في زمن الوزير القوي إدريس البصري… كانت لنا في الصحافة أيام لا تُنسى..

مصطفى قشنني

كنتُ حديث تخرّج من الجامعة، كنت مثل ذلك الكائن الهش الذي يخرج من رحم المعرفة كفراشة عمياء تظن أن العالم مجرد امتداد للمدرجات التي درستُ فيها، متأثراً بالخطاب الراديكالي لليسار الذي كان يعدنا بفردوس أرضي، وبالرفاق الذين كانوا يحلمون بثورة ثقافية تأكل أطفالها قبل أن تنمو، وبالإخوان الذين كانوا يبيعون لنا جنة في الآخرة مقابل أخلاقنا في الدنيا. كنا، كغيرنا من الطلبة المساكين، كالإسفنج الذي يمتص كل سوائل العصر، نلهث خلف كل أيديولوجية تلوح لنا كسراب في صحراء العقول، نتبنى الماركسية صباحاً، والتحررية مساءً، والقومية ظهراً، والإسلامية ليلاً، وكأننا في سوق للأفكار الرخيصة، نشتري كل ما هو براق ونرمي كل ما هو ثقيل، نركض خلف كل دعوة للتغيير كأننا في سباق مع الزمن، لكننا لا نعرف أن التغيير الحقيقي لا يولد من رحم الشعارات، بل من رحم المعاناة اليومية التي كنا نتجاهلها بينما نحن نحلم. كنا نردد مقولات فوكو ودريدا وسارتر وكأننا نحفظ أناشيد رياضية، نلعب بالمفاهيم كالأطفال بالرمل، نبني قلاعاً وهمية على شواطئ الواقع القاسي، قبل أن يأتي مد النضج ويمحو كل ما بنيناه. حتى ما قبل سقوط جدار برلين، ذلك الجدار الذي كان يمثل في أذهاننا حدود العالم، شرقه شيوعي وغربه رأسمالي، وكُنا نحن الطلبة نقف في المنتصف ضائعين، ننظر إلى الشرق فنرى بطولات، وإلى الغرب فنرى رفاهية، وإلى أنفسنا فلا نرى سوى فوضى غير خلاقة. كنا نعتقد أن الأيديولوجيات هي الخلاص، وأن الاشتراكية هي الجنة الموعودة، وأن الرأسمالية هي الشيطان، وأننا إذا اخترنا الطريق الصحيح سنصل حتماً إلى السعادة، لكننا كنا نجهل أن السعادة ليست في اختيار طريق، بل في اكتشاف أن كل الطرق تؤدي إلى نفس النهاية، وأن كل اليقينيات هي مجرد أوهام جماعية، وأن الحقيقة الوحيدة هي تلك التي نكتشفها بعد أن نفقد كل يقينياتنا. كنا صغاراً، كنا أغبياء، كنا ساذجين، لكننا كنا نؤمن، وهذا الإيمان هو ما جعلنا نستمر، حتى عندما انهار الجدار في برلين وانهارت معه كل اليقينيات التي بنيناها، لم ننهار معه، لأننا اكتشفنا أن الجدران الحقيقية ليست في المدن، بل في عقولنا التي ما زالت تبحث عن إيديولوجية جديدة تؤمن بها، وكأن الإيمان بالله لم يعد كافياً، وكأن الإيمان بالإنسان لم يعد مقنعاً، وكأننا في سباق أبدي مع أنفسنا، نحاول أن نملأ الفراغ الذي تركه سقوط الأيديولوجيات، دون أن نعرف أن الفراغ هو الأصل، وأن كل ما ملأناه به كان مجرد سراب في صحراء الروح.
وفي دهاليز تلك الذاكرة المغربية، حيث تتراقص أسماء الرجال كأشباح في مرآة مكسورة، يقف إدريس البصري شامخاً كجبل صلد، أو كصخرة أبدية لا تلين، أو كتلك العواصف الرملية التي تجتاح الصحراء فلا تترك خلفها إلا الصمت والرماد. كان البصري، هذا الوزير الأسطوري، قلعة منيعة في وجه كل من حاول النيل من استقرار المملكة، أو حتى مجرد التفكير في ذلك. كان يملك مفاتيح السجون، ومفاتيح القلوب، ومفاتيح العقول، ومفاتيح كل شيء تقريباً، باستثناء مفتاح باب منزله الذي كان يغيره كل يوم خوفاً من أن يسرقه أحدهم. كان الدولة، وكان الحكومة، وكان القضاء، وكان الصحافة، وكان كل شيء، حتى أنه كان يشبه قديسا أسطوريا في كون كبير، أو ملكاً في مملكته الخاصة التي تسمى وزارة الداخلية، تلك الوزارة التي كانت تعرف بـ “أم الوزارات”، وكأن الوزارات الأخرى كانت مجرد بنات لقيطات غير مرغوب فيهن.
وفي رحابة ذلك الزمن، بعد أن تخرّجتُ من رحم الجامعة بإيديولوجياتي المتناقضة ويقينياتي الزائفة، وجدت نفسي أكتب كالمجانين، أنتقد نقداً لاذعاً، أمزق السياسات تمزيقاً، أهاجم البصري كأنني أهاجم طوفاناً، أو زلزالاً، أو كارثة طبيعية لا مفر منها، وكأنني بذلك أمارس ثورة صغيرة على طاولة التحرير. كنت أكتب مقالات (عمود قار) في جريدة “الحياة المغربية” -التي أسستها في أواسط تسعينيات القرن الماضي والتي لا تزال، حتى اليوم تصدر رغم الداء والأعداء و رغم حصار المتابعات القضائية التي لا تنتهي وطلبات تعويضات مدنية بمئات الملايين..أييه مئات الملايين – كان العمود يحمل اسم “هذه الحياة”، وكأنه يذكرني بأن الحياة تمر، لكن الجرائد تبقى، وأن الكلمات تموت، لكن الحبر يظل. كنت أكتب في زاوية “رأي” أو “كلمة الجريدة” أيضا، وعمودي “هذه الحياة” كان قوياً كالسيف المسلول، كالرعد المدوي، كصفعة في وجه الريح. كنت أكتب وأنا أشعر بأنني ألعب بالنار، بل ألعب بالديناميت، بل ألعب بالقنابل الذرية في ملعب أطفال. زُجّ بي في مختلف أنواع الزنازن والمعتقلات والسجون المغربية. والحمد لله أنا لازلت مثل الطود العظيم لم ولن تهُزّني أية ريح وأقولها دائما و بالفم المليان لا نامت أعين الجبناء.
أتذكر كلمة الجريدة التي كتبتها تحت عنوان لا زلت أراه أمام عيني يتراقص كلما أغمضتها: “فيروس الداخلية وهشاشة مناعة التغيير”. كان العنوان كالصاروخ، وكالشمعة في الظلام، وكالدعوة إلى ما لا أريده أن يحدث. نزلت الجريدة كالصاعقة على رؤوس القراء، وكانوا ينتظرون المصير الأسود، ينتظرونني في أقبية السجون، في الزنازين المظلمة، في غرف التعذيب غير الموجودة. حتى طاقم التحرير كان يعد العدة لكتابة نعيي، وزملائي كانوا يتنافسون على من سيحمل نعشي، لكن شيئاً غريباً، شيئاً مدهشاً، شيئاً غير متوقع حدث: لا شيء. لم يحدث شيء. لم يتصل بي أحد من الأمن، لم تأتني سيارة سوداء، لم يطرق بابي رجال بالملابس المدنية، لم يحاولوا حتى توجيه تهديد خفي عبر رسالة على الورق. ظللت أكتب، وما زلت أكتب، وما زالت مقالاتي تتوالى كالسيل الجارف، كلها في حق الوزير القوي، كلها لاذعة، كلها قاسية، لكن يبدو أن إدريس البصري كان يقرأها وهو يضحك في قرارة نفسه، أو كان يلفها ويستخدمها لإشعال النار في مدفئته، أو ربما كان يعلقها على جدران مكتبه كتذكارات سخيفة من كائنات صغيرة لا تستحق الالتفات. كان البصري قوياً حقاً، قوياً لدرجة أنه لم يكن بحاجة إلى كسر أقلامنا أو كسر ظهورنا، كان يعرف أن الكلمات تبقى حبيسة الجرائد، وأنها تتحلّل مع مرور الأيام، كالجثث في المقابر، أو كالأحلام في يقظة الصباح. كان يعرف أن القوة الحقيقية ليست في كسر من يكتب، بل في جعله يكتب دون أن يقرأه أحد، أو في جعله يكتب دون أن يهتم به أحد.
أما اليوم، يا للسخرية، يا للهزء، يا للزمن العجيب الذي نقلب فيه رؤوسنا قبل أن نكتب كلمة، نتحسّس أعناقنا كالدجاج الذي ينتظر المذبح، نمارس رقابة ذاتية تليق بأسوأ الأنساق السياسية التي ألغاها التاريخ. نكتب الآن أفكارنا كأننا نسير على حبل رفيع فوق بركان، نكتب كأننا نتسلل في غرفة مليئة بالعقارب و الأفاعي، نكتب كأننا نلعب الشطرنج مع الموت نفسه. ومع ذلك، ومع كل هذا الترقب، مع كل هذا الخوف، مع كل هذا التوجس، نجد أنفسنا متابعين قضائياً في أكثر من ملف، نجد أنفسنا نتحدث مع المحققين كأننا مجرمون حقيقيون، نجد أنفسنا ندافع عن كلماتنا وكلماتنا مجرد حبر على ورق، مجرد أفكار طائشة في زمن فقد عقله. أصبح الكل يضيق ذرعاً بنا، القارئ يضيق، والوزير يضيق، والقاضي يضيق، والشرطي يضيق، وحتى البائع المتجول الذي يبيع الصحف في الشارع العام يضيق. أصبحت مقالاتنا، التي هي مجرد تنبيهات، مجرد لفت نظر إلى ظواهر اجتماعية أو سياسية أو أمنية… لا نريد من خلالها إلا إصلاحا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، كأنها جرائم ضد الدولة، كأنها مؤامرات على الأمن العام، كأنها طعنات في خاصرة الوطن. نتحدث عن البطالة فنحاكم، نتحدث عن التعليم فنحاكم، نتحدث عن الصحة فنحاكم، نتحدث عن الجريمة التي تجتاح المدينة فنحاكم، نتحدث عن الطقس فنحاكم، وكأن الطقس نفسه أصبح موقفاً سياسياً، وكأن الغيوم أصبحت تنظيماً سرياً، وكأن المطر أصبح مجرد استفزاز للسلطات.
وهنا، في هذه اللحظة ، أجد نفسي أتساءل: هل كان البّا إدريس أذكى منا جميعاً؟ هل كان يعلم أن الحرية الحقيقية هي أن تكتب كل ما تريد دون أن يقرأك أحد، بينما اليوم حرية الكتابة تعني أن تقرأ كلماتك ألف مرة قبل أن تنشرها، وأن تعدّل فيها، وأن تحذف منها، وأن تخاف منها؟ هل كان البصري رجلاً حكيماً حين تركنا نكتب مقالات لاذعة دون متابعة، لأنه كان يعلم أن الجرائد تموت أسرع من الرجال، وأن الكلمات تتبخر كالماء في الصحراء، وأن الأفكار لا تساوي شيئاً ما لم تتحول إلى أفعال؟ أم كان البصري مجرد وزير قوي واثق من نفسه، لا يخاف من صرير أقلامنا، لأنه كان يعرف أن السجون ليست هي العقاب الحقيقي، بل العقاب الحقيقي هو أن تعيش حياتك كلها خائفاً؟
أقول اليوم بصوت مسموع، بصوت عالٍ: رحم الله زمن إدريس البصري،الرجل الذي كان يستطيع أن يسجنني ويحاسبني، لكنه فضل أن يتركني أكتب، لأن الكتابة كانت عقابي الحقيقي. رحم الله رجلاً كان يملك كل مفاتيح المملكة لكنه لم يستخدمها ضدي، بينما اليوم يملك مسؤولون صغار مفاتيح صغيرة، لكنهم يستخدمونها في كل مرة نكتب فيها كلمة لا تعجبهم. رحم الله زمن رجل كان يعرف أن القوة ليست في القمع، بل في التغاضي، وأن السلطة ليست في السجون، بل في ترك الناس تسجن نفسها بنفسها، وأن الحكم ليس في تكسير العظام، بل في تكسير النفوس دون أن يشعر أحد.
واللعنة على هذا الزمن الاغبر، الزمن العجيب، الزمن الذي أصبحنا فيه نحاكم على أبسط المقالات بتعويض بملايين الدراهم، على مجرد تنبيه، على مجرد سؤال، على مجرد استفسار، على مجرد شك في شيء ما. أصبحنا نحاكم كأننا قتلة، كأننا لصوص، كأننا خونة، نحاكم بالقانون الجنائي ونحن مجرد كتاب، مجرد أناس يمسكون بأقلام لا تساوي شيئاً أمام بنادق السلطة وأصفادها وسجونها ومعتقلاتها. أصبحنا نحاكم على كلمات لا تساوي وزن الحبر الذي كتبت به، على أفكار هي مجرد ومضات عابرة في دماغ متعب، على نصوص هي مجرد صرخات في وادٍ لا يسمعها إلا من أراد أن يسمع. ويأتي بعض الأوغاد، الذين لا يعرفون معنى الحرية ولا طعمها، ويقولون بصوت عالٍ، بثقة مفرطة، بغباء متناهٍ، إن البلد يتسم بمناخ تسمو فيه حرية التعبير، مناخ كأنه سويسرا أو النرويج أو الجنة الموعودة. حرية التعبير! هل هذه هي حرية التعبير؟ حرية التعبير هي أن تخاف من كلماتك؟ حرية التعبير هي أن تراجع نصوصك عشر مرات خوفاً من كلمة واحدة؟ حرية التعبير هي أن تشعر بأنك مستهدف في بلدك، بأنك غريب في وطنك، بأنك عدو لنفسك؟ هؤلاء الأوغاد، هؤلاء المُدّعون، هؤلاء الكذابون الأفاكون، لو جربوا ولو مرة واحدة متعة الكتابة في زمن البصري، حيث كان بإمكاني أن أكتب كل ما يحلو لي دون خوف، حيث كنت أستطيع أن أقول ما شئت دون أن أتحسّس رأسي، لكانوا قد فهموا معنى الحرية الحقيقية، أو على الأقل معنى غياب الخوف.
صدقوني، إن الخوف، أيها السادة، هو أعظم سجان في التاريخ، هو السجان الذي لا يغادر، الذي لا ينام، الذي لا يرحم. كنا نظن أن السجون هي الأقبية المظلمة، الزنازين الضيقة، الجدران الباردة، لكننا اكتشفنا أن السجن الحقيقي هو في داخلنا، في عقولنا، في خوفنا من الكلمة، في ترددنا قبل الكتابة، في تأكدنا المُمل من كل حرف نَخُطّه. أصبحنا نسجن أنفسنا قبل أن يسجننا أحد، نحدد حدودنا قبل أن يحددها لنا القانون، نرسم خطوطنا الحمراء قبل أن يرسمها لنا الرقيب. وهذه هي الكارثة الحقيقية، أن نكون نحن حراس سجوننا، أن نكون جلادينا، أن نكون قضاة أنفسنا. نحن الذين كنا نحلم بالأيديولوجيات الكبرى، نحن الذين كنا نريد تغيير العالم بشعارات فوكو ودريدا وسارتر…، نحن الذين كنا نعتقد أن سقوط جدار برلين سيفتح كل الأبواب، ها نحن اليوم نتحسّس رؤوسنا قبل كل كلمة، ونتراجع قبل كل جملة، ونعتذر قبل كل فكرة، وكأننا لم نتعلم شيئاً من التاريخ، وكأن كل تلك الأيديولوجيات لم تكن سوى تمارين في الخوف المقنّع ليس إلا…
ملحوظة ليس لها علاقة بما سبق
بعد عشرة أيام من الاختراق والقرصنة اللذين استهدفا موقع ” رسبريس” الإلكترونية وتسببا في توقف هذا العمود عن الصدور، يعود إليكم صاحب الزاوية معتذراً عن هذا الغياب القسري الذي لم يكن اختياراً، بل نتيجة اعتداء رقمي ممنهج استهدف منبراً اختار أن يبقى قريباً من قرائه، صادقاً في نقل الخبر، حراً في الرأي والتحليل. وإن كان الاعتذار واجباً تجاه قراء ظلوا أوفياء رغم الانقطاع، فإن الشكر أسبق وأصدق؛ شكراً للآلاف من قراء جريدة “رسبريس” عبر العالم الذين عبّروا عن تضامنهم الواسع واستنكارهم لهذا الاعتداء، فأثبتوا أن الثقة بين الصحيفة وجمهورها ليست شعاراً، بل رصيد حقيقي يُبنى في المحن قبل الأفراح. وشكراً للقسم التقني الذي عمل بإستماتة وتفانٍ، ليلاً ونهاراً، من أجل إصلاح الأعطاب المعقدة التي مني بها الموقع، فكان مثالاً للاحترافية والالتزام في ظروف بالغة الصعوبة. وشكراً لكل من ساندنا بكلمة أو التفاتة أو دعوة، فمحبتكم وإخلاصكم هما الطاقة التي دفعتنا للعودة أقوى وأصلب. إن هذه الحادثة، رغم قسوتها، أكدت أن “رسبريس” ليست مجرد موقع إخباري، بل مساحة لنقاش حر ومشروع إعلامي يحمل قضايا قرائه. وإذ نطمئنكم إلى أن إجراءات إحترازية إضافية اتُخذت لحماية المنصة وبيانات مستخدميها، نجدد العهد بالوفاء لكم، فالقرصنة قد تعطل موقعاً لأيام، لكنها لا تستطيع أن توقف كلمة حرّة ولا أن تكسر جسر الثقة الذي يربطنا بكم. عودة ميمونة، والعهد قائم
====
المصدر : https://respress.ma




Aucun commentaire