نهاية الرقص مع الشيطان 7 اختبارات امام موريتانيا

د.عمر الشرقاوي
تجد موريتانيا نفسها اليوم، وهي تجلس إلى طاولة المفاوضات حول قضية الصحراء المغربية، أمام استحقاق تاريخي يتجاوز بروتوكولات الحضور التقليدي إلى ضرورة صياغة موقف جيوستراتيجي حاسم وشجاع. فلقد ظل المغرب، لسنوات طوال، يمارس ضبط نفس استثنائي تجاه « الغموض الموريتاني »، متحملاً تقلبات المواقف وتعدد التأويلات، وملتمساً لجارته الجنوبية مئات الأعذار في علاقاتها المتشابكة مع جبهة « البوليساريو ».
كانت الرباط تتفهم، بمنطق الأخوة والجوار، تلك المخاوف الموريتانية المشروعة من دسائس النظام الجزائري ومناوراته الإقليمية، لكن اللحظة الراهنة لم تعد تحتمل المواقف الرمادية التي يأخذ منها « المؤمن والشيطان » على حد سواء، بل تستوجب حياداً إيجابياً ينطق بكلمة الحق.
إن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة للمملكة ليست مجرد مخرج سياسي لنزاع إقليمي مفتعل، بل هي في جوهرها تشكل عمقاً استراتيجياً وضمانة قصوى للأمن القومي الموريتاني، الذي لن يجد استقراره في دويلة هشة أو كيان انفصالي، بل في جوار مغربي قوي ومستقر. ولأجل ذلك، يتعين على نواكشوط في مسار المفاوضات الحالي أن تتحلى بسبع ركائز جوهرية لتجسيد حيادها الإيجابي:
أولاً، الوضوح الأخلاقي في الاعتراف بالحقائق التاريخية والجغرافية التي تربط الصحراء بمحيطها المغربي، بعيداً عن لغة المجاملات السياسية الهشة.
ثانياً، تفكيك مخاوف الماضي والتحرر من ضغوط « الابتزاز الإقليمي » الذي مارسته الجزائر لعقود، عبر إدراك أن قوة موريتانيا تكمن في استقلال قرارها السيادي.
ثالثاً، تفعيل الرؤية الأمنية المشتركة، فالتهديدات العابرة للحدود في الساحل والصحراء تفرض على موريتانيا دعم الحل الذي ينهي بؤر التوتر بشكل نهائي.
رابعاً، الانحياز للمصالح الاقتصادية، حيث يمثل مقترح الحكم الذاتي جسراً للتنمية يربط نواكشوط بالعمق الإفريقي والأوروبي عبر بوابة الصحراء المغربية الآمنة.
خامساً، الجرأة في تسمية الأشياء بمسمياتها، بالكف عن مسك العصا من الوسط في قضية تمس الوحدة الترابية لجار استراتيجي لم يدخر جهداً في دعم استقرار موريتانيا.
سادساً، استحضار المسؤولية المغاربية، فبناء اتحاد مغاربي قوي يتطلب إنهاء النزاعات المفتعلة التي تستنزف مقدرات المنطقة. سابعاً وأخيراً، الإيمان بالحل الواقعي الوحيد، وهو أن مبادرة الحكم الذاتي هي الطريق الوحيد لضمان سيادة القانون وحفظ كرامة الإنسان في المنطقة.
إن موريتانيا اليوم أمام لحظة فارقة؛ فإما أن تظل حبيسة هواجس الحياد السلبي الذي لم يجلب لها سوى القلق الأمني، أو أن تنخرط بصدق في دعم الحل المغربي الذي يمثل صمام أمان لكيان الدولة الموريتانية ذاتها. فالحياد الحقيقي ليس هو الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل، بل هو الشجاعة في دعم الاستقرار المستدام الذي يحمي الأجيال القادمة من مغامرات الانفصال ودسائس الهيمنة الإقليمية.
منقول



Aucun commentaire