بَعْدَ 35 عَاماً.. طَيُّ صَفْحَةِ « الْمِينُورْسُو » يُعْلِنُ النِّهَايَةَ الْفِعْلِيَّةَ لِنِزَاعِ الصَّحْرَاءِ فِي أَرْوِقَةِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ… فَاتِحُ نُونَبِرَ 2026، يُسْدِلُ السِّتَارَ عَلَى آخِرِ فُصُولِ النِّزَاعِ الْمُفْتَعَلِ لِلصَّحْرَاءِ الْمَغْرِبِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

« أصدرت الأمم المتحدة، في 1 نوفمبر 2026، بياناً رسمياً على لسان المتحدث باسم الأمين العام أنطونيو غوتيريش، ستيفاندوجاريك، أعلنت فيه رسمياً انتهاء الولاية العملياتية لبعثتها في الصحراء (المينورسو) بعد 35 عاماً من إنشائها (منذ عام 1991)، والشروع في إجراءات تصفيتها.
وجاء هذا الإعلان عقب انقضاء تفويض البعثة منتصف ليلة 31 أكتوبر 2026، بعد إخفاق مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة (30 أكتوبر) في اعتماد قرار لتمديد ولايتها، إثر استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار أمريكي، مقابل عدم حصول مشروع قرار روسي موازٍ على الأصوات الكافية.
أبرز مضامين بيان الأمم المتحدة:
– بدء مرحلة التصفية (Liquidation): أوضح البيان أن فاتح نوفمبر 2026 يمثل بداية فترة التصفية الرسمية للبعثة، حيث سيتولى « فريق أممي مصغر » — يقدم تقاريره إلى إدارة الأمم المتحدة لدعم العمليات — الإشراف على النقل المنظم لأصول ومعدات الدول المساهمة بقوات إلى بلدانها، والتصرف الملائم في المعدات والممتلكات التابعة للأمم المتحدة.
– دعوة للتعاون وضبط النفس: دعا الأمين العام جميع الأطراف المعنية إلى التعاون الكامل لضمان انسحاب آمن ومنظم لأفراد البعثة ومعداتها، مع التحلي بأقصى درجات ضبط النفس وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد التوترات الميدانية.
– استمرار المسار السياسي: شدد أنطونيو غوتيريش على أن توقف عمليات حفظ السلام الميدانية التي كانت تضطلع بها « المينورسو » لا يعني انتهاء دور الأمم المتحدة أو انسحابها من جهود تسوية النزاع؛ مؤكداً التزام المنظمة بمواصلة دعم الحوار والمسار السياسي بين الأطراف من خلال المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافانديميستورا، للتوصل إلى حل سلمي ودائم.
– شكر وتكريم أفراد البعثة: أعرب الأمين العام عن امتنانه العميق لطاقم البعثة العسكري والمدني على مدى ثلاثة عقود ونصف، وخص بالذكر الممثل الخاص ورئيس البعثة ألكسندرإيفانكو على قيادته لعمل البعثة في ظروف صعبة (لا سيما منذ عام 2020)، كما وجّه تحية إجلال لأرواح 20 فرداً من طواقم « المينورسو » فقدوا حياتهم أثناء أداء مهامهم منذ تأسيسها. »
مع حلول منتصف ليلة 31 أكتوبر ودخول فاتح نونبر 2026، لم ينتهِ مجرد تفويض تقني لبعثة أممية فحسب، بل أُسدل الستار رسمياً على آلية أُنشئت عام 1991 في سياق تاريخي متجاوز، ليعلن المغرب ومعه المنتظم الدولي الانتقال النهائي من مرحلة « إدارة النزاع » إلى تكريس السيادة الكاملة.
في لحظة تاريخية فارقة تتزامن مع تخليد المغاربة لـ »عيد الوحدة » وذكرى المسيرة الخضراء، أعلنت الأمم المتحدة، في فاتح نونبر 2026، انتهاء الولاية العملياتية لبعثتها في الصحراء (المينورسو) والشروع الرسمي في تصفية وجودها وسحب أطقمها ومعداتها.
هذا التحول الجذري، الذي جاء عقب عدم تمديد مجلس الأمن لمهمة البعثة في اجتماعه يوم 30 أكتوبر، لا يمثل مجرد إجراء إداري داخل المنظمة الأممية، بل يشكل إعلاناً واقعياً وقانونياً عن الطي النهائي لملف النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة.
سقوط « المينورسو ».. دفنٌ رسمي لوهم الاستفتاء
لفهم حجم هذا التحول، يكفي التوقف عند الاسم الذي حملته البعثة طيلة 35 عاماً: « بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية » (المينورسو). فمنذ تأسيسها عام 1991، ارتبط وجود هذه البعثة بمقاربة ثبتت استحالتها واقعياً وديموغرافياً وسياسياً منذ مطلع الألفية الثالثة.
ورغم أن مجلس الأمن تخلّى عملياً عن خيار الاستفتاء في قراراته المتتالية على مدى أكثر من عقدين لصالح الحل السياسي الواقعي، ظلت « المينورسو » قائمة كرمزٍ لجمودٍ أممي أبقى النزاع في حالة « إنعاش اصطناعي ».
إن إعلان الأمم المتحدة بدء تصفية البعثة وإنهاء مهامها يعني، بالمنطق السياسي والقانوني، سقوط العنوان الأخير الذي كانت تتكئ عليه أطروحة الانفصال.
وكما لخّص ذلك المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، عقب جلسة التصويت، فإن البعثة تحولت بمرور السنين إلى « رمز ثابت لمشروع محكوم عليه بالفشل »؛ وبالتالي فإن رحيل مركباتها ومقراتها ورموزها من الأقاليم الجنوبية خلال الأيام المقبلة يقطع الطريق نهائياً أمام أي محاولة لإحياء مقاربات الماضي.
من « تدبير النزاع » إلى الحسم السيادي: رسائل البلاغ الملكي
جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026 ليضع هذا الحدث في إطاره الاستراتيجي الدقيق، معتبراً عدم تمديد ولاية البعثة « تطوراً هاماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة ».
طوال خمسة وثلاثين عاماً، استُغل موعد شهر أكتوبر السنوي بمجلس الأمن كأداة للضغط والمساومات الدبلوماسية وتكرار إحاطات وتقارير دورية لم تزد الملف إلا إطالةً واستنزافاً.
وبانتهاء وجود البعثة الأممية، يسقط المبرر الموضوعي لإبقاء القضية مدرجة على جدول الأعمال الدوري لمجلس الأمن، وتنتهي معها دوامة التقارير السنوية والاجتماعات الروتينية التي ظلت تدير الأزمة بدل حلها.
في المقابل، أظهر الموقف المغربي توازناً صارماً يجمع بين الحسم السيادي والمسؤولية الدولية؛ إذ أكد البلاغ الملكي تمسك المملكة القوي بوقف إطلاق النار، ولكن تحت سقف واضح لا يقبل المساومة: الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضي المملكة وأمنها الوطني وطمأنينة مواطنيها. وهي رسالة حاسمة مفادها أن غياب المراقبين الدوليين لن يترك أي فراغ ميداني، بل يكرس الاضطلاع الحصري للمغرب بمسؤولياته السيادية والأمنية الكاملة على كافة ربوع أقاليمه الجنوبية.
الميدان والدبلوماسية.. واقعٌ لا يقبل الرجوع إلى الوراء
لم يأتِ طيّ صفحة « المينورسو » من فراغ، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من التحولات الميدانية والدبلوماسية التي قادها الملك محمد السادس خلال السنوات الأخيرة. فقبل أن تغادر البعثة الأممية، كان النزاع قد حُسم فعلياً على مستويين متلازمين:
1- على المستوى الدبلوماسي الدولي: نجحت المملكة في بناء إجماع دولي غير مسبوق، حيث بات أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة — وفي مقدمتهم قوى عظمى وأعضاء دائمون في مجلس الأمن كالولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة — يؤيدون بوضوح مبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية باعتبارها الحل الوحيد والأوحد لطي هذا الملف.
2- على المستوى التنموي والميداني: تحولت الأقاليم الجنوبية، من العيون إلى الداخلة ومعبر الكركرات، إلى قطب اقتصادي واستثماري إقليمي يربط أوروبا بعمقها الإفريقي، وتحتضن حواضرها عشرات القنصليات الأجنبية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، مما جعل « النزاع » مجرد صدى باهت في قاعات الاجتماعات الأممية، منفصلٍ تماماً عن واقع الاستقرار والازدهار الذي يعيشه السكان على الأرض.
ما بعد فاتح نوفمبر 2026: السيادة الكاملة والحكم الذاتي
إن المتأمل في بيان الأمم المتحدة الصادر في فاتح نوفمبر يدرك أن المنظمة الدولية نفسها بدأت تتأقلم مع هذا الواقع الجديد؛ فبينما ينكب الفريق الأممي المصغر على ترتيب إجراءات التصفية اللوجستية ونقل معدات البعثة، لم يعد أمام أي تحرك سياسي مستقبلي سوى الانطلاق من الحقيقة الوحيدة الصامدة على الأرض: مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.
بطيّ صفحة « المينورسو » بعد ثلاثة عقود ونصف من إنشائها، يغلق المغرب قوساً طويلاً من الانتظار الأممي، فاتحاً مرحلة تاريخية جديدة لا مكان فيها لـ »مناطق رمادية » أو تفويضات مؤقتة، بل سيادة وطنية كاملة، ودينامية تنموية ودبلوماسية تمضي بثبات نحو المستقبل، واضعةً نقطة النهاية لنزاع إقليمي مفتعل عمّر لأكثر من نصف قرن.




Aucun commentaire