Home»Débats»الخروج من الباب الضيق.. قراءة في تشريح رحيل أخنوش وهندسة المشهد الحزبي المغربي..

الخروج من الباب الضيق.. قراءة في تشريح رحيل أخنوش وهندسة المشهد الحزبي المغربي..

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني

الحدث بدا، للوهلة الأولى، كتطبيقٍ مدرسيٍّ لنصٍّ دستوري. رئيس حزب يعلن، في نهاية ولايتين متتاليتين، عدم ترشحه مجدداً، محتجاً بضرورة “احترام النظام الأساسي” و”تسليم المشعل”. لكن تحت هذه الطبقة الرقيقة من الشكليات الديمقراطية، يشتغل محرك مختلف تماماً. إنه ليس رحيلاً عادياً، بل هو خروج منظم عبر الباب الضيق، عملية جراحية سياسية دقيقة تهدف إلى استئصال رمز أصبح عبئاً، مع الحفاظ على الجسد الحزبي ذاته وآليته الانتخابية القوية. هنا، يتحول احترام “النظام الداخلي” – وهو أمر نادراً ما حكم الممارسة الحزبية المغربية التي عرفت تعديلات لا تحصى لتمديد ولايات الزعامات – إلى أداةٍ للمناورة، وإلى “نكتة تبعث على الضحك” في مشهد يعرف جيداً أن القادمين الجدد غالباً ما ينزلون بالمظلة من مراكز تقنية أو دوائر الأعمال، لا من صفوف القاعدة الحزبية.

فجأة، دون إنذار مسبق يقود إلى صدمة داخل الحزب، أعلن عزيز أخنوش قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس التجمع الوطني للأحرار، وذلك قبل أشهر فقط من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة. المفارقة تكمن في أن هذا الإعلان جاء بعد يوم واحد فقط من ترؤسه للمجلس الوطني للحزب، حيث كان يحدث الأعضاء عن “النجاحات والاستعداد للفوز في الانتخابات المقبلة”، دون أن يلمح إلى نيته الرحيل. هذا التوقيت المفاجئ، في عز التحضيرات الانتخابية وليس في أعقاب فشلٍ انتخابي كما هو العرف، يحول القرار من خطوة تنظيمية روتينية إلى رسالة سياسية معقدة تحتاج إلى فك شفرات السياق الذي أُنتجت فيه.

التحليل السطحي قد يكتفي بمسوغات الرجل نفسه: “القيادة ليست إرثاً”، و”هذا هو الوقت الأمثل لتسليم المشعل”. ولكن الغوص في أعماق المشهد يكشف ثلاثة سيناريوهات كبرى، تتراوح بين الشخصي والرمزي والتفاوضي. فالقرار قد يكون، أولاً، انسحاباً وقائياً لرجل أعمال يحسب كلفة البقاء في الواجهة. لقد حولت الاحتجاجات الشعبية، خاصة حركة “جيل زد” التي هتفت بسقوط حكومته وطالبت بمقاطعة شركاته، موقع أخنوش من فاعل اقتصادي-سياسي إلى “نقطة تركّز للغضب الاجتماعي”. وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في ثقة المغاربة بأداء حكومته، حيث تجاوزت نسبة الرفض مستويات عالية. في هذه الحسابات، يصبح الانسحاب المنضبط “أداة لتقليص الخسائر” وحماية الإمبراطورية الاقتصادية من المخاطر السياسية والسمعية المتصاعدة.

أما السيناريو الثاني، فيتعلق بهندسة المشهد السياسي الأوسع. هناك من يرى في القرار خطوة لـ”فسح المجال للتفاوض مع الدولة لاستمرار حزب الأحرار في قيادة الحكومة المقبلة بوجه جديد”. لقد أدى نموذج “رجل الأعمال في تدبير الشأن العام” إلى توترات مؤسساتية، لعل أبرزها التوتر الملفت مع وزارة الداخلية، مما يجعله، ربما، الوجه غير المرغوب فيه لقيادة مرحلة مقبلة حساسة مثل “حكومة المونديال”. الرحيل الآن قد يكون مقايضة ضمنية: التخلي عن زعامة الحزب مقابل ضمان استمرارية هيمنته السياسية، أو على الأقل، عدم إعاقة مساره الانتخابي القوي.

ويتقاطع مع هذا التفسير سيناريو ثالث يرى في الإعلان استعراضاً للقوة من خلال التنازل. إنه صنع لحدث إعلامي يكرّس صورة الزعيم المتسامح الذي يتنازل طوعاً في أوج نجاحه، بينما الواقع يقول إن ولايته كانت ستنتهي حكماً مع انعقاد المؤتمر الوطني العادي. إنها محاولة لتحويل ضرورة تنظيمية إلى مكسب رمزي، وتوجيه رسالة للخصوم وللدواخل الحزبية بأن القرار قراره، وأنه لا يزال يمسك بخيوط اللعبة.

ولكن، إلى من يسلم المشعل؟ الإجابة جاءت لتكشف آليات اشتغال أعمق من السطح. فالتوجه نحو مرشح وحيد، محمد شوكي، رئيس الفريق البرلماني للحزب، ليس تعبيراً عن إجماع داخلي بقدر ما هو إقصاء مُهندس سلفاً للتنافس. والأكثر دلالة أن المرشح، كما يرى العديد من المراقبين، لا ينتمي إلى القلب النضالي التاريخي للحزب، بل هو شخصية ارتبطت دوائر عملها بمجموعة “أفريقيا غاز” التابعة للتكتل الاقتصادي لأخنوش. هذه السيرة تلخص جوهر التحول الذي شهده الحزب: من فضاء سياسي، ولو كان محدوداً، إلى ذراع سياسي لمجموعة مصالح اقتصادية. إنه تحول يجعل من الولاء للمشروع المالي-السياسي، وليس الأيديولوجيا أو البرنامج، معيار الترقية والوصول إلى القيادة.

