Home»Débats»مفاوضات مدريد: الجزائر تستسلم للامر الواقع بعد عقود من التآمر والغلو

مفاوضات مدريد: الجزائر تستسلم للامر الواقع بعد عقود من التآمر والغلو

0
Shares
PinterestGoogle+

الدكتور سمير بنيس


أثارت الانباء الواردة من إسبانيا بخصوص رعاية الولايات المتحدة الامريكية لأول جولة من المفاوضات بين أطراف النزاع المفتعل حول الصحراء- المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا- كثير من ردود الأفعال في الحقل الإعلامي المغربي وعلى مستوى وسائل التواصل الاجتماعي. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الكثيرون هو هل ستنجح الولايات المتحدة في حمل الجزائر على الدخول في مفاوضات جادة للتوصل لحل نهائي للنزاع في الإطار الذي حدده القرار 2797 وهل سيكون مخطط الحكم الذاتي المغربي هو أساس التفاوض أم أن الجزائر ستحاول ربح الوقت من خلال الاختباء وراء نفس الأسطوانة المشروخة التي استعملتها على مدى العقود الخمسة الماضية، أي أنها ليست طرفاً في النزاع وأنها تسعى فقط لضمان حق ما تسميه بهتاناً « الشعب الصحراوي » تقرير مصيره.
الإجابة على هذين السؤالين لا تتطلب اجتهاد ولا تأويل، إذ أن القرار 2797 كان صريحا حينما اعتبر مخطط الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية هو أساس التوصل لحل سياسي ودعا أطراف النزاع الأربعة بما في ذلك الجزائر إلى الدخول في مفاوضات جادة من أجل التوصل لحل سياسي نهائي. وبالتالي، فإن مشاركة الجزائر على مستوى وزير خارجيتها في المفاوضات السرية التي جرت في مدريد على مدى اليومين الماضيين ليست مفاجئة، بل هي تحصيل حاصل. باعتبار الجزائر، من منظور مجلس الامن، أنها طرفاً في النزاع وأخذا في عين الاعتبار أن هذه الأخيرة تعلم أن الإدارة الامريكية عاقدة العزم على أخذ زمام الأمور وعدم الارتهان للأمم المتحدة من أجل طي النزاع، فإنه لم يبقى أمام الجزائر من مناص سوى الإقرار بالأمر الواقع والمشاركة في أول جولة من المسار التفاوضي الجديد.
القرار 2797 حطّم منطقة الراحة التي كانت تتحرك ضمنها الدبلوماسية الجزائرية
إن مجرد إذعان الجزائر للضغوط الامريكية والمشاركة في هذه المفاوضات يعتبر في حد ذاته إقراراً منها بأن القرار 2797- الذي أنهى النقاش القانوني بخصوص النزاع بشكل لا رجعة فيه- شكل أكبر انتكاسة دبلوماسية لها على الاطلاق منذ تأسيسها عام 1962. وكما أكدتُ على ذلك في الكتاب الذي نشرته عن النزاع باللغة الإنجليزية في منتصف عام 2024، كان القرار 2797 نتيجة حتمية للمسار السياسي الذي انطلق في مجلس الامن مع اعتماد القرار 2440 في شهر أكتوبر 2018 وللاختراقات السياسية التي حققها المغرب على المستوى الثنائي منذ الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في شهر دجنبر 2020 مروراً بالدعم الاسباني والفرنسي الصريح للموقف المغربي وانتهاءً بإقرار بريطانيا في بداية الصيف الماضي بأن مخطط الحكم الذاتي المغربي يعتبر أساس التوصل لحل سياسي نهائي للنزاع.
وبما أن الجزائر استثمرت الغالي والنفيس على مدى ستة عقود لإضعاف المغرب والحيلولة دون تمكنه من استرجاع سيادة على الصحراء، بل وجعلت من هذا الملف البوصلة التي تحرك دبلوماسيتها، فكان من المنتظر أن تحاول وضع العراقيل أمام الانطلاق الجدي والفعلي للمفاوضات وأن تبدى بعض المقاومة تجاه الضغوطات الامريكية. وبالتالي، فمن الطبيعي ألا يسفر الاجتماع الأول الذي عقد يوم أمس الاحد على أي تقدم جوهري. فمن غير المنطقي أن تقر الجزائر بهزيمتها وأن تعبر عن دعمها للمقاربة التي فرضتها الولايات المتحدة عن طريق مجلس الامن من خلال جعل خطة الحكم الذاتي هو أساس التفاوض.
كما أنه من الطبيعي ألا تقبل الجزائر التقاط أي صورة تذكارية بعد الاجتماع. كيف لها أن تقبل ذلك، بل وأن تقبل الدخول في مفاوضات في نفس الغرفة مع المغرب الذي قطعت معه علاقاتها الدبلوماسية منذ قرابة خمس سنوات. إن مشاركة الجزائر في هذه المفاوضات في حد ذاته يعتبر إذلالاً لها. ولعل ما يجعل الامر أكثر مرارة بالنسبة للجزائر ويجعل هزيمتها أمام المغرب هزيمتين هو رمزية المكان الذي انطلقت منه المفاوضات بخصوص الوضع للنزاع.
الرمزية التاريخية لمدينة مدريد
لقد كانت مدريد هي المكان الذي وقع فيها الاتفاق المؤرخ في 14 نونبر 1975 التي كان من المفترض أن تنهي النزاع إلى الابد. كما كانت العاصمة الاسبانية، ومنذ أن اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 2229 في شهر دجنبر الذي اعتمد مقاربة تقرير المصير وغير المسار القانوني للنزاع، هي المكان الذي انطلقت منه الدسائس التي حاكتها الجزائر مع إسبانيا لقطع الطريق على المغرب ومنعه من طي هذا النزاع بما يتماشى مع حقوقه التاريخية والقانونية على الصحراء. وحينما اشتد النزاع الدبلوماسي بين الملك الراحل الحسن الثاني والحكومة الاسبانية خلال الفترة ما بين يوليوز 1974 وشهر نونبر 1975، كانت مدريد هي مسرح آخر جولة من الدسائس التي حاكتها الجزائر مع بعض الشخصيات النافذة في الحكومة الاسبانية لجعل المغرب يدفع فاتورة سياسية ودبلوماسية كبيرة حتى وإن نجح في تنظيم المسيرة الخضراء وحمل إسبانيا على وضع حد لاحتلالها للصحراء. وبالفعل، فإن السبب الرئيسي الذي ساهم في إطالة أمد النزاع ورجح الكفة من الناحية السياسية لصالح الجزائر على مدى ما يزيد من عقدين من الزمن هو تواطؤ شخصيات إسبانية نافذة لم تكن ودا للمغرب وكانت تدعم مخطط الانفصال الذي لطالما دافعت عنه الجزائر.
حينما حاولت إسبانيا أخذ المغرب على حين غرة في بداية شهر يوليوز 1974، ظنت الجزائر ومعها حلفائها الاسبان أن الملك الحسن الثاني أصبح قاب قوسين أو أدنى من خسارة رهانه بخصوص الصحراء. غير أن هذا الأخير، بفضل دهائه وحنكته وبصيرته سيقلب الطاولة على ما أصفه في كتابي الجديد باللغة العربية عن الصحراء- الذي سيصدر هذا الأسبوع- التحالف الشاذ بين الجزائر وإسبانيا، بين دولة غربية مسيحية استعمارية ودولة عربية-مسلمة كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي.
وكانت أهم خطوة أقدم عليها الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه هي الاحتكام لمحكمة العدل الدولية، ثم بعد ذلك نجاحه في دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد القرار 3292 الذي أقبر مخطط إسبانيا القاضي بتمكين سكان الصحراء من تقرير مصيرهم خلال النصف الأول من عام 1975. وفي خضم علمية شد الحبل التي ميزت العلاقات بين المغرب وإسبانيا طوال الفترة الممتدة من يناير ونونبر 1975، بزغ نقاش في المشهد السياسي الاسباني حول الجدوى من التشبث بخيار الإبقاء التواجد الاسباني من عدمه، خاصةً وأن البرتغال كانت قد أجبرت في صيف 1974 على تمكين ما تبقى من مستعمراتها في افريقيا من حقهم في تقرير المصير. وبدأت بوادر الانقسام في الحكومة الاسبانية تظهر بشكل جلي حينما قرر الملك الحسن الثاني في شهر فبراير من نفس السنة إعادة إحياء المطالب المغربية بخصوص السيادة على ثغري سبتة ومليلية. اعتباراً من ذلك الحين انقسمت الحكومة الاسبانية إلى معسكرين: المعسكر الأول يتزعمه رئيس الوزراء أرياس نافارو والوزير خوصي صوليس وكبار قيادات الجيش الاسباني، بمن فيهم قائد أركان الجيش الاسباني.
دون الخوض في التفاصيل، بدأ هذا المعسكر في الدفاع عن فكرة التوصل لحل تفاوضي مع المغرب يضمن من خلاله هذا الأخير استرجاع سيادته على الصحراء مقابل حصول إسبانيا على امتيازات أمنية واقتصادية مع الحصول على التزام من المغرب بعدم الخوض في مسألة سبتة ومليلية. أما المعسكر الثاني، فكان يتزعمه وزير الخارجية، بيدرو كورتينا، والسفير الاسباني لدى الأمم المتحدة، خايمي دي بينييس، بالإضافة إلى بعض قيادية الجيش الاسباني المتواجدين في الصحراء. كان هذا الثنائي هو أكبر عائق أمام توصل المغرب وإسبانيا لاتفاق نهائي لأنهما كان يدافعان بشدة عن أطروحة حق ما يسمونه « الشعب الصحراوي » في تقرير المصير والاستقلال والتنفيذ التام لمقتضيات قرارات الجمعية العامة المعتمدة خلال الفترة ما بين 1966 و1975.
الجزائر تنجح في استغلال انقسام الحكومة الاسبانية لنسف جهود المغرب
وسيكون الخلاف بين هذين المعسكرين، والذي ستعمل الجزائر على اللعب عليه طوال تلك الفترة، هو السبب الرئيسي وراء عدم تمكن الحكومتين المغربية والاسبانية من التوصل لاتفاق نهائي لطي النزاع على الرغم من الجهود التي قام وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، الذي قدم دعماً كبيرأً للطرح المغربي. كما سيكون هذا الخلاف هو السبب الذي سيدفع الحسن الثاني للتفكير في تنظيم المسيرة الخضراء. وحينما أخد الملك الحسن الثاني الحكومة الاسبانية على حين غرة مع إعلانه بتاريخ 16 أكتوبر 1975 عن نيته في تنظيم المسيرة الخضراء، حاولت الحكومة الاسبانية التوصل لنفس التفاهم التي فكرت في التوصل إليه طوال ذلك العام، والذي أفشله الثنائي بيدرو كورتينا وخايمي دي بينييس.
تحقيقاً لهذا الغرض، قام رئيس الوزراء الاسباني، أرياس نافارو بتكليف الوزير خوصي صوليس بمهمة الانتقال إلى الرباط لملاقاة العاهل المغربي الحسن الثاني. أمام تعبير الملك الحسن الثاني عن امتعاضه من التواطؤ الذي أصبح حينئذ واضح للعيان بين بعض كبار المسؤولين الاسبان والجزائر وإصراره على فكرة تنظيم المسير الخضراء، حاول المسؤول الاسباني إعطاء كل الضمانات الممكنة لمضيفه بأن الحكومة الاسبانية مستعدة للتوصل لحل يتماشى مع الهدف الذي سطره الملك الحسن الثاني، لكن شريطة أن يلغي هذا الأخير المسيرة الخضراء أو يؤجلها لما يناهز أسبوعين لتمكين حكومتي البلدين من التفاهم على تفاصيل الاتفاق المنشود من الطرفين.
غير أن الرئيس الجزائري الذي كان على وعي برفض وزير الخارجية بيدرو كورتينا والسفير خايمي دي بينيي لأي اتفاق خارج إطار الأمم المتحدة أو لا يراعي مسألة تقرير المصير، سيلقي بكل ثقله وسيلعب كل الأوراق الذي كان يمتلكها لإفشال الاتفاق المبدئي بين الملك الحسن الثاني والمبعوث الشخصي لرئيس الحكومة الاسبانية. لتحقيق هذا الهدف، أيام قليلة بعد اللقاء الذي عقده الملك الحسن الثاني مع الوزير خوصي صوليس يوم 21 أكتوبر، أرسل الرئيس الجزائري محمد بوخروبة وفداً رفيع المستوى إلى العاصمة مدريد وكلفه بمهمة إفشال الاتفاق المبدئي بين الملك الحسن الثاني ورئيس الوزراء الاسباني والضغط على هذا الأخير من خلال الاعتماد على وزير الخارجية بيدرو كورتينا للتشبث بمبدأ تمكين الصحراويين من تقرير المصير والاستقلال تماشياً مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.
وكنتيجة للضغوط الجزائرية ولعناد وزير الخارجية بيدرو كورتينا، ستدعو مدريد مجلس الامن إلى عقد اجتماع ثاني وثالث لمجلس الامن لتدارس الوضع في المنطقة على ضوء قرار الملك الحسن الثاني تنظيم المسيرة الخضراء. وكان الهدف من هذين الاجتماعين اللذان عقدا يوم 2 و6 نونبر بالإضافة إلى الاجتماع الذي عقد بتاريخ 22 أكتوبر هو الحصول على إدانة صريحة من مجلس الامن للمسيرة الخضراء، وبالتالي، حمل الملك الحسن الثاني على صرف النظر عنها. غير أنه، وبفضل الدعم الذي حصل عليه المغرب من وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، لم يتضمن أي من القرارات التي اعتمدها مجلس أي لغة تدين المغرب أو تلزمه على إلغاء المسيرة الخضراء. وكان الموقف الأمريكي حاسماً في ترجيح الكفة لصالح المغرب وفي حمل إسبانيا، في آخر المطاف، على الانصياع للمطالب المغربية.
وبعد أن فشلت المساعي الأولية للملك الحسن الثاني في إقناع الحكومة الاسبانية بضرورة التوصل لحل ثنائي يحمي مصالح البلدين، سيتكمن من خلال تنظيم المسيرة الخضراء من إجبار مدريد على الدخول في مفاوضات مع الرباط توجت بالاتفاق على اتفاق مدريد يوم 14 نوفمبر 1975.
فلولا عناد الجزائر واستفادتها من تواطؤ وزير الخارجية الاسباني بيدرو كورتينا، لتمكن المغرب وإسبانيا من التوصل لاتفاق ثنائي يكرس السيادة المغربية على المغرب قبل متم شهر أكتوبر 1975 وأصبح الملك الحسن الثاني في غنىً عن تنظيم المسيرة الخضراء. غير أن تعنت وزير الخارجية الاسباني وتماهيه مع الاطروحة الانفصالية الجزائرية هي التي حالت دون تحقيق ذلك الاتفاق الثنائي وستدفع الملك الحسن الثاني في آخر المطاف إلى تنظيم المسيرة الخضراء باعتبارها آخر ورقة لحمل الحكومة الاسبانية على الانصياع لمطالبه. وعلى الرغم من نجاح الملك الحسن الثاني في ربح رهان استرجاع الصحراء فعلياً، فإن الجزائر ستستغل الجدل السياسي والإعلامي الذي رافق التوقيع على اتفاق مدريد والانقسام الذي كان حاصلاً في صفوف الطبقة السياسية الاسبانية لدفع الحكومة الاسبانية التي تم تنصيبها غداة وفاة فرانكو وصعود الملك خوان كارلوس للحكم للتملص تدريجيا من اتفاق مدريد.
وكانت أولى بوادر تملص إسبانيا من هذا الاتفاق وتبنيها لاتفاق يتماهى مع الطرح الجزائري القائل بأن اتفاق مدريد « كان باطلاً » هي إعلان وزير الخارجية خوصي ماريا دي أريلزا في بداية 1976 أن عملية إنهاء الاستعمار في الصحراء لم تكتمل طالما أن شروط تمكين سكان الصحراء من تقرير مصيرهم لم تُستوفى. وكان هذا الخطاب متماهيا مع الخطاب التي استعملته الجزائر في كل الرسائل التي وجهتها للأمانة العامة للأمم المتحدة ومجلس الامن غداة التوقيع على اتفاق مدريد للطعن في مشروعيته وقانونيته. وهي نفس السردية التي بنت عليه الجزائر سرديتها المتعلقة بالنزاع منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا.
غير أنه على الرغم من تبني إسبانيا لهذا الخطاب الذي يتنافى مع نص وروح اتفاق مدريد، فإن الجزائر لم تكن قد نجحت بعد في قلب الطاولة على المغرب وجعله في موقف الدفاع. حتى تصبح الجزائر في وضع يمكنها من التشكيك بشكل مقنع في القيمة القانونية لاتفاق مدريد، كانت في حاجة في أن تحصل على إعلان رسمي من الحكومة الاسبانية مفاده أن أعضاء الجماعة الصحراوية الذين حضروا الاجتماع الذي عقد بتاريخ 26 فبراير 1976، والذي صوّت خلاله الأعضاء لصالح إعادة دمج الصحراء مع المغرب ليس هم الممثلون الشرعيون لسكان الإقليم، وأن البوليساريو هو الممثل الوحيد لما يسمى بالشعب الصحراوي.
تحقيقاً لهذا الغرض، ستعمل الجزائر على ابتزاز الحكومة الاسبانية من خلال استعمال ورقة انفصال إقليم جزر الكناري، حيث أعطت اللجوء السياسي لأنطونيو كوبيلو، زعيم حركة انفصالية ظهرت في أواسط السبعينيات، ووفرت له الدعم الإعلامي من خلال تمكينه من بث برامجه التحريضية على أمواج التلفزة والإذاعة الجزائرية. ولم تكتف الجزائر بذلك، بل سخرت كل نفوذها السياسي داخل منظمة الوحدة الافريقية لحثها على اعتبار الحركة الانفصالية الهامشية التي كان يتزعمها كوبيلو « حركة تحررية افريقية » وأن جزر الكناري « مستعمرة افريقية ». وبعد زهاء ثلاث سنوات من الضغط والابتزاز الرهيبين اللذين تعرضت لهما حكومة رئيس الوزراء الاسباني أدولفو سواريز وتعاطف وسائل الاعلام الاسبانية اليسارية مع أطروحة الانفصال، أعلنت الحكومة الاسبانية في صيف عام 1979 بأن البوليساريو هي « الممثل الشرعي للشعب الصحراوي » وأن الصحراء لا زالت تعتبر « إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي ».
وقد لعب هذا الانقلاب الاسباني على اتفاق مدريد دوراً حاسما في ترجيح الكفة لصالح الجزائر إن على المستوى القاري داخل الاتحاد الافريقي أو على مستوى الأمم المتحدة. ولعل خير دليل على تأثير هذا الموقف الاسباني على سيرورة النزاع هو الارتفاع المفاجئ في عدد الدول التي أصبحت تعترف بالجمهورية الوهمية التي ترعاها الجزائر، حيث وصل مع بداية عام 1980 إلى ما يزيد عن 40 دولة في وقت لم يكن عدد الدول التي كانت تعترف فيها قبل صيف 1979 18 بلداً. الأكثر من ذلك أن هذا الزخم الذي حققته الجزائر من خلال هذا الموقف الاسباني تُرجم على مستوى الأمم المتحدة، ذلك أن الجمعية العامة ستعتمد في خريف عام 1979 وخريف عام 1980 قرارين ستصف فيهما المغرب لأول وآخر مرة على أنه « يحتل الصحراء ». وحينما حققت الجزائر تلك الاختراقات الدبلوماسية التي عمقت عزلة المغرب لم يخطر على بال قادتها قط أن المملكة الشريفة تمتلك ما يكفي من المرونة والحكمة والصبر للتغلب على كل الصعاب التي واجهتها وأن عجلة الزمان ستدور وسيصبح المغرب هو الذي يفرض قوانين اللعبة.
وبالتالي، خلافاً لما قد يظنه البعض فإن الجزائر لم تشارك في محادثات مدريد التي رعتها الولايات المتحدة من أجل إعادة ضبط قواعد اللعبة، بل شاركت رغماً عنها وإدراكاً منها بأن موازين القوة إن على المستوى الإقليمي والدول قد تغيرت وأن المناخ السياسي لم يعد يقبل بوجود كيانات وظيفية مزعزعة للاستقرار مثل جبهة البوليساريو. وبما أن قرار مجلس الامن رقم 2797 قد حدد الإطار السياسي الذي ستدور حوله المفاوضات، فإن المفاوضات التي ستجرى في الفترة القادمة ستكون ذات طابع تقني، حيث ستحاول الجزائر والبوليساريو الحصول على أكبر قدر من التنازلات في الوقت الذي سيحرص المغرب على عدم المساس بالأمور المتعلقة بسيادة المملكة الشريفة على الصحراء المغربية. وبما أن الجزائر تبنت على مدى السنوات الماضية سياسة تميزت بالمغالات والتمادي في العداء للمغرب وشيطنته، فستكون في الفترة القادمة في حاجة ماسة إلى إعداد الرأي العام الجزائري للقبول بفكرة جلوسها لطاولة المفاوضات مع المغرب وتخليها عن أطروحة الانفصال والاقرار بأن الصحراء جزء لا يتجزأ من المغرب.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *