Home»Débats»« رؤية استراتيجية » .. أم مقاربة أمنية ..

« رؤية استراتيجية » .. أم مقاربة أمنية ..

3
Shares
PinterestGoogle+

– كان السومريون ينعتون الأستاذ ب »باني الإنسانية »
–  لجن مركزية بالميدان لمراقبة الوهم
–  ضبط « الغياب » إهانة لهيئة التدريس وتعويم لمشاكل التعليم
–  .. طَاحْ .. مِن لْخِيمَة خْرَجْ مَايَلْ ..
–  لا يمكنني وضع ابني بين يدي متعاقدة أو متعاقد لتربيته وتعليمه
–  تاوريرت .. هل مدرسة العرفان في خبر كان .. وملاعب القرب داخل ثانوية صلاح الدين ومدرسة بوجدور ..

كلما هممت بالخوض في قضايا بلدنا الحبيب إلا ووجدتني أستحضر أقوال جدتي الحاجة رقية بنت خرباش، رحمها الله وأحسن إليها، السيدة الحكيمة، فأتصورها امرأة حازمة تنضح معرفة وفكرا ثاقبا .. لباسها الأبيض زانته حلي الفضة .. « ثابزيمث » و »لحزام » .. و »الشماخي » وضفائر فاحمة يتخللها شعر أبيض مثل خيوط الثلج .. امرأة أمازيغية من جبال آيث بويحيي الريفية الشاهدة على تاريخ رجال مروا من هناك، منهم من قضى ومنهم من انتصر للأرض وشرب من زلال ملوية .. كانت تقتلع « الـﯖديم » وتصنع من « الحلفا » كل ليلة حصيرا .. إنها رقية .. سيرتها من سيرة قبيلة مضاربها في عمق الريف الشرقي إلى تاوريرت الكدية .. أستحضر هذه السيدة للوقوف على عبث المسؤولين، أولائك الذين أوكل إليهم تدبير الشأن العام، وأخص قطاع التعليم بما أثاره ولا يزال من جعجعة دون طحين، كمن يحاول سد عين الشمس بالغربال .. لا شيء سوى الوهم والخوار .. وعلى ذكر الخوار، أي عجل له خوار، اعتقد أنه من حيث الجناس تستقيم المفردة مع الكلمة العامية « التخوار »، الذي يعني العبث واللامسؤولية، وأعتقد أن هناك تطابقا في المعنى بين المفردتين، ومرد هذا القول لما يشهده حقل التعليم هذه الأيام من حالة استنفار .. زيارات ميدانية للجن مركزية وأخرى جهوية ل »تفقد » ما أضحى يعرف « التأهيل المندمج » لفضاءات المؤسسات التعليمية وما إلى ذلك من خرجات دونكيخوطية لا يمكن وصفها سوى بالهروب إلى الأمام؟ لماذا هذا الوصف؟ لست ممن يعارضون من أجل المشاكسة والمزايدة، لكن واقع الحال يؤكد يوما عن يوم مدى استخفاف وزارة التعليم بهذا القطاع، نسائه ورجاله وناشئته وآباء وكل من تربطه علاقة صادقة وغيرة على قطاع التعليم، فمن جهة كانت البداية بشن حملة مراقبة تستهدف هيئة التدريس مع نهاية الموسم الدراسي بدعوى الغياب المبكر هدفها، في اعتقادي، التمويه وصد الانتباه عن جوهر مشاكل القطاع، بمعنى « ضَرْبُو لَلرَّاسْ يَنْسَى الرَّجْلِينْ »، ولأن عملية المراقبة تحمل الكثير من الإهانة لهيئة التدريس التي يبدو أن هناك سياسة ممنهجة لزيادة إضعافها، بدءا من ما يسمى تجنيا ب »إصلاح » نظام التقاعد ومراجعة سلم الأجور والاقتطاع من رواتب هيئة التدريس بدل محاسبة المسؤولين عن نهب صندوق التقاعد، ثم إغلاق مراكز التربية والتكوين وفسح المجال لتعاقد الذي يفرغ العملية التعليمية من كل مصداقية ومن قيمتها العلمية المكتسبة وحشو المدرسة العمومية بجيش من المعطلين أتيحت لهم فرصة للعمل وفق شروط الوزارة لا وفق شروطهم، فالعديد من هؤلاء انقطع عن الدراسة لأزيد من عقدين من الزمن ويئس من ولوج سلك الوظيفة العمومية وانخرط في مشروع ما أو تربية الأبناء وربما الأحفاد ليجد/ تجد نفسه أمام منعطف جديد، حبذا لو تم تكوينهم قبل الزج بهم داخل جدران القسم .. هل بهذه الطريقة تسعى « رؤية » لرد الاعتبار للمدرسة العمومية؟ لا اعتقد ذلك .. الشغل من حق الجميع، وهو حق وليس امتيازا .. وأذكر هنا موقف للسيد محمد الوافا، الوزير الأسبق للتعليم، في إحدى زياراته لأكاديمية وجدة ليترأس دورة للمجلس الإداري، وكان احتجاج ما يسمى بأطر سد الخصاص التي ابتدعها من سبقوه، فخرج للمحتجين وسط الشارع العام وقال لهم، لن تلجوا سلك الوظيفة ما لم تجتازوا مباراة وتخضعوا لتكوين ولن يسمح بحصول الأمر ما دام وزيرا بالقطاع .. أقسم أن موقف الرجل أبهرني رغم اختلافي معه .. قدرت فيه المسؤول الجريء .. وكان وراء إيقاف إسهال البرنامج الاستعجالي وووو … لهذا، وندما نقارن السابق باللاحق نجد أن المدرسة العمومية لم تنل ما تستحق من الاهتمام وفق رؤية العمق الحضاري والثقافي للمغرب بدل رؤية لم نستسغها، لأنها لا تستقيم والواقع ولا تعدو ان تكون مثل ما سلف من المشاريع. ثم إن استنفار عدد من اللجن الجهوية والمركزية سوف يستنزف تعويضات مالية لأعضائها ناهيك عن تكلفة التنقل و »الغازوال، » كانت ميزانية القطاع في غنى عنها لأنها دون طائل، ولا تصب في جوهر معاناة القطاع.     ثم إن عملية « المتابعة » الميدانية في هذا الوقت بالذات تخلق تشويشا على المؤسسات التعليمية التي هي مقبلة على الامتحانات الإشهادية، ومنها الباكلوريا. لأن تهيئة الفضاءات لا تعدو كونها عملية غير مدروسة، شأن المناسبات التي يتم خلالها غرس أشجار الموز والأزهار في الطرقات وطلاء الرصيف بالأحمر والأبيض لتزول بعد ساعات وتبقى الفواتير .. وهي عملية يصدق عليها المثل الأمازيغي « اذْرُورْ خْ ثِيشِّينْ » (أي لعكر على القمل)، ولنضرب مثلا بمديرية تاوريرت لهذه العشوائية ومدى خطورتها حيث ورد في مراسلة للمشرف على هذه المديرية (عدد 97/17 في 22 ماي 2017)، وبغض النظر عن سرعتها التي تفوق سرعة الضوء التي تلزم 48 ساعة للتنفيذ، يمكن الوقوف عند بض فقراتها بما نصه:
(1     » … على المؤسسات التي لم تسحب حصتها من مواد الصباغة (وهي قليلة)، الإسراع بذالك قبل 24 مايو 2017، عن طريق الاتصال بالمديرية الإقليمية »
(2    « … تثبيت النشيد الوطني بمكان بارز بمدخل المؤسسة .. »
(3    هدم 58 حجرة دراسية آيلة للسقوط موزعة على 34 مؤسسة تعليمية بمختلف الأسلاك؟؟؟؟؟
(4    « الأمر باستعمال رصيد الجمعية الرياضية وجمعية تنمية التعاون المدرسي بعد استنفاذ رصيد جمعية دعم مدرسة النجاح » …..
هذه مقتطفات من مراسلة المدير الإقليمي بتاوريرت موجهة لرؤساء المؤسسات التعليمية، والتي تقع في أربع صفحات، ميزتها أنها تترجم ما أسلفناه من ذكر للاستهتار والهروب إلى الأمام عند وزارة التعليم، وهي مراسلة تؤكد ما أثرناه في مقالات سابقة أن شأن التعليم لا يمكن تدبيره بعقلية « الطاشرون »، فالرجل يأمر بصرف رصيد جمعية تنمية التعاون المدرسي والجمعية الرياضية التي يتم انتخاب أعضائها ومكتبها المسير ولها من الاستقلالية ما يجعلها لا تخضع لسلطة أي جهة، ناهيك عن تحويل مالية الشق التربوي والثقافي للصباغة والإسمنت!! ثم كيف يتم سحب الصباغة من المديرية!!؟ ثم عملية هدم حجرات آيلة للسقوط أمر عجاب، أين كان كل هذا الرعب متخفيا يتهدد أطفال المدارس؟؟؟ أما عن تثبيت النشيد الوطني فلا أعتقد أن الرجل كتب هذه المراسلة بتمام وعيه، وكأنه يتحدث عن مدرسة في بلد آخر، ألا يعلم هذا المسؤول أن افتتاح مؤسسة تعليمية يكون بالراية المغربية والنشيد الوطني!!؟ أي نوع من المسؤولين يفكر بهذه الطريقة؟ ألا يجدر محاسبة الرجل على كل سطر ورد في هذه المراسلة التي تحمل توقيعه؟ هذا مجرد غيض من فيض، ونحن إذ نقول هذا ليس من باب التعميم والإسقاط، لأن لنا مديرين إقليميين نقدر جهودهم لصالح المدرسة العمومية بأكاديمية جهة الشرق رغم « التعليمات »، بل للكف عن إهانة نساء ورجال القسم، سيدات وسادة الوزرة والطبشورة، بضبط الغياب؟ نعم للإصلاح، لكن بطرق منهجية علمية بعيدة عن العبث، لأن حكومة كهذه لا تتعظ، حري بأعضائها أن يأخذوا العبرة من تفاعل أهل الريف معهم خلال زيارات الوفد الوزاري الميدانية للحسيمة العامرة.. لا يعلمون أن الفرد يقتلع لقمة عيشه من الصخر بأظافره ولا يرضى الهوان ..
وبالرجوع إلى تاريخ تطور التربية عبر العصور(الدكتور عبد الله عبد الدايم رونيه إيبر وغيرهم ممن اهتم بالشأن التربوي)، سوف نقف على معلومة جد مهمة، مفادها أن تعنيف الطلاب أثناء العملية التعليمية التي نعتبرها في زمننا الراهن تقليدية .. وإنما ظهر العنف والتعنيف في وقت لاحق مع تطور الحضارة البشرية. ومعلوم أيضا أنه في الحضارات القديمة، ومنها السومرية، حظيت المدرسة باهتمام وعناية وتقدير لأهلها، فكان المدير يدعى « أب المدرسة » ويلقب بالأستاذ وله كل الاحترام والتقدير عند ذكره وذكر اسمه، بل كانوا ينعتون الأستاذ ب »باني الإنسانية »، أما المعلم فله مركز اجتماعي مرموق، أرقى من الكهنة والضباط والولاة ويدعى المعلم (أليا) ويعني العلامة أو الأستاذ، وقد كان البابليون والسومريون يرون في المعلم عارفا بكل شيء باعتباره يتقن الكتابة بالخط المسماري المقدس لديهم، ثم التلاميذ، أو « أبناء المدرسة » الذين كانوا يلقون كل الاحترام داخل مجتمعهم وينعتهم المعلم ب »أبنائي »، ناهيك عن طاقم إداري يحفظ نظام المدرسة وسيرها العادي والمراقبة ومساعدة الأستاذ وما إلى ذلك من المهام المنوطة بالعاملين داخلها. ثم إن المكتبات ظلت منتشرة في جميع المدن غير بعيد عن المدرسة.
صفوة القول، كل سياسة تعليمية لا تحفظ لهيئة التدريس كرامتها وتصون حقوقها محكوم عليها بالفشل .. وليلاحظ المسؤولون مغادرة أفواج من المدرسي والمدرسات مقاعد المدرسة العمومية قبل حد السن .. »سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (البقرة 32) ..
د. محمد حماس

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *