Home»Débats»السفه العقدي بين البواعث النفسية والمؤثرات الشيطانية

السفه العقدي بين البواعث النفسية والمؤثرات الشيطانية

0
Shares
PinterestGoogle+

الدكتور محمد بنيعيش
أستاذ الفكر والحضارة
المغرب، وجدة

أولا: وسوسة الشيطان واستدراج النفس الغريزية

إن الحديث عن السفه النفسي بأنواعه العقدية والسلوكية والمالية وربطه بالنفس الأمارة بالسوء باعتباره أهم مظاهرها ليس مجرد تنضيد فكري واستعراض بياني محض قد يمكن توسيع الحديث عنه في حقل لغوي ولربما فقهي محض ، وإنما هو تمهيد موضوعي ومؤسس لقضية أخرى لها من الدلالات النفسية ما تفتقده أغلب الدراسات النفسية سواء في الماضي أو الحاضر.
فالنفس -كما ورد وصفها في القرآن الكريم – أمارة بالسوء،وهذا التأمر قد يجعل العنصر الواعي في الإنسان إما في حالة المجاهدة أو في حالة المساعدة ، لكنه في حال غياب المجاهدة لم يبق بعد ذلك سوى مساعدة النفس على تأمرها والاستجابة لنداءاتها ولو نسبيا،وعند هذه الاستجابة يكون الإنسان قد دخل طور السفه بكل صوره،أدناها السفه المالي ، وأعلاها السفه العقدي.
وفي حالة ما إذا استعصى على النفس استدراج العنصر الواعي في الإنسان إلى السفه العقدي، فإن السفه المالي والشهوي أو الغريزي الجسدي عموما سيكون أقرب إلى منالها وضغوطها،وعند هذا الخلل النفسي الابتدائي يكون عنصر خارجي غير مرئي بالمرصاد لتأجيج الدعوة إلى الانغماس في هذا السفه الابتدائي حتى يتسنى له التوريط في النهائي وهو السفه العقدي.
هذا العنصر قد اصطلح عليه القرآن والحديث النبوي بمصطلح الشيطان أو إبليس،ويمثل عنصرا متخصصا في الإخلال النفسي وزعزعة الاستقرار واستعمال أسلوب المكايدة والمباغضة وكل أنواع الشرور التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى العقد النفسية الحادة،والاختلالات الاجتماعية المدمرة،والهلاك الأبدي.
فالشيطان له قصة طويلة مع بني آدم منذ أن خلق الله الإنسان وصوره في أحسن صورة،قد ابتدأت في عالم غيبي و دلنا على أحداثها القرآن الكريم والأحاديث النبوية بتفصيل دقيق وتحديد عميق لخلفية الصراع بين الإنسان والشيطان، كما نصت عليها الآية الكريمة في قول الله تعالى: »وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين،وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين،فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو،ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين،فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.قلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ».
وهذا الاستكبار النفسي الذي وقع فيه إبليس- الشيطان- قد كان سببه نفسيا بالدرجة الأولى ومؤسسا على المقايسة المغلوطة والرؤية السطحية للعنصر النفسي الذي يتمظهر به آدم،ومن ثم وقع في خطأ القياس الفاسد، ظانا منه أنه الأفضل والأسمى. فكان هلاكه في الحقيقة من نفسه وانطوائيته على ذاته حتى اعتقد توهما أن لها تميزا ذاتيا مستحقا،لكنه نسي أنه مخلوق لا دخل له في خلق ذاته،وأن آدم كذلك مخلوق .
لكن المخلوق قد لا يتميز عن المخلوق ويمتاز عليه إلا بمميز:وهو الخالق سبحانه وتعالى. فكان اعتراض إبليس على تفضيل آدم عليه في الحقيقة هو اعتراض وسفه عقدي وسوء أدب مع الله تعالى ،ومن ثم استحق الطرد من رحمته بسبب هذه المقايسة النفسية الفاسدة.
ولقد صور لنا القرآن الكريم هذا الموقف الإبليسي في قول الله تعالى: »ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين.قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين. قال أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ».
فهذا القياس هو نفسه -كما سبق ذكره- سيوظفه المعترضون على الرسل والأنبياء والأولياء العارفين بالله تعالى. ويمثل صورة من صور النفس الأمارة بالسوء التي تنطبق على الإنسان وعلى الشيطان ، كما أن النفس الإنسانية تلتقي مع النفس الشيطانية في عدة صور أخرى ،من بينها بالدرجة الأولى الوسوسة والأمر بالسوء والتسويل.
فالوسوسة نجد التنصيص عليها في قول الله تعالى: »فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين « ، »الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ».
ونظرا لخطورة هذه الوسوسة الشيطانية وآثارها العقدية والسلوكية والنفسية بصفة عامة، فقد اهتم القرآن بالتصدي لها أيما اهتمام حتى إنه قد نزلت سورة خاصة بالدعوة إلى التصدي لها ومقاومتها ،سواء كانت وسوسة مباشرة أو غير مباشرة، في شكل نفس إنسانية أو نفس جنية غير مرئية. وذلك في قول الله تعالى: »قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس »، وكذلك نجد عدة آيات تحث على توظيف سلاح الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كأهم الوسائل لمقاومته وصرف تأثيراته الوسواسية عن النفس الإنسانية،لغاية أنه قد يصل إلى درجة الأمر بالسوء على سبيل السيطرة والتحكم في التصور الإنساني والاستحواذ على قدراته الواعية إذا لم يحاربه في البدايات الأولى من وسوسته.

ثانيا:وسوسة الشيطان والتمهيد نحو الطريق المسدود

إذ من خصائص وسوسة الشيطان أنه قد يستعمل أسلوب الكيد والتمهيد التدريجي للإيقاع بالإنسان في دوامة القنوط وبالتالي التمادي في الانزلاق العقدي والسلوكي،مما قد يؤدي إلى السفه العقدي الذي يعني هلاكه وهلاك من حوله.
ولهذا فلقد جاء الخطاب القرآني منبها على خطورة هذا المخلوق الخبيث والمعادي للإنسان وذلك في هذا النداء الكريم: »يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان،ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر الفحشاء والمنكر،ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا،ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم « ، »يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم،إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون « ، »إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم « .
فالوسوسة والأمر بالسوء والتسويل، بالإضافة إلى الغياب عن الملاحظة الحسية، هي أهم عناصر المطابقة بين النفس الأمارة بالسوء والشيطان عدو الإنسان.وهذا التطابق إذا لم يتفطن له عند الملاحظة النفسية والتصرفات العادية فقد يؤدي إلى اتحاد وتواطؤ لا شعوري مع النفس الإنسانية ستصبح بعده القيادة بيد الشيطان لغاية الصرع والمُماسَّة كما يدل على ذلك قول الله تعالى: »الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس،ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا « ، » استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله،أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون »،وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: »إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم « .
وهذه السيطرة التي يحققها الشيطان على سلوك الإنسان ليست ابتدائية وإنما هي نتيجة تدرج (خطوة خطوة) من البسيط إلى المعقد،ومن التمييز إلى التعجيز، بحيث سيصبح الشخص عاجزا عن تقدير مصلحته من مضرته فيقع حينئذ في ضعف تصوري وإدراكي إما عن طريق ذاتي أو موضوعي بواسطة إغراءات وهمية خارجية تعمل على الإخلال بالتوازن النفسي،أي أن المآل يكون دائما ذاتيا.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *