Home»Débats»« بعد عدم فوز المغرب بالكأس : الحمير لا تشارك في سباق الخيول لكنها تضحك دائما من الحصان الخاسر »

« بعد عدم فوز المغرب بالكأس : الحمير لا تشارك في سباق الخيول لكنها تضحك دائما من الحصان الخاسر »

0
Shares
PinterestGoogle+


سعيد حجي

في نهائي « الكان » بالأمس ، انكسرت أقنعة كثيرة، وسقطت وجوه عربية كانت تختبئ طويلا خلف ابتسامات زائفة وشعارات جوفاء. خرج بعضهم إلى الشوارع كما تخرج الكائنات الليلية من جحورها حين يهدأ الضوء، خرجوا وهم يصفقون لخسارة غيرهم، كأنهم وجدوا أخيرا نافذة يتنفسون منها هواء الحقد المتراكم في صدورهم، كأنهم وجدوا في دمعة الآخر وطنا مؤقتا…
ذلك المثل القديم يطلّ هنا كحجر أخلاقي ثقيل: « الحمير لا تشارك في سباق الخيول لكنها تضحك دائما من الحصان الخاسر »
ليس لأن الحمار شرير، بل لأنه عاجز عن الجري، ولأن العجز حين يطول يتحول إلى سخرية، وحين يعجز الجسد عن السباق يعوضه اللسان بالقهقهة…
الذين خرجوا يهتفون لم يكونوا يحتفلون بانتصار السنغال، فالفوز الحقيقي يحتاج روحا تعرف معنى المنافسة، يحتاج قلبا يتسع للاعتراف بالجميل، يحتاج وعيا يرى في الرياضة مسارا للكرامة لا ساحة لتصفية الحسابات. ما حدث كان احتفالا بالهزيمة، نشوة مرضية بسقوط الآخر، كأنهم وجدوا في تعثر المغرب ترياقا مؤقتا لمراراتهم المزمنة…
كرة القدم، في جوهرها، ليست لعبة أقدام فقط، إنها لعبة أرواح، مسرح مفتوح للبنى النفسية، اختبار جماعي للوعي الجمعي، مساحة تتجسد فيها كل التوترات المؤجلة، كل عقد النقص، كل أشكال الغيرة الاجتماعية. مباراة واحدة قادرة على كشف الفجوة بين من يرى في الإنجاز قيمة، ومن يرى فيه استفزازا شخصيا…
الهتاف على خسارة أخيك لا يصنع رجولة، يصنع مرآة قاسية تعكس هشاشتك الداخلية. الفرح على سقوط غيرك لا يرفعك شبرا واحدا عن أرضك، بل يفضح مقدار الحفر التي تعيش فيها. هناك فرق بين من يسقط واقفا في النهائي، ومن يسقط جالسا في المدرجات منذ الادوار الأولى ثم يصفق للسقوط…
في العمق، ما شاهدناه كان انفجارا مكبوتا، ارتدادا هستيريا لعقد اجتماعية لم تجد طريقها إلى المصالحة مع الذات. حين يفشل الإنسان في صناعة مجده، يبدأ في كره مجد الآخرين، وحين يعجز عن بناء معنى لحياته، يبدأ في هدم معاني غيره. هنا تتحول الشماتة إلى آلية دفاع نفسي، ويتحول الضحك إلى قناع فوق وجه مكسور…
تمرّ روح ديݣنز من هذا المشهد كظل طويل، ذلك الذي رأى في الإنسان كائنا مأزوما يحمل داخله استعدادا دائما للانحطاط حين يُجرّد من المعنى، وحين يُترك وحيدا مع جراحه. كأن شخوصه خرجوا من كتاباته إلى الشوارع العربية ، يهتفون، يرقصون، يخفون بؤسهم خلف طبول رخيصة….
وفي الخلفية، يطلّ نيتشه كصوت فلسفي جاف، يهمس بأن أخلاق الشماتة هي أخلاق العاجزين، وأن الضغينة حين تتحول إلى احتفال تصبح دينا اجتماعيا فاسدا، يُربّى عليه الصغار، ويباركه الكبار، ويُقدَّم كقيمة زائفة…
الهزيمة في النهائي شرف رياضي، شهادة حضور في القمة، ختم كفاءة لا يملكه إلا من عرف طريق المنافسة. أما الاحتفال بخسارة الآخرين فهو توقيع أخلاقي على عقد الإفلاس الرمزي…
ما جرى لم يكن فرحا، كان تشنجا، لم يكن نشوة، كان إفرازا جماعيا للسموم النفسية، لم يكن احتفالا، كان طقسا بدائيا لطرد الإحباط. الضفاضع خرجت من المستنقع للحظات، نقيق مرتفع، حركات مرتبكة، جلد لامع تحت الأضواء، ثم عادت مسرعة إلى الوحل الذي يمنحها وهم الأمان…
المغرب خسر كأسا، لكنه ربح صورة فريق يصعد ولا يختبئ، يواجه ولا يساوم، يحلم ولا يتوسل. خسر مباراة، ربح معنى. أما أولئك الذين رقصوا على الهزيمة، فقد ربحوا دقيقة ضحك، ثم عادوا إلى واقعهم كما يعود المدمن إلى وحدته.
ويبقى المثل معلقا في الذاكرة كوصية أخلاقية قاسية
سباق الخيول لا يتسع للحمير، والحصان الخاسر يظل حصانا،
أما الضحك من الرصيف فلا يصنع سباقا، ولا يصنع تاريخا، ولا يصنع انتماء …

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *