بنت الصالحين تدخل التاريخ!

اسماعيل الحلوتي
منذ توليه مقاليد الحكم عام 1999 خلفا لوالده الراحل الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، والعاهل المغربي محمد السادس يكاد لا يتوقف عن الإصلاحات الكبرى، مستهدفا تحديث المغرب والنهوض بأوضاع البلاد والعباد، وترسيخ قواعد الديمقراطية ودولة الحق والقانون، مما أدى إلى إقرار دستور 2011 الذي يعد من أكثر الدساتير السابقة تقدما، حيث تم توسيع صلاحيات البرلمان ورئيس الحكومة، وتعزيز استقلالية القضاء، وظل حريصا على احترام مقتضياته وتفعيلها…
ورغم ما خلفه تصدر حزب « البام » نتائج الانتخابات التشريعية، التي جرت في 23 شتنبر 2026 من جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، ليس بخصوص النتائج الرسمية المعلن عنها « 97 » مقعدا، وإنما حول ما إذا سيستمر الملك في تطبيق الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي المتصدر لانتخابات مجلس النواب على أساس نتائجها، دون تحديد جنسه إن كان رجلا أو امرأة، لاسيما أن الأمر هنا يتعلق بامرأة، وهي فاطمة الزهراء المنصوري الملقبة ب »بنت الصالحين »، باعتبارها منسقة القيادة الجماعية للحزب الأول. وأن الفصل 19 من ذات الدستور ينص على « يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية »
فإن صاحب الجلالة الملك محمد السادس وفي سابقة تعد هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب المعاصر، أبى إلا أن يكسر ذلك النمط السياسي الذي ظل قائما لعقود باحتكار الرجال لرئاسة السلطة التنفيذية، ويواصل تطبيق المنهجية الديموقراطية بصرف النظر عن جنس الشخص ذكرا كان أم أنثى، حيث أنه استقبل يوم الثلاثاء 29 شتنبر 2026 بالقصر الملكي العامر بمدينة الرباط، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وعينها بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وفي أول تصريح إعلامي عقب الاستقبال الملكي وتعيينها رئيسة للحكومة الجديدة، قالت المنصوري « تشرفت بالاستقبال المولوي السامي، وبتعييني من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رئيسة للحكومة القادمة » وأكدت أن الاستقبال الملكي « شكل لها فرصة لتلقي التوجيهات السامية لجلالته من أجل تدبير المرحلة المقبلة ». وأنها ستعمل على « اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات جلالة الملك وجميع المواطنات والمواطنين » كما أنها وصفت تلك اللحظة بالتاريخية، حيث أنها المرة الأولى في تاريخ المملكة التي تتحمل فيها امرأة مسؤولية بحجم رئاسة الحكومة، مما يبعث على الفخر والاعتزاز ليس لها وحدها فقط، بل لجميع نساء الوطن. وأوضحت أنها ستشرع منذ هذا اليوم في مشاورات داخلية على مستوى الحزب، ثم تنتقل إلى إجراء مشاورات موسعة مع جميع الأحزاب السياسية، قصد اقتراح حكومة تكون في مستوى انتظارات الجميع، مشددة على إعداد برنامج يقترح حلولا حقيقية وواقعية، وخاصة بالنسبة لفئة الشباب.
فالمنصوري أو « بنت الصالحين » لمن لا يعرفها من المواطنين، هي باقتضاب شديد محامية من مواليد يناير 1976 بمدينة مراكش، شغلت منصب عمدة مراكش بين 2009 و2015 ثم عادت لتتولى ذات المنصب عام 2021، إلى جانب تقلد منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بين سنتي 2021/2026. لها مسار أكاديمي وعلمي متميز في القانون الخاص وقانون الأعمال الدولي، انطلق بحصولها على شهادة البكالوريا عام 1994 والتحاقها بجامعة محمد الخامس بالرباط، لتنال بها شهادة الإجازة في القانون الخاص عام 1998. ثم سافرت إلى فرنسا وهناك حصلت على دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال من جامعة « مونبولييه » عام 1999، قبل أن تحرز على شهادة ودبلوم في قانون الأعمال « الأنجلوسكسوني » من جامعة نيويورك بأمريكا سنة 2000.
وحسب رأي بعض الخبراء وأساتذة القانون، فإن تعيين المنصوري رئيسة للحكومة الجديدة، هو تعبير عن التزام ملك البلاد بمقتضيات الدستور في احترام نتائج الاقتراع، وحرصه الشديد على تكريس الأسس المؤسساتية، ويمثل في ذات الوقت محطة رمزية مهمة في الحياة السياسية المغربية، خاصة أنها المرة الأولى التي تعين فيها امرأة على رأس السلطة التنفيذية، مما سيساهم في تشجيع المرأة على الانخراط في العمل السياسي…
فعلى المنصوري أن تعرف كيف تتفاعل مع نبض الشارع وتتعامل مع أهم القضايا الكبرى، خاصة أن المغاربة الذين تجرعوا كل أشكال المرارة خلال الحكومات الثلاث السابقة: حكومة حزب « الحمامة » برئاسة عزيز أخنوش، وقبلها حكومتي حزب « المصباح » بقيادة كل من عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني، ينتظرون اتخاذ إجراءات عملية حقيقية تكون قادرة على إيجاد حلول ملائمة لأهم المشاكل التي تمس حياتهم اليومية، مثل التشغيل وخاصة تشغيل الشباب ذوي الشهادات العليا، تحسين ظروف العيش وحماية القدرة الشرائية، الارتقاء بجودة الخدمات العمومية في التعليم والصحة، مكافحة مختلف مظاهر الريع والفساد، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية ومواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية…
إن فاطمة الزهراء المنصوري التي وصفت بين أعضاء حزبها بالمرأة الحديدية لما عرف عنها من جدية وصرامة في العمل، وما راكمته من تجارب سياسية واسعة، حتى أنه تم اختيارها كأقوى امرأة قيادية شابة في القارة الإفريقية تأثيرا ونفوذا وفق ما جاء في مجلة « فوربس » الأمريكية المتخصصة في المال والأعمال، بفضل ما تتوفر عليه من خبرة واسعة، مطالبة اليوم بأن تأتي بحكومة قوية ومنسجمة ومتضامنة، لتتمكن من تحقيق ما لم تستطع الحكومات السابقة تحقيقه، مع خالص متمنياتنا لها بالتوفيق.
اسماعيل الحلوتي




Aucun commentaire