المناضلة ليلى شهيد فلسطينية الجنسية مغربية الوجدان: مسيرة استثنائية لامرأة جمعت بين الانتماء الوطني الراسخ والعمق الثقافي الإنساني

عبدالقادر كتـــرة
المناضلة ليلى شهيد فلسطينية الجنسية مغربية الوجدان، مسيرة استثنائية لامرأة جمعت بين الانتماء الوطني الراسخ والعمق الثقافي الإنساني.
رحيلها المؤسف قبل أيام قليلة (في 18 فبراير 2026) أعاد إلى الأذهان إرثها الكبير، ليس فقط كصوت لفلسطين، بل كجسر ثقافي وسياسي متين بين المشرق والمغرب وأوروبا.
ارتباطها الوجداني بالمغرب لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل تشكل عبر اندماج حقيقي. زواجها من الروائي والمفكر المغربي البارز محمد برادة عام 1977، واستقرارها في المملكة لأكثر من عشر سنوات، جعلها جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والفكري المغربي. هذا التفاعل منحها فهماً دقيقاً لديناميات شمال إفريقيا وجعلها تتبنى قضايا المنطقة بوجدان صادق.
كأول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية، ولاحقاً كسفيرة في عدة دول أوروبية والاتحاد الأوروبي، امتلكت ليلى شهيد قدرة نادرة على تفكيك المشهد الجيوسياسي.
لم تعتمد على العاطفة فقط في مخاطبة الغرب، بل قدمت القضية الفلسطينية من منظور العدالة، القانون الدولي، والعلاقات الدولية المتبادلة، مما جعلها صوتاً مؤثراً في دوائر صنع القرار.
ليلى شهيد أدركت مبكراً أن الدبلوماسية الكلاسيكية تحتاج إلى روافع أخرى، فاستخدمت الثقافة كأداة « قوة ناعمة ».
تجربتها الغنية في المغرب، إلى جانب نشأتها في لبنان ودراستها في فرنسا، منحتها تنوعاً فكرياً مكنها من اختراق الساحات الدولية وبناء شبكات تضامن عابرة للحدود.
إن شخصية بوزن ليلى شهيد تمثل حالة غنية جداً في كيفية تداخل المسارات الثقافية مع القضايا الجيوسياسية الكبرى، وكيف يمكن لـ « الوجدان » الذي يتشكل في بيئة مثل المغرب أن يصقل الرؤية الاستراتيجية لدبلوماسية فذة.
وظّفت ليلى شهيد هذا العمق الثقافي والمغاربي في استراتيجياتها ومفاوضاتها داخل أروقة الاتحاد الأوروبي:
مسيرة ليلى شهيد تمثل حقبة كاملة من التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية للقضية الفلسطينية.
لقد انتقلت ببراعة من نضال القواعد الطلابية والعمل الميداني إلى اختراق أروقة صناعة القرار الأوروبي.
ولدت عام 1949 في بيروت لعائلة « الحسيني » المقدسية العريقة التي أُجبرت على مغادرة فلسطين، مما ولّد لديها وعياً مبكراً بقضية الشتات واللجوء.
أثناء دراستها لعلم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في باريس، انخرطت بقوة في العمل السياسي، وانتُخبت عام 1976 رئيسة لاتحاد الطلبة الفلسطينيين في فرنسا.
لعبت دوراً محورياً في تسليط الضوء على المجزرة دولياً. رافقت الكاتب الفرنسي الشهير « جان جينيه » إلى المخيمات عقب المجزرة مباشرة، وهو ما أثمر عن نصه الشهير « أربع ساعات في شاتيلا »(1982)، مما شكل ضربة أخلاقية وإعلامية لإسرائيل في الساحة الأوروبية.
رغم استقرارها في المغرب منذ عام 1977، شكلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى دافعاً لعودتها المباشرة إلى قلب العمل السياسي. في عام 1989، أصبحت أول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج، كمرسلة في أيرلندا ثم في هولندا والدنمارك.
بين عامي 1993 و2005، عُينت مفوضة عامة لفلسطين في فرنسا ومندوبة دائمة لدى « اليونسكو ». كانت هذه المرحلة شديدة التعقيد وشهدت مفاوضات أوسلو، ثم الانتفاضة الثانية (2000).
تصدرت المشهد الإعلامي والسياسي العالمي كحلقة وصل موثوقة وعقلانية بين القيادة الفلسطينية، الدولة الفرنسية، والمجتمع الدولي، أثناء مرض الرئيس الراحل ياسر عرفات ونقله إلى باريس وحتى وفاته(2004).
الدبلوماسية في قلب بروكسل (2005- 2015): انتقلت لتشغل منصب مفوضة فلسطين العامة لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ.
اعتمدت مقاربة حازمة تركز على استغلال التناقضات بين التزامات أوروبا بالقانون الدولي وبين واقع السياسات الإسرائيلية. عملت على تحويل التضامن الأوروبي من مجرد تعاطف شعبي إلى مواقف سياسية ومراجعات للاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل (مثل حملات وسم بضائع المستوطنات).
ما بعد العمل الرسمي والدبلوماسية الموازية (2015 – 2026):
بعد تقاعدها من العمل الرسمي، رفضت التخلي عن نضالها، ولعبت دوراً بارزاً في « محكمة راسل »، وهي مبادرة دولية تهدف إلى مساءلة إسرائيل قانونياً وأخلاقياً عن انتهاكاتها.
استمرت في تقديم قراءات جيوسياسية معمقة للأحداث، مدافعة عن العدالة كشرط مسبق لأي استقرار إقليمي، ومحذرة من التداعيات الاستراتيجية لتهميش الحقوق الفلسطينية، حتى رحيلها في 18 فبراير 2026.
لقد جسدت ليلى شهيد نموذجاً لـ « الدبلوماسية المقاومة »، حيث دمجت الفهم العميق لآليات النظام الدولي مع التمسك الصارم بالثوابت التاريخية.



Aucun commentaire