Home»Débats»المغرب بلد فلاحي .. لكن سيطرة السماسرة والفراقشية والريعيين على المنتوج الفلاحي يهدد السلم الاجتماعي ..

المغرب بلد فلاحي .. لكن سيطرة السماسرة والفراقشية والريعيين على المنتوج الفلاحي يهدد السلم الاجتماعي ..

0
Shares
PinterestGoogle+

مصطفى قشنني

دعونا ننتهي من الأسطورة أولاً: المغرب ليس “غير فلاحي” كما يظن البعض. المغرب بلد فلاحي بامتياز، لكنه فلاحي بطريقة خاطئة، مريضة، منحرفة. الفرق شاسع بين من يفتقر إلى المقومات ومن يمتلكها لكنه يسيرها نحو الهاوية. نحن لسنا كمن يبحر بلا شراع، بل كمن يمتلك سفينة عملاقة ويصر على اصطدامها بالصخور متعمدًا. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نضعها على الطاولة دون مواربة: المغرب ينهض على قطاع فلاحي قادر نظريًا على تحقيق الأمن الغذائي، لكنه تحول عمليًا إلى آلة لاستنزاف الموارد وإثراء القلة وإذلال الأغلبية.

لنبدأ بالقمح. صحيح أننا نستورده من فرنسا وأوكرانيا وروسيا وأمريكا في سنوات الخصب، وهذا مؤلم. لكن هل سألنا أنفسنا لماذا؟ ليس لأن أرضنا لا تنتج، بل لأن سياستنا التخزينية فاشلة، ولأن فلاحتنا الحبوبية تُهمش لصالح فلاحة التصدير. المغرب ينتج في السنوات الجيدة حوالي 7 إلى 8 ملايين طن من الحبوب، لكنه يستهلك أكثر من 11 مليونًا. الفجوة موجودة، نعم، لكنها ليست كارثية كما يُصوَّر. الكارثة الحقيقية أننا نخسر سنويًا ملايين الأطنان بسبب التقلبات المناخية التي لم نستعد لها ببنى تحتية حقيقية للري التكميلي، وبسبب غياب سياسة تحفيزية للفلاح الصغير ليزرع الحبوب بدلًا من أن يهاجر إلى المدينة. المشكلة ليست أننا بلد غير فلاحي، المشكلة أننا نفضل شراء القمح من الخارج لأن ميزانيته بالعملة الصعبة تخدم مصالح شركات الاستيراد الكبرى، بينما دعم الفلاح المحلي يبقى حبرًا على ورق. هذا ليس فقرًا إنتاجيًا، هذا فقر قرار سياسي.

ثم تأتي قضية اللحم والأضاحي. نعم، الأسعار جنونية، والخروف أصبح حلمًا. لكن هل نقص المواشي هو السبب؟ كلا. المغرب يمتلك قطيعًا ضخمًا من الأغنام والماعز يصل إلى حوالي 20 مليون رأس في السنوات العادية. أين تذهب إذن؟ تذهب إلى التهريب، تذهب إلى الذبح العشوائي خارج الأطر القانونية، تذهب إلى المجازر السرية، والأهم من هذا كله، تذهب إلى جيوب المضاربين الذين يحتكرون الأسواق الأسبوعية ويحكمون قبضتهم على العرض والطلب. الحكومة تتفرج، والوزراء يهددون أحيانًا ثم يتراجعون، والمواطن يدفع الثمن. إنها مافيا مسلحة بالمال والنفوذ، وتستغل الدين والمواسم الدينية لرفع الأسعار باسم “البركة” و”الأضحية”. هل هذه علامة على أن المغرب غير فلاحي؟ بالعكس، هذه علامة على أن فلاحتنا مربوطة بسلاسل من الفساد والريع، وليس بسلاسل الإنتاج والتوزيع العادلة.

أما السردين، فالقصة أعقد وأعمق. نحن ثالث منتج للسردين في العالم بعد بيرو وتشيلي، وأول مصدر له في أفريقيا. لدينا أسطول صيد ضخم، ومناطق صيد غنية. فلماذا يرتفع سعره إلى درجة أنه لم يعد غذاء الفقراء؟ لأن السردين يُحوَّل بشكل متزايد إلى طحين السمك وزيوت السمك التي تُصدر إلى الخارج بأسعار خيالية، ولأن الصيادين التقليديين يخضعون لوسطاء يفرضون عليهم شروطًا استغلالية. الباخرات الضخمة التابعة للشركات الكبرى تصطاد الكميات الهائلة، بينما الصياد الصغير بالمركب الخشبي لا يكاد يغطي مصاريفه. ثم يأتي دور تجار الجملة الذين يحتكرون أسواق السمك ويعبثون بالأسعار كما يشاؤون. السردين موجود بكثرة في بحارنا، لكنه يختفي من موائد فقرائنا. هذا ليس فشلًا فلاحيًا، هذا نجاح لفلاحة الريع والنهب.

والعجيب أننا في الوقت نفسه نمتلك زراعات تسيل اللعاب: الحوامض، الزيتون، الطماطم، الفراولة، الأفوكادو وأسماء فواكه أخرى لا نعرف إسمها. نصدّرها إلى أوروبا والخليج ونحصل على مداخيل مهمة من العملة الصعبة. لكن ثمن ذلك هو استنزاف جائر للمياه الجوفية، وتهميش زراعة الحبوب والبقوليات الأساسية، ورفع أسعار الخضر والفواكه في السوق الداخلية. الفلاحة المغربية ازدادت ازدهارًا من حيث القيمة التصديرية، لكنها ازدادت فقرًا من حيث العدالة الاجتماعية والأمن الغذائي. نموذج “المخطط الأخضر” الذي رُفع على أنه ثورة فلاحية، كان في جوهره خوصصة للربح وتعميم للخسارة على المواطن العادي. شركات كبرى استولت على الأراضي الجماعية (صوديا، صوجيطا، الأراضي السلالية…)وحصلت على عقود الري بسعر مدعوم، وصدرت أرباحها إلى الخارج، بينما تركوا للفلاح الصغير الفتات والمخاطر المناخية.

نشتري البصل من هولندا والبطاطس من مصر؟ نعم، الآن. لكن هذا ليس عجزًا إنتاجيًا بقدر ما هو سياسة سوق فاشلة. هولندا تنتج بصلًا أرخص من بصلنا لأن فلاحيها مدعومون بشكل مذهل، ولأنهم يستخدمون تقنيات متطورة. مصر تنتج بطاطس في الشتاء ونحن في الصيف، فتصدّر لنا في مواسم ندرتنا. لو كنا نخطط بشكل جيد، لاستطعنا تخزين محصولنا وتنظيم الأسواق. لكننا نفضل الاستيراد لأنه يُدر أرباحًا سريعة للمستوردين، ويُريح الحكومة من مسؤولية توفير التخزين والتوزيع. هذه سياسة الكسل الإداري والجشع الخاص.

القول بأن المغرب “ليس بلدًا فلاحيًا” هو هروب من المواجهة. المغرب بلد فلاحي، لكن فلاحته مختطفة من قبل لوبيات السماسرة، وفراقشية الأسواق، وتجار الأزمات. الحل ليس في شعارات “الاكتفاء الذاتي” المستحيلة أو “التوقف عن الاستيراد” الطوباوية، بل في إعادة هيكلة القطاع من جذوره: حماية الفلاح الصغير، تشجيع التعاونيات، محاربة الاحتكار في التوزيع، رقابة صارمة على الأسواق، استثمار حقيقي في التخزين والتحويل، وفصل السياسة الفلاحية عن مصالح التصدير الريعية. نحتاج إلى ثورة في الحوكمة لا في الألوان: لا مخطط أخضر ولا أزرق ولا وردي، بل إرادة سياسية تكسر ظهور المافيا وتعيد الاعتبار للفلاحة كحق للشعب لا كسلعة للنخبة.

نحن لسنا ضحية الجغرافيا، بل ضحية الإرادة. لسنا فقراء بالمقومات، بل أغنياء بالفرص الضائعة. المغرب يستحق أن يكون فعلاً بلدًا فلاحيًا بكل معنى الكلمة: أن يأكل من خيره، ويشرب من مائه، ويكتفي بمنتوجه. لكنه لن يصل إلى هناك ما دامت قراراته الفلاحية تُتخذ في مكاتب السماسرة لا في مؤسسات الدولة، وما دام المواطن آخر من يفكرون فيه بعد جيوب المستوردين والمصدرين والوسطاء. فإما أن نكون بلدًا فلاحيًا حقًا، وإما أن نتوقف عن التظاهر ونسلم أمر بطوننا للأسواق العالمية. الخيار لنا، والوقت ينفد.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *