Home»Enseignement»ملامح الوعي التربوي عند العرب :الجزء(2) – مفهوم « الإحماض »

ملامح الوعي التربوي عند العرب :الجزء(2) – مفهوم « الإحماض »

0
Shares
PinterestGoogle+

 

ملامح الوعي التربوي عند العرب :الجزء(2) – مفهوم « الإحماض »

الممارسون من رجال ونساء التربية والتعليم، على مقربة من ظاهرة التعب، أو الإحساس بالجهد المضني، الذي يصيب المتعلمين والمتعلمات، جراء مشقة تحصيل المعرفة عن طريق التدريس. وهذه الظاهرة طبيعية، وليست عيبا ولا منقصة، بل هي ميزة تحتسب لهم. فالإجهاد العقلي، أو النفسي، أو البدني، مؤشر على عملية التركيز، أو التحصيل  المعرفي. والقدماء من العرب المسلمين كانوا هم أيضا على وعي بهذه الظاهرة التربوية. فكيف عالجوها؟ وما هي أساليبهم في التقليل من حدتها؟

        إنه ما يسمى في تراثنا العربي والإسلامي ب »الإحماض »:  والحمض في لغتنا العربية هو: كل نبت في طعمه حموضة. قال « الأزهري »: والملوحة تسمى الحموضة. الحمض…إذا أكلته الإبل شربت عليه. وإذا لم تجده رقت وضعفت.. والخلة من النبات ما كان حلوا والعرب تقول:الخلة خبزالإبل. والحمض فاكهتها ويقال لحمها. ويقال قد أحمض القوم  إحماضا ، إذا أفاضوا  في ما يؤنسهم من الحديث والكلام. كما يقال فكه ومتفكه. و في حديث « ابن عباس »: كان يقول إذا أفاض من عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: أحمضوا. وذلك لما خاف عليهم الملال ، أحب أن يريحهم فأمرهم بالإحماض بالأخذ في ملح الكلام والحكايات. والحمضة الشهوة إلى الشيء. وروى أبو عبيدة…لبعض التابعين قال : »الأذن مجاجة وللنفس حمضة أي شهوة. كما تشتهي الإبل الحمض إذا ملت الخلة. والمجاجة: التي تمج ما تسمعه فلا تعيه إذا وعظت به أو نهيت عنه…الآذان ذات شهوة لما تستظرفه من غرائب الحديث ونوادر الكلام. ».ومنهم للرجل إذا جاء متهددا أنت مختل فتحمض: »قولهم جاءوا مخلين فلاقوا حمضا… »الحمض ما ملح وأمر من النبات.وهي كفاكهة الإبل. والخلة ما حلا وهي كخبزها…والحمضة:الشهوة للشيى ». ([1])

       أما البداية فكانت إشارة من السنة النبوية، فالتقطها الصحابة ، وطورها التابعون من بعدهم، والعلماء بعد ذلك ظهير، ثم مارسها المؤدبون، واستشعرها الشعراء والمتأدبون، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ربعي حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتاب رسول الله (ﷺ) قال: لقيني أبو بكر  فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله (ﷺ) يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد و الضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر  فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار و الجنة كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده، لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، لكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات..أي ساعة لله عز وجل، وساعة مع الأهل والأولاد، وساعة  للنفس من أجل الراحة والاستجمام.

        و قد استوعب الصحابة ذلك التوجيه النبوي فمارسوه للتو . فقد صح عن « ابن عباس » أنه كان إذا جلس مع أصحابه حدثهم ساعة، ثم قال « حمضونا »، فيأخذ في أحاديث العرب ثم يعود يفعل ذلك مرارا([2]). ثم صار مع تقدم الزمن، منهجا تعليميا في الأمة الإسلامية. وما زال العلماء والأفاضل يعجبهم الملح ويهشون لها، لأنها تجم النفس وتريح القلب من كد الفكر ([3]).وقد يستعان ببعض القصص الفكاهية وذلك: « بالنظر في سير هؤلاء المبخوسين حظوظا يوم القسمة، فإن النفس قد تمل من الدؤوب في الجد ، وترتاح إلى بعض المباح من اللهو. و وصف رجل من النساك عند « عبيد الله بن عائشة » فقالوا :هو جد كله فقال: لقد أضاق على نفسه المرعى، وقصر لها طول النهى، ولو فككها بالانتقال من حال إلى حال، لتنفس عنها ضيق العقدة ، و راجع الجد بنشاط وحدة.([4])

……………………………………………………………………………………………… 

 )  القاموس المحيط – الفيروزابادي- نسخة منقحة ..راجعه واعتنى به – أنس محمد الشامي- زكريا جابر أحمد- دار الحديث-القاهرة-[1]

[2]) أخبار الحمقى والمغفلين من الفقهاء والمفسرين والمحدثين والشعراء والمتأدبين والكتاب والمعلمين والتجار والمتسببين

وطوائف تتصل للغفلة بسبب متين-الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمان بن الجوزي القرشي البغدادي(508-597هجرية)شرحه:عبد الأمير مهنا- طبعة دار الفكر اللبناني الأولى1410 هج-1990م-  :ص 16

[3] ) المرجع نفسه :ص 17

[4] ) المرجع نفسه :ص 17

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *