Home»Débats»الصحافة الحرة .. الوجه الآخر للديمقراطية

الصحافة الحرة .. الوجه الآخر للديمقراطية

1
Shares
PinterestGoogle+
 

     لقد كانت الصحافة ولاتزال مهنة المتاعب بدون منازع، نظرا لما يعترض فرسانها الأحرار من مطبات ومخاطر قد تهدد حياتهم في الكثير من الأحيــان.. ثم لأنها ـ الصحافة ـ هي التعبير عن الوجه الآخر عن الديمقراطية، فلا ديمقراطية بدون صحافة حرة ، لأنها هي المرآة الحقيقية التي تمكن الشعب من مراقبة السلطة و نقدهـا، و لأجل ذلك سُميت بالسلطة الرابعـة .. إنها بالفعل سلطة ، تمتلك كل وسائل التجييش و التدجين و التحريض والتعبئة و التهدئة .
ولكونها سعت دائما إلى خلق نوع من الرقابة على سلوكات الحكام و رجال السلطة ومن يدور في فلكهم ، فإن ذلك جعلها في الكثير من الأحيان تعاني التضييق والحصار و التقريع والمنع . في ظل الأنظمة والحكومات الاستبدادية، التي تجد من المهم لها عدم التعرض لقراراتها الشاذة، أو سياساتها المنحرفة، فتلجأ إلى تكميم الأفواه الحرة وإغماض الأعين المترصدة الساهرة على حماية الشعب ومقدراته الحيوية.. فتعاقب الصادحين بالحق والمنتقدين للصاحب القرار، تارة بالقوانين العادية التي يتم تكييفها لتلائم حالة الوقيعة بأصحاب الرأي الحر، وتارة بقوانين استثنائية تفصلها تفصيلا على مقاس الحاكم، لتكون سوطَـهُ المسَلّط على كل من سولت له نفسه الاعتراض أو النقد لسياساته الاستبداديـة.
يأتي هذا الحديث عن الصحافة والحاكم ، في سياق التأفف والانزعاج الكبير الذي تبديه الحكومات في بلادنا، من كتابات بعض كتابنا، على صفحات الجرائد والمواقع الحرة.. كتابات لم تتعرض إلى شأن شخصي يهم وزيرا أو مسؤولا، لا في عرضه ولا في دينه ولا في ماله، ولا في أمر يهمه في شخصه، بل تناول أصحابها ما يرونه بأم الأعين على أرض الواقع، واقع لا يمكن إخفاؤه، أو التعتيم عليه، لأنه باد للجميع، ومنتصب كانتصاب الأزمة في أعين الناس، لأنه لا يمكن إخفاء الشمس بالغربال كما يقول المثل ..
لقد قام زمرة من وزراء الحكومة الموقرة وبعض المحسوبين على المخزن ، بالتعريض ببعض مناضلي الحراك و التشكيك في خلفياته ، مثلما تم التعريض أيضا بأصحاب بعض الكتابات التي تصدّت لهذا الحراك ، بل طال التعريض أيضا ، أصحاب بعض المنابر الإعلامية الورقيــة والالكترونية التي استضافتهم ،حيث كيل لهم وابِــلٌ من السِّباب والتقريع، الذي إن حدث و وقع في بــلاد تحترم نفسها لحُرّكَـتْ على إثره مساطِر التحقيق و المتابعة القضائية، لأن تلك التصريحات تمسّ هؤلاء في وطنيتهم ، وتشكك في ولائهم لملك البلاد وللوطن، و تنتقص من صدقيتهم و حرصهم على مصالح الشعب المغربي.
لقد دأبت الحكومات المتعاقبة وبعض رموز المخزن ، على إعمال فكر المؤامرة و الدسيسة في كل تحاليلها وتقييماتها لأوضاع الناس ، إذ المواطنون عند هؤلاء فريقان لا ثالث لهما ، فريق معهم، يهلل لهم و يروج لبرامجهم و ينشر تصوراتهم و يساهم في بيع الأوهام للناس، بل و يدافـع عنها بكل الوسائل ، حتى المحظور منها ، وهو المقربُ و المستحب عندهم ، الذي يناله ما تجود به أيديهم الكريمة . و فريق معارض لهم ، مُناهض لسياستهم ، لا يستسيغون خطابــه، ولا يقبلون نقده و لا كشفه لمكامن الخلل ، و مواطن الضعف ، و هو المرفوض و الممقوت ، المشكك دائما في ولائـه للوطن ، المطعون في عقيدته و في مغربيته .. إنه ذات المنطق الغبي السائد منذ عقود .. إن لم تكن صديقي فأنت عَـدُوّي .
إنه في ظل مثل هذا الوضع الشاذ ، ينتشر الفساد ويشتدُّ عوده، ويتمكن من مفاصل الدولة، لأنه يجد المناخ الملائم للتكاثر ، مثلما تفعل الفطريات، التي لا تشتغل إلا في الظل، ومن وراء الأنــوار والأضواء . ومن ثم يعُـمّ الخراب وتسود الاتكالية وروح الانتهازية، التي تسيطر على الأنفس والأفئدة، ويصبح الفساد يُقارنُ بالفسادِ مثلِه أو بالأكثر فسادا، والقبيح يقارن بالأقبح، وهكـذا ..إلى أن تنعدم القيم الحقيقية ، والمثل العليا، التي تجعل الإنسان إنسانا ، وتجعل الوطن وطنـا يسع الجميع ، وليس وطنا لناس دون أناس، أو لفئة دون أخرى ..
إننا إذا كنا فعلا نرغب في بناء وطن حقيقي، وديمقراطية حقيقية، يعـمّ فضلهـا الجميع، ينبغي، بل يجب أن نؤسس لصحافة حرّة ومسؤولة، تتقيد بالقانون وبالمصلحة العامة للمجتمع، وباحترام حقوق الأفراد في حياتهم الخاصة، كما تحترم حق الجماعات في التكتل والتعبير عن الرأي والتمثيل والتأطير.. ومن ثمة ـ ومن باب إعطاء كل ذي حق حقه ـ وجب التأكيد أنه على الصحافي وجميع من يعمل في الميدان، أن يستحضروا في كل ما يكتبونه ، مبادئ الشرف والأمانة وآداب المهنة وأعرافهــا وتقاليدها السامية ، التي راكمها رواد القلم وفرسان الصحافة على مدى سنين طويلة من المعاناة، بذلوا من أجلها حريتهم ، بل وأحيانا كثيرة سلامتهم الجسدية و الحياتية .
كما لا يفوتنا أن ننبه إلى ما تشكل الصحافة الصفراء، والأقلام المأجورة على القيم والمثل السامية للمجتمع من خطر، وما تُسهم به في تعكير الأمن العام ، وإثارة المواطــن ، وشحنه بما لا يخدم المشروع الوطني المرتقب ..
إن الاعتبار الأخلاقي، يستوجب تأمين الحياة الخاصة، وعدم انتهاك خصوصيتها و حميميتها ، مع أن الاعتبار الأخلاقي نفسه، يُوجب التعرضَ أحيانا إلى ذوي الصفة العامة من المسؤولين و أولي الحل و العقد، عند التحدث عن مدى مصداقيتهم و أمانتهم. إلا أن ذلك لا يعني، أن تتحول حياتهم الخاصة إلى سِفْـر مفتوح لكل مُتَـلصِّص أو كل مقامـر .
نقول هذا ونحن نتابع السيل الهائل من الاتهامات بالفساد على الصحف هذه الأيام.. فكما لا نُنكر أن جو الحرية التي أُتيحت للصحافة ، قد بدأ يُأتى أكلـه ، وأن استمراره واتساعه، سوف يكون فيه خير وبركة للمجتمع ؛ لأن ما من أحد يريد أن يُكشَف فسادُه أو يصير مضغة تلوكها الألسن ، وهذا سيسهم بوجه من الأوجه في الحد من الفساد، أو التقليل من حجمه على الأقل، هذا من جهة، لكن في المقابل، على الصحافة أن تدرك حجم المسؤولية المُلقات على عاتقتها، وفي مقدمتها، الحفاظ على قيمة هامة يَحرص عليها كل إنسان، وهي الشرف والاعتبــار ..وما تجريمُ القذف إلا حماية لهذه القيمة، إذ أنه ليس من المقبول أن تتخذ الصحافة من حريتها ، ذريعة للتشهير بالناس، والخوض في أعراضهم، دون ضوابط مهنية، أو سقف أخلاقي .
إن الصحافة هي الوجه الآخر للديمقراطية فعـلا، لأنها تتنفس هواء الحرية وتقتات من ثمارها الزكية، وتستظل بوارف ظلالها البهية، حيث تسمو الهمم، وتعلو القمم، وتحترم الذوات كذوات، ولا تنتقد إلا الأفكار و السياسات، التي تطرح على العلن للنقاش والمطارحة و النقد ، لأن ذاك هو المؤشر على مصداقيتها أو عدمهــا.
إن الإصلاح الحقيقي، لابد أن يمـرّ عبـر تسليط الأضواء الكاشفة على بؤر الفساد أينما كانت، الشيء الذي يستدعي تحييد كل العراقيل والحواجز التي قد تُعيق الفعل الصحفي الحرّ و المسؤول.
وفي انتظار ذلك ، ندعو الجميع إلى الصبر على نار الحرية، فمن أراد نُورها فليَصْطَـلي بِنارها، وليحتسبْ ذلك قربانا للوطن .
محمد المهدي
تاوريرت – 28/05/2017

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.