هذا النموذج هو الذي يفسر “الاشمئزاز” الذي تشعر به زعامات حزبية تاريخية داخل “بيت الحمامة”، كما يصفه المحللون. فالسلطة داخل الحزب لم تعد تُكتسب عبر الخطاب السياسي أو العمل التنظيمي بين القواعد، بل عبر القرب من مراكز الثقل الاقتصادي والقدرة على تحريك الدواليب المالية. لقد تحول الحزب إلى “آلة انتخابية” ضخمة، تعمل بوقود مالي وفير، تهدف في المقام الأول إلى حماية المكاسب وضمان استمرارية النفوذ في دواليب الدولة، وهو ما يجعله قوياً من الخارج، لكنه هش من الداخل، قائم على ولاءات ظرفية قابلة للتصدع عند أول اختبار حقيقي.

رحيل أخنوش، بهذا المعنى، ليس نهاية نموذج، بل هو ترسيخ وتكريس له. فالخليفة المفترض يأتي من رحم التكتل الاقتصادي نفسه، مما يؤكد أن سيطرة النخبة المالية-السياسية على الحزب ستستمر، بل ربما تصبح أكثر مباشرة. الزعيم الجديد سيكون، كما كان بعض الوزراء الحاليين، “موظفاً رفيعاً” في منظومة أوسع، مهمته قيادة المرحلة الانتخابية بنجاح، بينما تبقى خيوط القرار الإستراتيجي الحقيقية في أيدي غير مرئية.

هذه الدينامية لا تقتصر على حزب “الأحرار” وحده، بل هي العرض الأكثر وضوحاً لمرض عام يصيب الجسد الحزبي المغربي. فحزب الأصالة والمعاصرة، ذلك المنافس التاريخي، يعيش هو الآخر على “بركان” من التصدعات الداخلية تحت قيادة ثلاثية مشتتة، تجعل مستقبله أمام مفاجآت غير مسبوقة. القانون التنظيمي للأحزاب، الذي كان يهدف إلى ترسيخ الديمقراطية الداخلية وتداول السلطة، تم التحايل على مقتضياته باستمرار. لقد أصبح تعديل الأنظمة الأساسية لتمديد ولايات الأمين العام “عرفاً سيئاً” سائداً، شهدته أحزاب كبيرة من العدالة والتنمية إلى الاتحاد الاشتراكي والاستقلال. في هذا السياق، يبدو قرار أخنوش الاستثنائي كاعتراف ضمني بفشل هذا النموذج، أو على الأقل، بوصوله إلى نقطة الاستنفاد السياسي.

على أن التحدي الأكبر يكمن في القطيعة السحيقة بين هذه الأحزاب المهندسة والقاعدة الشعبية. فالحزب الحاكم، رغم آليته الانتخابية القوية، لم يستطع تحويل هيمنته البرلمانية إلى رصيد ثقة شعبية. الاحتجاجات الاجتماعية، وتراجع نسب التصويت المتوقعة، وتصاعد خطاب المقاطعة، كلها إشارات إلى أن النموذج القائم على تحالف النخب المالية والسياسية قد أنتج حكومة بلا شرعية شعبية حقيقية، وحزباً بلا حياة ديمقراطية داخلية. عندما يصبح الهم الأوحد للجهاز الحزبي هو الفوز في الانتخابات بأي ثمن، وليس تمثيل فئة أو الدفاع عن فكرة، فإنه يفقد روحه ويصبح مجرد أداة في لعبة أكبر.

ما بعد أخنوش، إذن، ليس بداية عهد جديد، بل هو فصل جديد في السردية نفسها. سردية النظام السياسي المغربي الذي يدير، بدقة وحرفية، مشهد التعددية الحزبية، فيزرع حيث يشاء، ويقلع حين يشاء، ويُهندس التحالفات والخلافات والرحيلات. إنه مشهد تُدار مفاتيحه خارج صناديق الاقتراع، في دهاليز تفاوضية خفية، حيث توازنات القوى والمصالح هي اللغة الوحيدة السائدة. القادم، محمد شوكي أو غيره، سيكون رجلاً لهذه المرحلة بالذات: وجه جديد يُقدَّم للرأي العام كتجديد، بينما الآلة التي سيديرها هي ذاتها، واليد التي تُحركها هي نفسها.

الخروج من الباب الضيق لأخنوش، في النهاية، هو اعتراف بفشل مشروع سياسي حاول أن يلبس ثوب الزعيم الشعبي وهو يحمل في جعبته حسابات رجل الأعمال، وثقة الدولة العميقة وهو يواجه غضب الشارع. لكنه أيضاً دليل على مرونة الدولة وقدرتها على استيعاب الصدمات والتجديد من الداخل دون زعزعة التوازنات الكبرى. السؤال الذي يظل معلقاً، كسحابة داكنة قبل انتخابات 2026، هو: إلى متى يمكن لهذه المرونة أن تستمر في بيئة اجتماعية تزداد احتقاناً، وشباباً يزداد إحساساً بالغربة عن هذا المسرح السياسي المُعدّ بعناية، وأحزاباً تتحول إلى هياكل فارغة، قوية بالمال، ضعيفة بالشرعية، تنتظر، هي الأخرى، دورها للخروج من الباب الضيق؟
https://respress.maالمصدر .

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *