غياب الفريق الأول السعيد شنقريحة الرئيس الفعلي للجزائر في جلسة مجلس وزاري وفي الخطاب السنوي لتبون للأمة يثير الشكوك وينبئ بمرحلة إعادة الترتيب الداخلي

عبدالقادر كتـــرة
غياب في جلسة مجلس وزاري مهم ترأسه ونظَّمه عبد المجيد تبون في الثامن والعشرين من دجنبر الماضي، وغائبٌ كذلك في الخطاب السنوي لتبون للأمة – وهو الثالث من نوعه – أمام البرلمان المجتمع في قصر الأمم في نادي الصنوبر بالجزائر العاصمة، أثار الشكوك واتح الباب على مصرعيه للتأويلات رشحت كفت مرضه المزمن والخطير يمنعه حتى من الجلوس على أريكة.
إن الجنرال الفريق سعيد شنقريحة، الرجل القوي وراء مؤسسة الجيش الجزائري والرئيس الفعلي للجزائر، في قلب جميع الإشاعات والجدل في الجزائر.
بعض المصادر تُرجع سبب غيابه إلى المرض وإلى وهن شديد في جسده، ومصادر أخرى تؤكد أنه في سفر إلى الخارج في نهاية السنة لأسباب تبقى سرية أو غامضة. لكن الروايتين كلتيهما تجدان صعوبة في الإقناع، ذلك أن سعيد شنقريحة لم يغب طوال السنوات الماضية عن أهم وأخطر الأحداث السياسية في البلاد.
لقد كان حضوره إلى جانب عبد المجيد تبون في مثل هذه اللحظات المفصلية يمثل دائمًا ضرورة قصوى للنظام الجزائري الحريص على الحفاظ على وحدته وقوته. إن غياب شنقريحة اليوم هو أصل شعور بعدم ارتياح كبير يحاول نظام تبون التهوين منه أو التقليل من شأنه أو كبته.
في خضم هذا الغياب اللافت، تتناقل الأوساط السياسية والإعلامية نظريات أخرى تتجاوز رواية المرض أو السفر، منها ما يشير إلى وجود خلافات جوهرية داخل قمة الهرم السياسي-العسكري حول ملفات سيادية أو اقتصادية، ومنها ما يلمح إلى احتمال إجراء ترتيبات أو تسويات داخلية تُعيد تشكيل خريطة التوازنات. الواضح أن الصمت الرسمي المتبع، مع محاولة تصوير الغياب كحدث عادي، يزيد من حدة التكهنات ويعمق أزمة الثقة داخل دوائر النخبة الحاكمة نفسها.
وفي الأنظمة التي تُشكِّل فيها المؤسسة العسكرية عماد السلطة، يتحول الحضور الجسدي للقادة العسكريين في المناسبات الرسمية إلى رسالة طمأنينة داخلية وإلى إشارة للوحدة والاستقرار.
لذلك، فإن غياب شنقريحة – الذي اعتاد أن يكون ظهيراً مرئياً للرئيس تبون في جميع المحطات الكبرى – ليس حدثاً إدارياً عادياً، بل هو حدث سياسي بامتياز.
هذا الغياب يكسر صورة « الوحدة المتجانسة » التي يسوقها النظام، ويعري التوترات الكامنة التي قد تكون موجودة.
وتقديم روايتين ضعيفتين (مرض شديد أو سفر سري) دون أدلة داعمة، يُضعف مصداقية الخطاب الرسمي.
إذا كان المرض شديداً لدرجة منعه من الحضور، فمن المتوقع أن تظهر آليات للتأكيد على استمرارية العمل أو نقل الصلاحيات بشكل طقسي يُطمئن النخبة.
أما رواية السفر السري في نهاية السنة، فهي تتعارض مع الأهمية الاستثنائية للحدثين اللذين غاب عنهما، مما يدفع نحو تفسير الغياب على أنه « عقاب » أو « احتجاج » أو « انشغال بأزمة داخلية أكثر خطورة ».
ومحاولة النظام « تبييض » أو « تطبيع » هذا الغياب تكشف عن هشاشة موقفه. فهو من ناحية لا يستطيع الاعتراف بوجود خلل، ومن ناحية أخرى لا يملك سردية قوية لتبرير الغياب. هذا يُضعف سلطته الرمزية ويُظهر أن التوازنات الداخلية قد تكون في حالة تحول، وأن مركز القوة الفعلي (الجيش) قد يكون في مرحلة إعادة تقييم لتحالفاته ومواقفه.
المشهد الجزائري يشهد لحظة مفصلية يتجاوز فيها التحليل السطحي للظواهر إلى البحث في الديناميكيات العميقة للسلطة.
غياب شنقريحة ليس مجرد خبر، بل هو عَرَض لمرحلة انتقالية محتملة داخل « الغرفة السوداء » للنظام الجزائري.
التاريخ السياسي للجزائر الحديثة يُظهر أن أي تحول في العلاقة بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية، أو أي غموض يحيط بصحة أو موقع القيادة العسكرية، غالباً ما يكون مقدمة لمرحلة من إعادة الترتيب الداخلي.
الهدوء الظاهر على السطح والذي يسبق العاصفة قد يخفي تحركات مكثفة خلف الكواليس لتجديد التحالفات أو تسوية الخلافات.
الأسئلة المطروحة الآن: هل يمثل هذا بداية انحسار للنفوذ المباشر لشنقريحة؟ أم أنه مجرد حالة استثنائية عابرة؟ وما هي القضايا الجوهرية التي قد تكون سبب الخلاف إن وجد؟ الأيام القادمة، ومدى ظهور شنقريحة العلني وطبيعة هذا الظهور، ستكون كاشفاً حقيقياً لاتجاه الرياح داخل قصر المرادية ومقر الجيش. في كل الأحوال، فإن « الغياب » هنا قد يكون أكثر بلاغة وخطورة من أي « حضور ».





Aucun commentaire