عندما نتخلص من الكتب في حاويات القمامة …وبكل مهانة


الكاتب : سعيد حجي
تألمت كثيرا هذا الصباح، وأنا أقف قرب حاوية للقمامة أجمع كومة من الكتب التي ألقاها صاحبها بجوارها. كان المشهد موجعا، أوراق تتطاير مع هبات الرياح، وأغلفة ممزقة، وصفحات انفرطت من ملازمها، وعناوين ظلت لسنوات تحمل أفكار أصحابها وتجاربهم، وجدت نفسها في نهاية المطاف وسط بقايا الأشياء التي استغنى عنها الناس…
كان بينها كتاب « مقدمة ابن خلدون ». فقد جزءا من أوراقه، وظلت صفحات أخرى متشبثة بغلافه، تتحرك يمينا ويسارا مع الريح. تأملتها طويلا. كانت تتشبث بالغلاف كما يتشبث غريق بآخر قشة تمنحه أملا في النجاة. مددت يدي إليه، وأخذت أجمع ما تناثر من صفحاته، بينما كانت الرياح تواصل العبث ببقية الأوراق.
كانت هناك كتب أخرى تمزقت صفحاتها، وبعضها انفتح على نصفه، وقد تناثرت أوراقه فوق الأرض. شعرت بحزن غريب وأنا أتأملها. راودني سؤال عن صاحبها: من يكون؟ وما الذي دفعه إلى التخلي عنها بهذه الطريقة؟ هل كانت مكتبة شاب بدأ حياته بأحلام كبيرة، واشترى تلك الكتب معتقدا أنها ستفتح أمامه أبواب المستقبل؟ هل ضاقت به الحياة حتى صار ما كان يعتز به عبئا يريد التخلص منه؟ ربما كان قد انتظر من القراءة وظيفة محترمة، أو مكانة اجتماعية، أو حياة تشبه تلك التي وعدته بها أحلام شبابه، وحين لم يحصل على شيء من ذلك، قرر في لحظة خيبة أن يتخلص من الكتب التي رافقته.
ثمة شيء يستحق التأمل في نفس الإنسان حين يخاصم الأشياء التي أحبها لأنها لم تمنحه ما كان ينتظره منها. ربما يحدث ذلك حين تتحول المعرفة في ذهنه إلى صفقة مؤجلة، يضع فيها سنوات من عمره، ثم ينتظر استردادها في صورة مال أو منصب أو امتياز. وحين تتأخر الأرباح، يشعر بالخديعة، ويبدأ في النظر إلى مكتبته كشاهد على سنوات ضائعة. وقد يبلغ به الأمر أن يتخلص منها بنوع من الغضب الصامت، وكأنه يعاقب الكتب على إخفاق الحياة في الوفاء بوعودها.
تذكرت عبارة ابن خلدون الشهيرة في مقدمته: « الظلم مؤذن بخراب العمران ». كم كان يمكن لقارئ متأن أن يتوقف عند هذه العبارة ويفتح منها بابا واسعا لفهم أحوال المجتمعات! فالظلم حين يستقر في حياة الناس يفسد المعاش، ويهدم الثقة، ويقتل الرغبة في العمل والإنتاج. وربما كان فهم هذه الفكرة كافيا ليعيد صاحب الكتاب النظر في بعض أحكامه على نفسه ومحيطه، وليدرك أن إخفاق الإنسان قد تكون وراءه ظروف اجتماعية واقتصادية تتجاوز قدرته الفردية. فكرة قصيرة، لكنها تختصر معرفة عميقة بطبيعة المجتمعات ومصائرها.
وعثرت بين تلك الكتب على عنوان آخر: « التأملات » لماركوس أوريليوس. توقفت عنده أيضا. هذا الإمبراطور الذي امتلك السلطة والثروة، كان يجلس إلى نفسه ويكتب تأملاته حول تقلبات الحياة، وضبط النفس، واحتمال المشاق، وعدم السماح للأحداث الخارجية بأن تستولي على سلام الإنسان الداخلي. ومن الأفكار التي تتكرر في كتابه أن كثيرا من اضطرابنا ينشأ من أحكامنا على ما يحدث، ومن الطريقة التي نستقبل بها تقلبات الحياة. لو قرأ صاحب الكتاب هذه التأملات في لحظة انكساره، ربما وجد فيها ما يساعده على مصالحة نفسه، وعلى فهم أن إخفاقاته لا تستحق أن تتحول إلى خصومة مع كل ما قرأه وتعلمه.
وهنا تكمن إحدى مشكلات علاقتنا بالكتب، نريد منها نتائج سريعة، وننتظر أن تترجم صفحاتها إلى مكاسب ملموسة. ننسى أن بعض الأفكار تحتاج إلى سنوات كي تستقر في العقل، وأن كتابا قد نقرأه اليوم من دون أن نلتقط منه شيئا مهما، ثم نعود إليه بعد سنوات فنجد فيه إجابة عن سؤال ظل يؤرقنا طويلا. المعرفة لا تعمل دائما في اللحظة التي نطلبها فيها، فقد تظل كامنة في الذاكرة، حتى تأتي تجربة من الحياة فتوقظها.
وحين يتعامل الإنسان مع الكتب بمنطق الأخذ والعطاء المباشر، تكون النتيجة كارثتين: الأولى أن يتخلى عن أفكار كان يمكن أن تغير حياته بالتدريج، والثانية أن يحرم قارئا آخر من فرصة العثور على فكرة قد تغير مسار حياته. فالكتاب الذي لم يعد يعني لك شيئا، قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر بداية طريق جديد، أو عزاء في وحدة طويلة، أو نافذة يطل منها على عالم لم تتح له فرصة اكتشافه.
جلست هناك لبضع دقائق، أجمع الأوراق المتناثرة من هنا وهناك، وأحاول إنقاذ ما تبقى من تلك الكتب. كنت أشعر بشيء من الحزن، وشيء من الخجل أيضا. أجمع الصفحات حفاظا على قداسة اللغة وكرامة الأفكار التي تركها لنا أصحابها، أولئك الذين قضوا أعمارا في البحث والتأليف والتأمل، ثم رحلوا وتركوا لنا خلاصة من تجاربهم في هذه الأوراق.
لا أعرف على وجه التحديد ما الذي دفع صاحب تلك الكتب إلى التخلص منها بهذه الطريقة المشينة. ربما لم يعد بحاجة إليها، وربما أراد إفراغ زاوية من منزله، وربما تغيرت اهتماماته. كان بإمكانه أن يضعها أمام مكتبة، أو يعرضها للبيع بثمن رمزي، أو يمنحها لطالب يحتاج إليها. كان يستطيع أن يمنحها فرصة أخرى للوصول إلى قارئ جديد، عوض أن يتركها فريسة للرياح والأقدام وبقايا القمامة.
ولعل ما زاد من ألمي أنني تذكرت زمنا قريبا، قبل نحو عقد ونصف، كانت فيه للغة العربية مهابة خاصة في حياتنا اليومية. كنا إذا عثرنا على ورقة مكتوبة ملقاة في الطريق، انحنينا لالتقاطها، وقرأنا ما فيها، ثم قبلها أحدنا ووضعها في مكان بعيد عن الأقدام، أو أحرقها احتراما لما تحمله من كلمات. كانت تلك عادة تربوية متوارثة، ارتبطت في وجداننا بتقدير الحرف المكتوب، وباحترام اللغة وما تحمله من علم وذكر وحكمة.
فما الذي حدث؟ كيف انتقلنا من الانحناء لالتقاط ورقة من الأرض احتراما لما كتب عليها، إلى المرور بجوار أكوام الكتب الملقاة قرب حاويات القمامة دون أن يثير المشهد فينا شيئا؟
أخشى أن المسألة تتجاوز سلوك شخص قرر التخلص من مكتبته. نحن أمام أزمة في علاقتنا بالمعرفة، وفي الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى الكتاب واللغة والجهد الفكري. لقد صارت الأشياء في حياتنا تخضع لمنطق الاستهلاك السريع، نقتنيها حين نحتاج إليها، ونلقي بها حين تنتهي منفعتها المباشرة. ويبدو أن هذا المنطق بدأ يتسلل حتى إلى علاقتنا بالأفكار، فنحن نريد منها مردودا عاجلا، ونفقد صبرنا على كل ما يحتاج إلى وقت كي يؤتي ثماره.
أكملت جمع ما استطعت من الكتب . ظل مشهد صفحات مقدمة ابن خلدون يلاحقني، وظلت تلك الأوراق التي كانت تتشبث بغلافها تستعيد حضورها في ذهني.
فكرت في أن الكتاب قد يقضي سنوات فوق رف مهمل، وقد ينتقل من منزل إلى آخر، وقد ينساه صاحبه تماما، ومع ذلك تظل فيه حياة مؤجلة، تنتظر يدا تمتد إليه وعقلا يفتح صفحاته.
كم من فكرة ماتت في سلة مهملات قبل أن تجد عقلها المناسب؟ وكم من كتاب كان يمكن أن يوقظ في إنسان شيئا ظل نائما طوال عمره؟
غادرت المكان، وفي داخلي سؤال لم أجد له جوابا: متى أصبحنا نتخلص من الكتب بهذه السهولة، ومتى فقدت الكلمات كل تلك المهابة التي كانت تجعلنا ننحني لالتقاط ورقة من الطريق؟




Aucun commentaire