بين الرياضة والذاكرة حين يقابَل كرم الضيافة بجزاء سنمار ويُنسى التاريخ

ذة.سليمة فراجي


لا يختلف اثنان على أن المغرب، من خلال تنظيمه لمباريات كأس إفريقيا، قد قدّم نموذجًا مشرفًا في حسن التنظيم وجودة البنية التحتية، من ملاعب حديثة، ومرافق متكاملة، ومدن نظيفة، ونقل منظم، وفنادق تليق بضيوف القارة. وهو إنجاز لم يكن الغرض منه التباهي، بقدر ما هو تعبير عن مسار تنموي اختاره المغرب بثبات، وشهد له القاصي والداني.
غير أن ما آلم حقًا، وأثار الاستغراب والأسى، هو إصرار بعض الأصوات وليس كلها من الجارة الجزائر ، وخصوصًا فئة محدودة من المشجعين الجزائريين الذين رافقوا منتخبهم، على تبخيس هذا المجهود، بل والتعمد أحيانًا الإساءة إلى البلد المضيف. فقد تم تسجيل سلوكيات مؤسفة، من افتعال الفوضى، ونبش النفايات وتشتيتها من أجل التقاط صور تُقدَّم على أنها دليل “انعدام النظافة”، أو اختيار نقاط معزولة ومظلمة وتصويرها على أنها تعكس واقع المدن المغربية، مع تجاهل متعمّد لكرم الضيافة وحسن الاستقبال، بل وخلق أجواء من الشغب والفتنة لا تخدم الرياضة ولا الأخوة بين الشعوب.
ومما زاد من مرارة الإحساس، استمرار استعمال أوصاف قدحية من قبيل “المروكي” أو “المروكية” في حق المواطن المغربي، وهي عبارات لا تعكس سوى عداء لغوي ونفسي متجذّر، لا يمكن تبريره لا بالرياضة ولا بالتنافس الكروي.
وأنا أتابع هذه الأحداث كمواطنة مغربية يهمها الشأن المغاربي، ومن مدينة وجدة ذات البعد الإقليمي والمغاربي، وجدت نفسي أستحضر الذاكرة، وأعود إلى صفحات من التاريخ ما زالت حاضرة في شهادات عائلات وجدية، وأخرى من تلمسان ومغنية وندرومة والغزوات. فقد عاشت وجدة، خلال محنة الجزائر ونضالها من أجل الاستقلال، أدوارًا إنسانية وتاريخية لا يمكن إنكارها. ففي سنة 1961، أي قبل استقلال الجزائر بعام واحد، تعرّضت محطة البث الإذاعي الجهوي بوجدة للتخريب من طرف كوماندو فرنسي، عقابًا للمدينة على احتضانها للمجاهدين ودعمها لهم. كما لا يزال قصف 18 فبراير 1962، حين أغارت طائرتان فرنسيتان من نوع T6 انطلقتا من قاعدة وهران على مقر جبهة التحرير الوطني بوجدة، راسخًا في ذاكرة الساكنة، بما خلّفه من رعب وألم.
كانت وجدة، المدينة الألفية، لا تفرّق بين أبنائها والمجاهدين الجزائريين، إيمانًا منها بوحدة الشعبين ووحدة المصير. آنذاك لم يكن الحديث عن التكامل الاقتصادي أو الحسابات السياسية الضيقة، بل كان الهاجس الأكبر هو التلاحم والتآخي، وحلم مغرب كبير حرّ ومستقل.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما كتبه الصحفي والكاتب الجزائري محمد سيفاوي، في كتابه «الجزائر إلى أين؟»، حيث أشار بوضوح إلى أن النظام زرع في وعي المواطنين “فيروس الشك”، وكرّس خطاب العداء ونظرية المؤامرة. وقد ذكّر، بجرأة، بأن المغرب ساند المجاهدين الجزائريين واحتضنهم خلال حرب التحرير، وأن استمرار استعمال عبارات قدحية ضد بلد شقيق لا يخدم إلا تكريس عقلية متحجرة، في وقت كان الأجدر فيه توجيه الجهود نحو مناهضة الفساد وبناء بدائل حقيقية.
ختامًا، وأنا أتابع مباريات كأس إفريقيا، وقد حضرت بعضها داخل الملاعب، وعاينت عن قرب مستوى التنظيم والانضباط وحسن الاستقبال، لا يسعني إلا أن أعبّر عن فخري بوطني، وفي الوقت نفسه استنكاري لتلك التصرفات المسيئة الصادرة عن قلة، في نفوسها كره لا يليق لا بالرياضة ولا بالعلاقات بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والدين والروابط الدموية والتاريخ والمصير المشترك.
فالاختلاف لا يبرر الجحود، والنقد لا يكون بالإساءة المتعمدة
والمغرب يستمر وفي سباق التميز ليس هناك خط للنهاية





Aucun commentaire