Home»Débats»هل يجوز للقانون توسيع اختصاص المجلس الأعلى للحسابات

هل يجوز للقانون توسيع اختصاص المجلس الأعلى للحسابات

0
Shares
PinterestGoogle+

ذة.سليمة فراجي
اعتقد أن نقطة الخلاف الأساسية مع المنتصرين لفرض رقابة المجلس الأعلى للحسابات على حسابات ودائع المحامين ليست في أهمية الشفافية أو حماية أموال المتقاضين، فهاتان قيمتان دستوريتان لا يجادل فيهما أحد، وإنما في حدود سلطة المشرع عندما يكون الدستور قد حدد اختصاص مؤسسة دستورية على سبيل الحصر.
فإذا كان الدستور قد رسم مجال اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، طبقا للفصل 147 من الدستور فإن القانون التنظيمي أو القانون العادي لا يستطيع أن يضيف إليه اختصاصًا جديدًا يخرج عن ذلك المجال، لأن القانون أدنى مرتبة من الدستور، ولا يملك تعديل مضمونه بصورة غير مباشرة.
وعليه، فإن القول بأن “المشرع سبق أن أسند إلى المجلس الأعلى للحسابات مهام استثنائية” لا يكفي في حد ذاته. فالعبرة ليست بوجود سوابق تشريعية، وإنما بمدى مطابقتها للدستور. فوجود نص قانوني لا يعني أنه دستوري، بل يبقى خاضعًا لرقابة المحكمة الدستورية.
كما أن محاولة التمييز بين رقابة “محاسبية” ورقابة “مهنية” لا تحسم الإشكال الدستوري. لأن السؤال السابق على طبيعة الرقابة هو: هل يملك المجلس الأعلى للحسابات أصلًا ولاية دستورية على هذه الأموال؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإن تضييق نطاق الرقابة أو توسيعها لا يغير من الإشكال شيئًا، إذ لا يجوز إنشاء اختصاص دستوري بقانون.
ثم إن حسابات الودائع، مهما كانت خصوصيتها، تظل أموالًا خاصة تعود للمتقاضين، ولا تتحول إلى مال عام أو إلى مال خاضع للرقابة الدستورية للمجلس الأعلى للحسابات بمجرد أن القانون وصفها بأنها تستحق حماية خاصة. فالحماية يمكن تحقيقها بوسائل متعددة: تعزيز آليات الافتحاص الداخلي، إخضاعها لخبرة محاسبية مستقلة، تشديد المراقبة القضائية عند الاقتضاء، أو إحداث آلية رقابية خاصة، دون نقل الاختصاص إلى مؤسسة حدد الدستور مجال تدخلها.
نستنتج من ذلك ان الإشكال ليس في رفض الشفافية ولا في معارضة حماية أموال المتقاضين، وإنما في احترام مبدأ سمو الدستور. فالقانون لا يملك أن يمنح مؤسسة دستورية اختصاصًا لم يمنحه لها الدستور، وإلا أصبح القانون يعدل الدستور بطريقة غير مباشرة. لذلك فإن النقاش الحقيقي ليس: هل الرقابة المحاسبية مفيدة؟ بل: هل يسمح الدستور أصلًا بإسنادها إلى المجلس الأعلى للحسابات؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإن حسن النية، ووجود الضمانات، وأهمية الحكامة، كلها اعتبارات لا تكفي لتجاوز الحدود التي رسمها الدستور. فدولة القانون لا تقوم على نبل الغاية وحدها، وإنما على مشروعية الوسيلة أيضًا.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *