وقوع الوزير مزور في المحظور!

اسماعيل الحلوتي

ونحن على بعد حوالي ستة شهور من الانتخابات التشريعية، التي تقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، وفق ما ورد على لسان الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، فإذا بأحد أعضاء حكومة أخنوش التي وصفت ظلما ب »حكومة الكفاءات » يعود هو الآخر لإثارة الجدل من جديد. ويتعلق الأمر بوزير الصناعة والتجارة القيادي بحزب « الميزان » رياض مزور، الذي أشعل فتيل الغضب في أوساط الجالية المغربية المقيمة بالخارج، من خلال تصريحاته إبان لقاء مع رابطة خريجي المدارس المركزية والمدارس العليا بالمغرب يوم الجمعة فاتح مارس 2026، حيث قال بأن عودة مغاربة العالم للاستثمار « واجب وطني » ولا تستوجب تقديم هدية لهم، مادام المغرب هو منزلهم الحقيقي…
وهي التصريحات التي جاءت متضمنة لعبارات مستفزة في سياق حديثه عن الجالية المغربية، وفجرت جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في صفوف أفراد الجالية المغربية بالخارج، حيث قال بلغة فوقية وتهكمية « عندما يعود شخص للعمل في بلاده، لا يعني أنه يقدم لي هدية »، ثم أضاف بذات الطريقة الاستعلائية غير اللائقة وهو يستدل بتجربته الشخصية، بأن « المملكة المغربية تزخر بملايين الكفاءات في الداخل التي تنتظر فرصتها، مشددا على « أن العودة من الخارج ليست استثناء، بل هي جزء من المسار الطبيعي، ثم استطرد قائلا « هناك من يعتقد أن عودته إلى أرض الوطن كمن يقدم هدية وينتظر الترحيب… « بزعط » بلادك هاذي، أنت في منزلك، فهل يجب أن أشكرك لقدومك إلى بلدك؟
وهو ما اعتبرته عديد الجمعيات والفعاليات المدنية وغيرها أسلوبا يفتقر إلى أبسط أبجديات الدبلوماسية الراقية، ويسيء إلى هذه الفئة من أبناء الوطن المقيمين في الخارج الذين يعدون بالملايين، ناسيا أنهم يضخون الملايير في خزينة الدولة، لأنه أسلوب رديء ويتعارض كليا مع قيمتهم ومكانتهم الحقيقية، لما يشكلونه من ارتباط قوي بوطنهم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لاسيما أنهم يعتبرون رافعة أساسية للاقتصاد الوطني، من خلال تحويلاتهم المالية الكبرى، التي تساهم في دعم احتياطي العملة الصعبة، وفي تحريك عجلة الاستثمار والاستهلاك داخل المغرب، إضافة إلى انخراطهم في مشاريع تنموية واجتماعية في مختلف جهات المغرب…
فطالما تساءل المواطنون المغاربة في عدة مناسبات، وخاصة عندما يقدم أحد الوزراء في الحكومات المتعاقبة على بعض التجاوزات عبر تصريح فج أو فضيحة أخلاقية أو سياسية، عن المعايير الحقيقية التي يتم اعتمادها من قبل أمناء الأحزاب السياسية المتصدرة للانتخابات التشريعية حول الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار في شغل مناصب عليا. إذ أنه وبصرف النظر عن لونه السياسي في الأغلبية الحكومية، نرى أنه من غير المعقول لجوء مسؤول حكومي يفترض فيه التحلي بالرصانة والاستقامة، فضلا عن حفظ لسانه من أي انزلاق ممكن، بعد أن حظي بالثقة الملكية السامية في تحمل المسؤولية، إلى مخاطبة المغاربة وخاصة أفراد الجالية المغربية بهكذا أساليب تحقيرية، كما يتضح من خلال التسجيلات الصوتية وأشرطة الفيديو الرائجة على نطاق واسع في الشبكة العنكبوتية، التي استعملت فيها عبارات غير مقبولة من قبيل « بزعط » وغيرها مما اعتبر إهانة صريحة للجالية المغربية.
إذ لم تمر هذه التصريحات الرعناء والمثيرة للامتعاض مرور الكرام، حيث سارع عدد من المراقبين والحقوقيين والسياسيين إلى انتقاد الوزير الاستقلالي رياض مزور، لكونه لم يقم أي وزن لمغاربة العالم الراغبين في العودة للاستثمار بأرض الوطن، متجاهلا بذلك ما يقدمه هؤلاء « الجنود » من تضحيات جسام في سبيل تمثيل بلادهم على أحسن وجه، ناهيكم عن عدم تأثر عدة كفاءات منهم بالإغراءات وتخليهم طوعا عن امتيازات الخارج، استجابة لنداء الضمير والروح الوطنية الصادقة، لاسيما أن الحكومات المتعاقبة لم تنفك تعمل على تفعيل الاستراتيجيات لاستقطاب « أدمغة المهجر » للمساهمة في الأوراش التنموية الكبرى.
إننا إذ نستنكر بشدة مثل هذه الأساليب الاستعلائية، نأسف كثيرا لعدم تفعيل بلادنا المبدأ الدستوري « ربط المسؤولية بالمحاسبة » أمام مثل هذه النماذج من المسؤولين الحكوميين، الذين يكرسون الشعور بالإحباط لدى المواطنين وفقدان الثقة في المنتخبين والأحزاب السياسية، جراء تماديهم في إطلاق الكلام على عواهنه دون أدنى مراعاة للمشاعر أو أي حس بالمسؤولية. وإلا فأي عاقل يسمح لنفسه بالحط من كرامة فئة من المواطنين في تجاوز صارخ للرؤية الملكية، التي تضعها في صلب اهتماماتها وتعتبرها من بين أهم الثروات الوطنية التي يجب الحفاظ عليها، اعتبارا لما تقدمه من مساهمات في الاقتصاد الوطني، التي بلغت مستويات قياسية، عبر تحويلات تفوق المائة مليار درهم خلال سنة 2025؟
من هنا بات من الضرورة بما كان أن يعود وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، لتدارك سقطته اللسانية غير المحسوبة العواقب والاعتذار بشكل علني صريح وواضح لكافة الشعب المغربي عامة، وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج على وجه التحديد، وفي ذات الوقت على أمناء الأحزاب السياسية العمل مستقبلا على إعادة النظر في المعايير المعتمدة بخصوص انتقاء المرشحين للاستحقاقات الانتخابية وفي اقتراح أعضاء الحكومة كذلك…
اسماعيل الحلوتي



Aucun commentaire