الذي لا يأت مع العروس…

لقد أثلجت صدرنا مواقف المركزيات النقابية المعبرة عن ارتياحها لنتائج جلسات الدورة الرابعة للحوار الاجتماعي، والالتزامات المتفق عليها بينها وبين الحكومة والاتحاد العام لمقاولات المغرب،وزاد من غبطتنا إشادة البعض، بـاهتمام وجدية وروح المسؤولية التي تحلت بها الحكومة خلال جلسات الحوار الاجتماعي،وإعراب الجميع عن رضاه عن النتائج المحققة، وتنفس المواطنون الصعداء ، وظنوا أن معاناتهم اليومية داخل أروقة الإدارة العمومية ستتوقف، وقبل أن يجف مداد مشاريع النصوص القانونية التي صادق عليها مجلس الحكومة المنعقد يوم الخميس 02 يونيو 2011 ، نشط بركان الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات من جديد، فخاض مستخدمو شركة اتصالات المغرب إضراباً أيام 7 و 8 و 9 يونيو، مصحوبا بوقفة احتجاجية أمام مقر الشركة بالرباط، ،وأغلقت الجماعات المحلية أبوابها 8و9 و10 يونيو ، وتوقف عن العمل ،يوم الاثنين 13 يونيو، مهنيو و صحفيو القناة الرياضية التابعة للشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة، كما عرفت جل المحاكم المغربية في نفس اليوم وقفة احتجاجية للمحامين ضد إضرابات العدل ، التي تزامنت مع الإضراب الذي دعت إليه النقابة الديمقراطية للعدل العضو بالفدرالية الديمقراطية للشغل » لمدة 72 ساعة أيام 14-15-16 يونيو2011 ، ستدخل إضرابات هذا القطاع قريبا كتاب « غيتس » بسبب طول أمدها و تداعياته المختلفة التي أضرت بمصالح العديد من المحامين باعتبارهم أولى الفئات المتضررة، وتشير بعض المصادر أن كل إضراب يكلف وزارة العدل حوالي 300 مليون سنتيم ، وأغلب هذه الخسائر شملت مستخلصات الرسوم القضائية والغرامات ،كما تراكمت القضايا وتأخر الفصل فيها، وتعطلت مصالح المتقاضين، وناهز الغلاف المالي الذي كلفتة أيام الإضراب بأكثر من 6 مليار سنتيم، وهذر الزمن القضائي كما هذر الزمن المدرسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله،كما أن قطاعا استراتيجيا ظل لوقت طويل بعيدا عن الاحتياج أصابته العدوى ،فأعلنت شغيلة وزارة المالية إضرابا وطنيا أيام 14 و15 و16 يونيو 2011 من أجل تحسين الأوضاع المالية للعاملين، و القضاء على ما يسميه النقابيون بالفساد المستشري بوزارة الاقتصاد والمالية، وبدعوة من أربع نقابات أعلنت تنسيقية الملحقين التربويين وملحقي الاقتصاد والإدارة يومي 15و16 يونيو إضرابا وطنيا مصحوبا باعتصام أمام مقر الوزارة ، كما دعا المجلس الجهوي للكدش إلى إضراب جهوي بالوظيفة العمومية ومسيرة احتجاجية ببوعرفة يومي 15و16 يونيو 2011 من أجل إطلاق سراح النقابيين المحجوب شنو وكبوري الصديق… إنها لعمري تسونامي الإضرابات، لقد كنا نسمي شهر يونيو » شهر واش أنجحت؟ » أما اليوم فأصبح يسمي « شهر واش أضربت؟ » بسبب كثرة الإضرابات وتزامنها وطول مدتها وتكرارها .
إن الإضراب حق مشروع للعمال والموظفين، وهو احد العناصر الأساسية من الحريات الديمقراطية التي كفلها الدستور المغربي في فصله14 ،ونصت عليه المواثيق العمالية والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها المملكة، وأصبح حقا لا يمكن المساس به بأي شكل من الأشكال،ولأن الإضراب له أصول وقواعد والتزامات يجب أن يحددها القانون، كنا ننتظر من الدولة المسؤولة أن تخرج إلى الوجود القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، إلا أنها لم تفعل، لحاجة في نفس يعقوب، ونتمنى أن يكون الدستور الجديد قد تدارك ذلك…لقد عفنت الاضرابات المرفق العمومي، واستاء المواطنون وتدمروا، وأصبحوا يرون في الإضرابات عقاب لهم ، وضغط مادي ومعنوي عليهم، وليس على القطاع المشغل الذي لم يعد يبالي بإضرابات القطاعات » غير المنتجة ». إن النقابات بتماديها في الإعلان عن الإضراب أو مباركته ،تساهم في تدمير هذه الوسيلة النضالية، كما أن موقفها لم يعد مفهوما،وفقدت مصداقيتها، بسبب ولاءها وتوطئها السياسي، فمنها من انحاز طيلة عقود من الزمن إلى جانب الحكومات المتعاقبة، ومنها من اصطف إلى جانب أحزابه السياسية الحاكمة، بعد مجيء حكومة التناوب ، فضعف أداؤها في جولات الحوار الاجتماعي خلال هذه المرحلة نتيجة سقوطها في ازدواجية الخطاب وعدم قدرتها على إحراج الحكومة ، فدب الشك والارتياب في صفوف العمال ومناضلي هذه المنظمات مما أدى إلى الانشقاقات، وظهور التنسيقات ، فتفتت الحركة النقابية، وابتعد النقابيون المخلصون للطبقة العاملة ، وظهرت فئة من المراهقين النقابيين ، وسماسرة العمل النقابي، الذين خصخصوا النقابات، وعملوا كلما في وسعهم على وأد الديمقراطية الداخلية واقبروا أي شكل من أشكال المعارضة … لم تتمكن مختلف النقابات من تطوير أشكالها النضالية ، وعجزت عن مسايرة التحول من النضال الاحتجاجي إلى النضال من خلال الحوار الاجتماعي. إن عودة ظاهرة الإضرابات مباشرة بعد الحوار الاجتماعي ،دليل على أن الحوار كان مغشوشا، فالحكومة لجأت إليه بعد الاحتقان المجتمعي وزلزال 20 فبراير، وارتفاع درجة التوتر في صفوف الطبقة العاملة، بينما الباطرونا اعتبرته دائما مضيعة للوقت ولم تأت إليه إلا مجبرة، أما النقابات فدخلته متفرقة وخرجت منه موحدة حول 600 درهم، كأكبر إنجاز حققته خلال تاريخها النضالي، لم تكن النقابات مجبرة على الهرولة للتوقيع والمصادقة على نتائج الحوار، مادامت بعض المطالب عالقة، ولم تكن ملزمة بترحيل باقي المطالب إلى المفاوضات القطاعية، لأن الذي « لا يأت مع العروس ، لا يأتي مع أمها ».
ليس من حقنا أن نشكك في وطنية أحد، ولم ولا ولن نفعل ، لكن علينا أن نقول أن البلد يمر بمرحلة مفصلية في حياته،ونحن مقبلين على العديد من الاستحقاقات والتحديات والصعوبات ،ونحن مجبرين على إنجاح الاستحقاقات، وتحدي التحديات وتجاوز الصعوبات، ولن يتحقق ذلك إلا بتسبيق الوطني على الذاتي، وتكوين جبهة داخلية قوية ، و خلق تضامن وطني حقيقي تكون فيه الفئة الوسطى السباقة إلى التضحية والتحلي بالصبر… علينا كمضربين ،أن لا نستعدي المحيط بتضييع مصالح الناس، ونحرص على استمرار العمل في الحد الأدنى بالنسبة للقطاعات الحيوية التي لها ارتباط بالمواطنين حتى لا تتعطل مصالحهم… نحن البلد الوحيد في الوطن العربي الذي يحقق ربيعا ديمقراطيا هادئا بشهادة الأعداء والأصدقاء ، نحن مطالبين بتوفير السلم الاجتماعي حتى تمر الاستحقاقات الآنية بسلام وفي جو من الهدوء والطمأنينة،وتنجح التجربة ،وبعدئذ نلتفت إلى مطالبنا المشروعة والعادلة، ويصبح من حقنا المطالبة بتوزيع عادل للثروات ، والاستفادة من ثمار التنمية التي يعرفها البلاد. أنا أعرف أن هذا الخطاب لن يعجب الكثير، وسوف يشم بعضهم منه رائحة المخزن، لكن دقة المرحلة ،وواجبي الوطني يحتمان علي عدم السكوت والتعبير عن موقفي، ويعلم الله أنني لا أقصد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم .
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم من أرادنا بشر فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره،
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أحفظنا وأحفظ بلاد المسلمين من كل شر وبلية، اللهم آميـن يا رب العالمين



Aucun commentaire