Home»Débats»الحركة لإسلامية بالمغرب: تحول من الإديولوجية الإخوانية إلى الانفتاح والاندماج 1|2

الحركة لإسلامية بالمغرب: تحول من الإديولوجية الإخوانية إلى الانفتاح والاندماج 1|2

1
Shares
PinterestGoogle+

أحمد الجبلي

إن الواقع العالمي والواقع الاسلامي المعاصر، قد عرفا تغيرات كبيرة، وتحولات شتى، في العقود الأخيرة، وهذه التغيرات والتحولات، أملت وفرضت على المفكرين الاسلاميين، وتحديدا على منظري الحركة الاسلامية، إعادة قراءة النصوص، وإنتاج فهم صحيح لآليات التنزيل من أجل تحقيق مواكبة واعية تعمل على حمل الإسلام ليكون قادرا على الإجابة على الكثير من الاشكالات الواقعية التي يعاني منها الإنسان المعاصر, خصوصا بعد نجاح الثورة الايرانية سنة 1979 والتي شكلت فتحا مبينا للحركة الاسلامية السنية، وذلك بتحول قافلة من أبرز المفكرين الماركسيين للإسلام من مثل المفكر الاسلامي الكبير منير شفيق والمستشار القانوني طارق البشري ورضوان السيد وروجي كوثراني ووليد نويهض وسعود المولى وغيرهم.. فانطلقت حركة فكرية جريئة استطاعت أن تستقرئ الواقع العربي  ودور الاسلام في التأطير والتنظيم. فضلا عن هؤلاء كانت تمة مساعي حميدة في محاولة التجديد واستقراء النصوص من طرف الأبناء الأصليين للحركة الاسلامية يتزعمها الدكتور حسن الترابي والدكتور فهد عبد الله النفيسي، راشد الغنوشي وغيرهم وفي ذات الوقت كانت هناك طاقات شابة صاعدة عبارة عن مشروع قيادات تتتبع التحولات العالمية والعربية وتتلقف أي قراءات جديدة معاصرة في فهم الإسلام وحسن تنزيله في واقع هيمنة الاستبداد والعلمانية العربية،
لقد انقسم على إثر هذا تنظيمات حركية ديناميكية تفاعلت مع النص القرآني والحديثي، وفهمت منه الثابت فيه والمتحول، وصنعت لها توجها أعطى إسلاما متحركا فاعلا وصالحا لكل زمان ومكان وحال على رأسها حركة التوحيد والإصلاح… وحركة جامدة متحجرة معطلة قدست التاريخ والأشخاص فاعتبرت أن دولة الإسلام دولة دينية وليست مدنية  فحرمت الديموقراطية ومنعت المرأة من التصويت والترشح وقيادة السيارة وأفتت بتكفير من يخالفها، وحكمت على من قال بكروية الأرض بالقتل وسبي أمواله وإدخالها لبيت مال المسلمين….
1- التوجه الإسلامي الحركي الحداثي
يخطئ من يظن بأن الفكر الإسلامي الحركي المعاصر، في كل بقاع الدنيا، لم يكن لحركة الإخوان المسلمين عليه فضل وتأثير، وذلك لأن الحركة الأم ، حركة الإخوان المسلمين، تعد من أولى الحركات الإسلامية التي اعتمدت التنظيم والهيكلة والعمل المؤسسي، مما سمح لقيادييها، من خلال التجربة والممارسة والتراكمات الحركية والدعوية والتربوية،  بإنتاج أدبيات ومؤلفات كانت تجد فيها بعض حركات الأرض الملاذ والهدف والغاية التي تسعى إليها، فتعاملت مع هذه المراجع وهذه التجربة كتجربة فريدة من نوعها، وهي كذلك، خصوصا في جانبها التربوي، فاعتنقت الفكر والتجربة بكل  دقائقها  وارتبطت بها وبمبدعيها حتى صاروا رموزا لا يمكن الطعن فيهم أو المساس بهم، والدفاع عنهم سواء بحق أو باطل. فتشكلت نوعية معينة من الصنمية والفكر الأحادي.
على إثر هذا التوجه، تشكلت العديد من التنظيمات التابعة لحركة الإخوان المسلمين بما فيها الحركة الإسلامية الأردنية والفلسطينية والسورية…
ولكن الميل عن هذا التوجه في الفهم والتعاطي مع فكر الإخوان المسلمين من طرف الحركة الإسلامية الحركية في المغرب، جعلها تشق طريقا خاصا متفردا ذو خصوصيات منسجمة مع طبيعة التاريخ والجغرافية المغربيتين.
إن المغرب، منذ أزيد من اثنتي عشرة قرنا وهو متفرد في صنع خصوصياته كشعب وكدولة وكنخب، هذا المغرب الذي صنع له تجربة إسلامية بعيدة كل البعد عن المشرق وصنع له خلافة راشدة  متفوقة عن الخلافة البغدادية في القرن الخامس الهجري، ورغم امتلاكه القوة الكافية والتأثير اللازم ليكون قبلة عالمية إسلامية يدين له العالم الإسلامي كله بالولاء والتوجه والبيعة، إلا أنه أبى أن يسهم في تمزيق الأمة وخلق نعرات تخدم أجندات آخرين. فرفض إمارة المؤمنين وحافظ على إمارة المسلمين لوجود إمارة واحدة موقعها بغداد عاصمة الدولة الإسلامية.
إن هذا التميز وهذا التوجه سيظلان ديدن المغاربة لحد الآن، حيث لازالوا يحافظون على خصوصياتهم ولا يقلدون طرفا ولا تيارا، ولا يتبعون تنظيما خارجيا، وفي نفس الوقت يحافظون على انتمائهم للأمة الإسلامية الكبرى ولا يقطعون أواصر الأخوة والانتماء بباقي الدول العربية المسلمة،  وقد زكى هذا الاختيار المغربي التاريخي اعتماد النظام المغربي على التعددية الحزبية مبكرا جدا واعتماد ملكية دستورية تاريخية بعكس العديد من الدول التي عانت الويلات بحكم سياسة الحزب الوحيد والملكية المطلقة.
وقد شهد العالم كله بأن حتى إبان الربيع العربي قد صنع المغرب ربيعه الخاص المتفرد والمتميز وهو ربيع يحلم به كل إنسان عربي في قطره الملتهب تحت نيران الإرهاب وسياسة الحرق والإبادة الجماعية.
إن الحركة الإسلامية، منذ ظهورها، وهي تعيش بالقرب من نمط الخصوصية في كل شيء في هذه البلاد، خصوصية العمران في قباب ومآذن مساجدها، خصوصية في طريقة قراءتها لكتاب ربها،( القراءة المغربية) خصوصية طريقة رؤيتها لهلال رمضان، حيث هي الدولة الوحيدة التي تعتمد الرؤية ولا تعتمد على الحساب الفلكي، خصوصية التمذهب بمذهب الإمام مالك المذهب الأكثر استيعابا للإسلام، خصوم له البيعة كل سصية العقيدة الأشعرية عقيدة الوسطية والاعتدال، خصوصية اللهجة المغربية التي تختلف عن جميع اللهجات العربية، خصوصية أن ملك المغرب يحكم باسم إمارة المؤمنين وتقام له البيعة كل سنة، ولا يوجد رئيس أو ملك عربي معاصر امتاز بهذا الوصف الخاص الذي جعل العديد من الدول منها الإفريقية تدين له بالولاء لكونه أميرا للمؤمنين،  خصوصية الحفاظ على النمط الإسلامي القديم في تحويل قصور الأمراء إلى ملتقيات للعلماء والأدباء، خصوصية الموقع الجغرافي الاستراتيجي المتميز حيث الانفتاح على واجهتين بحريتين، خصوصية أن جميع الأنهار المغربية تنبع من المغرب وتصب فيه، ولا تشاركنا أي دولة في أي نهر كما يقع في العديد من دول العالم كأمريكا ومصر والسودان، خصوصية التنوع التضاريسي العجيب حيث بعض الدول كلها صحراء وأخرى كلها جبال وأخرى كلها سهول، وأما المغرب فهو مزيج من الجبال والسهول والغابات والهضاب والبحر والنهر والبحيرات…
وإذا كان الإنسان ابن بيئته، وإذا كان كل شيء في المغرب ذا خصوصية بلمسة مغربية محضة، فإن الحركة الإسلامية جزء لا يتجزأ من هذه البيئة، وبالتالي فلا مناص من  عدم الاستغراب من كون الحركة الإسلامية المعاصرة المغربية لا يمكن وصفها إلا بكونها حركة إسلامية ذات خصوصية مغربية.
إن الانطلاق الفكري والتربوي للحركة الإسلامية كان إخوانيا، ولا جدال في ذلك، حيث اعتمدت على صياغة فكرها على كتب ومؤلفات الشيخ حسن البنا رحمه الله والتي تجد رواجا واحتراما من طرف المغاربة لحد الساعة، وكتب الشيخ فتحي يكن، وكتب سيد قطب وشقيقه محمد قطب، والشيخ أحمد الراشد ، خصوصا منها سلسلة إحياء فقه الدعوة، وكتب الدكتور سعيد رمضان البوطي رحمه الله…وغيرها من الكتب. ولكن البيئة التي تطبع المغاربة بخصوصية الانفتاح على العالم في ضوء ما يمليه الواقع وخصوصيته، أملت على أبناء الحركة الإسلامية الاطلاع على العديد من التجارب الأخرى ابتداء من كتب الشيخ يوسف القرضاوي المتميزة بقراءتها للإسلام القراءة الصحيحة البعيدة عن الغلو والتطرف وبعيدة عن الدعوة الحزبية،وإن كان هو إخواني المنشأ والتربية إلا أنه يمتاز بمنهج يختلف كثيرا  عن فكر ومنهج الإخوان المسلمين،  وكتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله المعروف بتمرده حتى على تنظيم الإخوان المسلمين وهو الأمر الذي أدى إلى محاكمته من طرف التنظيم. وهو يمثل مدرسة في قمة الانفتاح واستعمال الفكر والعقل وعدم الإمعية والصنمية والتقليد، وحب أبناء الحركة الإسلامية للشيخ محمد الغزالي وانكبابهم بنهم على قراءة كتبه وتوزيع أشرطته والترويج لمؤلفاته، يبين التوجه الاختياري المعقلن الذي سلكوه، وبهذا الاختيار الذي اختاره أبناء الحركة الإسلامية في تفاعلهم واعتناقهم لفكر الشيخ محمد الغزالي يتحولون طبيعيا وكأنهم كلهم محاكمون من طرف تنظيم الإخوان المسلمين، لاعتناقهم لفكر رجل مرفوض إخوانيا لتمرده وانفتاحه ونقده لفكر الإخوان. ونجد ذلك جليا في المقدمة التي كتبها في كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة للدكتور عبد الحليم أبو شقة رحمه الله، حيث يقول:  » وددت لو أن هذا الكتاب قد خرج للوجود منذ عشرين سنة » وهي عبارة يرمي بها الشيخ محمد الغزالي إلى أن موقف وفكر الإخوان تجاه المرأة كان رجعيا ومتخلفا، أي ليت هذا الكتاب قد خرج للوجود  من قبل واطلع عليه الإخوان لغيروا العديد من أفكارهم حول المرأة،و الكتاب يعد من أروع ما كتب في قضية المرأة من منظور إسلامي وقد أبدع فيه صاحبه بتحليل علمي رصين وهو لم يعتمد سوى على الأحاديث الواردة في البخاري ومسلم.
إن من أهم المنظومات الفكرية والتربوية التي ساهمت في تلاشي فكر الإخوان لدى الحركة الإسلامية في المغرب انفتاحها على تجارب أخرى من الإسلام الحركي،على رأس هذه التجارب تأتي التجربة  السودانية والتي برز فيها الشيخ حسن الترابي كزعيم  ومجدد فكري أبدع في التجديد واستقراء النصوص بشكل متفاعل مع الواقع المحلي والعالمي، كما أبدع في الانفتاح على جميع التيارات والفعاليات  فأسس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي ضم أزيد من 45 دولة. وإن كانت الجبهة الإسلامية القومية في السودان ذات جذور إخوانية إلا أنها استطاعت أن تحافظ على خصوصيتها لطبيعة الظروف السياسية والجغرافية للسودان، تليها التجربة التونسية التي زخرت بأدبيات تعد قمة في الفهم للإسلام في تفاعله مع المجتمع وتدافعه مع التيارات الأخرى وتواصله من أجل المصالح العليا للوطن والشعب، وأدبيات الأستاذ راشد الغنوشي كانت تحضى باهتمام بالغ من طرف العديد من أبناء الحركة الإسلامية، واستنارت بفكر هذا الرجل المجدد وأدبيات حركته ومنهجها في التعاطي مع المجتمع، خصوصا منها أدبيات الاتحاد العام لطلبة تونس، ولعل العديد من أبناء الحركة الإسلامية السلفية المتجمدة لن يستصيغوا وجود نساء غير متحجبات في هيئات قيادية في حركة الاتجاه الإسلامي ، حزب النهضة حاليا، وطالبات ترتدين الدجين وشعورهن حرة طريقة، وطلبة عاديون يدخنون، قياديون في الاتحاد العام لطلبة تونس. ولعل طبيعة الحوارات العالمية التي كانت تجريها الصحافة العالمية مع الشيخ راشد الغنوشي تعد أنموذج الطرح الإسلامي المعاصر المنفتح والمجيب عن إشكالات الواقع وأسئلة الإنسان المعاصر من منظور إسلامي تقدمي، من هذه الحوارات الرائعة نذكر الحوار التاريخي الشهير الذي أجراه معه الصحفي السوري المقتدر قصي صالح الدرويش والذي لم يستطع أن يخفي إعجابه في آخر حلقة من حلقات الحوار بهذا المفكر الإسلامي الفذ الذي رسم بفكره طريقا معتدلا منفتحا يؤمن بالسلم والتداول على السلطة ومنفتح ومتعاون مع جميع الأطراف من أجل وطن للجميع تتعايش فيه جميع المرجعيات والإديولوجات.
وربما كون هذا الفكر الإسلامي المعاصر الراقي ينبع من تونس هو راجع لوجود جامعة مؤطرة تعد من أقدم الجامعات بعد القرويين وهي الزيتونة المشهورة بتدريس نفس العلوم التي تدرسها جامع القرويين باعتدال  يبعد الناس عن الغلو والتطرف والإقصاء، ولكون تونس قد أعطت العديد من المفكرين والعلماء عبر التاريخ والذين كانوا محل ترحاب وإعجاب من طرف المغاربة على رأسهم العالم المقاصدي والمفسر الفذ الطاهر بن عاشور صاحب التفسير الشهير التحرير والتنوير وهو تفسير يعتمده المغاربة بشكل كبير، والعالم الكبير الشيخ محمد النيفر  والشيخ العالم علي بلخوجة رحمه الله، والمفكر عبد المجيد النجار والمفكر الدكتور أحمد الأبيض صاحب التحف الفكرية في قضايا المرأة والمجتمع والتحرر وغيرهم كثير.
ومن غرائب الأمور أن الحركة الإسلامية المغربية لم تستفد شيئا من التجربة الإسلامية الجزائرية، ولا نعرف شيخا ولا زعيما ولا مفكرا حضي باهتمام الحركة الإسلامية بالمغرب إلا المفكر  الإسلامي مالك بن نبي وهو أصلا يعد رائدا عالميا من رواد النهضة الفكرية الإسلامية ومن المنبهين الأوائل في القرن العشرين إلى الاهتمام بمشكلات الحضارة، ولا علاقة له بالحركة الإسلامية الجزائرية المعاصرة، ما عدا كون أحد فصائل الجبهة الإسلامية للإنقاذ تتبنى فكره ويسمون أيضا بتيار الجزأرة الذي كان يتزعمه محمد السعيد والمرحوم عبد القادر حشاني، وهو تيار يعد من أنضج التيارات المكونة للجبهة الإسلامية للإنقاذ.
فضلا عن هذا، فإن تجربة الفكر الحركي الإسلامي بالجزائر تعد من أكثر التجارب تخلفا وانغلاقا، وأحد أهم الأسباب في ذلك تعود لطبيعة الفكر السلفي الذي تعتمده العديد من قياداتها، على رأسهم الشيخ علي بلحاج، فإذا كان هناك أحد في حاجة للاستفادة من تجربة الآخر فاعتقد أن الحركة الإسلامية الجزائرية في حاجة لتستفيد من أختها المغربية في نضجها ووعيها وانفتاحها وإيمانها بأنها مجرد طرف ضمن أطراف أخرى فاعلة، مهما كان توجهها الإديولوجي، وعمق اهتمامها بمصلحة الشعب ووضعها لمصلحة الوطن ضمن أولى أولوياتها عن قناعة وإيمان وليس مجرد تكتيك أو تقية.
إن الابتلاءات التي عرفتها الحركة الإسلامية في المغرب وتعرض أبنائها في عديد من المرات للاعتقالات والسجون، وانطلاقا من سنة 1975 أي بعد عملية اغتيال الزعيم اليساري عمر بن جلون رحمه الله، راجعت العديد من الأطراف تصوراتها ومواقفها وتبينت في مسارها. ولكن حتى قبل هذه المراجعات، كان أبرز عمل تقوم به الحركة الإسلامية، وهو أصل وهدف وجودها ، هو تربية أبنائها على القرآن الكريم وسيرة النبي الكريم، تربيتهم على أن يكونوا صالحين في نفوسهم مصلحين لغيرهم. ولم يخطر ببالها أنها يوما ما ستكون طرفا مهما في تسيير دواليب الحكم أو سيكون لها تمثيلية برلمانية وفاعلة ولها وجود في كل القطاعات.
هذه الخصوصية التي تميزت بها الحركة الإسلامية بالمغرب، وجدت لها في المقابل خصوصية موافقة لا صدامية وهي طبيعة النظام المغربي الذي يؤمن بالسلم إلى حد كبير، فحاول أن يفهم الحركة الإسلامية كما حاولت هي الأخرى فهمه تفاديا لأي صدام أو صراع يجعل الوطن كله في مهب الريح.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *