو أنه كان مدفوعا من قبل جهات معادية للمغرب، على إشعال فتيل الفوضى مباشرة بعد إعلان الحكم الكونغولي « ندالا » في الثواني الأخيرة من عمر اللقاء عن ضربة جزاء مشروعة لفائدة « أسود الأطلس »، من خلال دعوة لاعبيه إلى مغادرة رقعة الملعب والالتحاق بغرفة الملابس، احتجاجا على قرار الحكم واتهامه بالانحياز للمنتخب المغربي، مما ساهم في تهييج الجماهير السنغالية التي قامت بأعمال العنف والشغب، متمثلة في إتلاف التجهيزات وتكسير الكراسي، الهجوم على رجال الأمن والإعلام وأعضاء اللجن المنظمة وغيرهم…
وكما قال الإمام علي رضي الله عنه « ما ضاع حق وراءه مطالب »، فإنه وعلى إثر قيام الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم باستئناف قرارات لجنة الانضباط لما شابها من عسف وإجحاف في حق المنتخب المغربي. وبعد انكباب لجنة استئناف العقوبات التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم على دراسة الملف المغربي وتمحيص مضامينه الذي استمر قرابة شهرين، تم اتخاذ قرار صارم يقضي بسحب لقب كأس أمم إفريقيا من المنتخب السنغالي ومنحه للمنتخب المغربي، حيث اعتبرت الأول منسحبا وخاسرا بنتيجة (3/0) وذلك بالاستناد إلى المادتين (82 و84) من لوائح كأس الأمم الإفريقية، التي تنص على أن الفريق الذي ينسحب من المباراة دون إذ من الحكم يعتبر منهزما…
فجاءت ردود الفعل متباينة بين مؤيد ورافض للقرار المثير للجدل، إذ بينما رحبت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي لم تفتأ تؤكد في أكثر من مناسبة تمسكها بالتطبيق الحازم والعادل للقوانين، معتبرة أنه قرار جاء لرد الحق لأصحابه، فضلا عن أنه سيساهم لا محالة في تعزيز احترام القوانين وضمان الاستقرار الضروري لسير المسابقات القارية. أبى الاتحاد السنغالي في المقابل إلا أن يصفه بغير العادل وغير المسبوق، بدعوى أنه يضر بسمعة كرة القدم الإفريقية أكثر مما يخدمها، وأنه سوف يعمل بكل حزم على الطعن فيه والقيام باستئنافه أمام محكمة التحكيم الرياضي « طاس » بمدينة لوزان السويسرية، كما تباينت الآراء بين مختلف الفاعلين الرياضيين ووسائل الإعلام الدولية وخاصة الرياضية منها.
إذ بصرف النظر عن الرأيين السالفي الذكر ورأي الحكومة السنغالية التي كشفت عن غضبها حياله، يرى بعض الإعلاميين الأفارقة أن التاريخ الكروي للسنغال مليء بالفضائح و »البلطجة » ومنها مثلا فضيحة إغراق الملعب بالشهب الاصطناعية واستعمال « الليزر » ضد منتخب مصر لإرباك عناصره في تصفيات مونديال 2022، التهديد بالانسحاب ضد منتخب تونس سنة 2004 وغيرها كثير. فيما قال النجم السابق لمنتخب الكاميرون « جوزيف أنطوان بيل » لصحيفة « لوباريزيان » الفرنسية: « إن ما شوه سمعة كرة القدم الإفريقية وأضر بسمعتها، هو ما حدث في نهائي كأس أمم إفريقيا من فوضى بسبب إجبار مدرب السنغال « بابي ثياو » لاعبيه على الانسحاب إلى غرفة الملابس، وليس قرار لجنة استئناف العقوبات التابعة للاتحاد الإفريقي، القاضي بسحب اللقب من السنغال ومنحه للمغرب، داعيا إلى محاسبة المتورطين في هذه الفوضى وإدانة لاعبي السنغال لافتقارهم للروح الرياضية، أما أصحاب القرار إياه، فلم يقوموا سوى بواجبهم وأنه يتفهم تأخر صدوره، حيث أن الوصول إلى قرار صائب ومنصف دائما ما يتخذ وقتا طويلا، تفاديا للخطأ وأي ظلم ممكن.
وفي هذا الإطار نستحضر هنا بعجالة نموذجا من بعض القرارات السابقة والمماثلة، ومنها قرار الفيفا القاضي بإعادة مباراة جنوب إفريقيا ضد السنغال عام 2018، وقرار إعادة مباراة مصر وزيمبابوي في تصفيات كأس العالم برسم سنة 1994، قرار تجريد فريق يوفنتوس من لقبي الدوري الإيطالي عامي 2005 و2006 إثر تورطه في فضيحة « الكالتشيوبولي » وإنزاله إلى الدرجة الثانية للمرة الأولى في تاريخه
وفي انتظار أن تقول محكمة التحكيم الرياضي « طاس » كلمتها الفصل، التي لن تكون في غالب الظن إلا مؤيدة لقرار سحب لقب كأس أمم إفريقيا 2025 من السنغال ومنحه للمغرب، الصادر عن لجنة استئناف العقوبات بالكاف، التي ترأسها القاضية النيجيرية الشهيرة « رولي دايبو هاريمان »، وهي من أبرز الأسماء القانونية على صعيد القارة الإفريقية، وذات مسار مهني حافل بالاجتهاد والصرامة، مما جعلها صاحبة رؤية رصينة ومتوازنة تجمع بين صرامة القانون وحكمة التطبيق، لا يسعنا إلا أن نثمن عاليا الموقف المغربي الحكيم الذي اختار التعاطي مع الملف بمنطق قانوني بحت، يقوم على قوة الحجة والإقناع، بدل أساليب التشكيك والتشويش والتصعيد الإعلامي، التي ما انفكت الأطراف الأخرى تعتمدها وخاصة تلك المناوئة للمغرب.
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire