كساد الصوف

محمد شحلال

سيظل العديد من بني البشر مدينين للضأن ومقرين بفضائل هذا الحيوان في توفير الغذاء والملبس،إلى درجة أن امتلاك رؤوس من الأغنام،كان مؤشرا على تميز صاحبها لأن ما توفره رؤوس معدودة من الغنم يتجاوز أضعاف عشرات من رؤوس الماعز.
ولعل أهم الفوارق بين الضأن والماعز،يتجلى في ارتباط منافع صوف الأول بخدمة الإنسان بالدرجة الأولى،بينما يستخدم شعر الماعز في أغراض تتعلق بالحيوان.
وهكذا،وإلى جانب جودة لحم الغنم،فإن صوفه كان مصدرا لأهم ملابس الناس والبدو في المقام الأول.
لقد تفننت النساء في صنع ملبوسات متنوعة أهمها الجلباب والبرنس ناهيك عن المفروشات والأغطية التي تصلح للزينة ومقاومة البرد ممثلة في الزرابي والقطائف التي صارت من الماضي.
أذكر أن كل الرجال في مسقط الرأس،كانوا يمتلكون ،،برنسا،،( سلهام) لا يستغني عنه معظمهم على مدار الأيام لأنه يجمع بين الدفء والزينة حيث يكتمل،،اللوك،،بعمامة ناصعة البياض.
غير أن بعض الأسر كانت تصنع الفارق إذا كان بين قطيع الضأن رؤوس سوداء،ذلك أن هذا الصنف،يوفر صوفا يصنع منه البرنس الراقي الذي يطلقون عليه،،الخيدوس،،،وهو لباس يبوئ صاحبه مكانة اجتماعية متميزة ولا سيما إذا امتلك فرسا.
لم يكن من السهل ارتداء البرنس الأسود،لأن ذلك يقتضي نمطا من العيش الذي لا ينافس،لذلك كان التفكير في امتلاكه من قبيل المخاطرة،حيث كان الناس يستهجنون مزاحمة صاحب،،الخيدوس،،للفقراء في تقشفهم.
وبمقابل ،،فراء،،الضأن المتفردة في قيمتها،فإن شعر الماعز قد ظل مادة أولية بل اساسية لصنع متاع يرتبط بصنع الخيام وتجهيز الدواب.
وهكذا،كانت ربات البيوت يصنعن من هذا الشعر حبالا خاصة بالخيمة،أو بعض الأكياس التي تنقل فيها الحبوب على ظهر الدواب وكأن الناس يأنفون من هذا الشعر الذي جعل حامله لا يرقى إلى مصاف الضان في اللحم والكساء الذي ميزه به الخالق الذي ثمن هذه المخلوقات حين قال عنها في س.النحل: << ومن أصوافها وأوبارها واشعارها متاعا وأثاثا الى حين>>.
تفنن الناس عبر العصور في تصنيع الصوف فانتقل من المرحلة البدائية والتقليدية،إلى العصرنة،لتصنع منه أجود الملابس والأفرشة،لكن مكانته المعهودة في المجتمع المغربي قد عرفت تراجعا كارثيا،حيث كسدت سوق الصوف مع تزايد المنافسة القادمة من كل بقاع العالم،واصبح الصوف فجأة،بضاعة منبوذة يسارع الناس الى التخلص منها بعدما الصقت بها تهم لا حصر لها،بل لقد أصبحت مرض،،الحساسية،، رديفا للصوف فلم تتأخر النتائج،حيث خلت الصالونات من المفروشات الصوفية،وحلت الأغطية ،،الأجنبية،،محل المصنوعات اليدوية الصوفية التي كان لها شأن ذات زمان،وكان وجودها في البيوت مقياسا للرقي الاجتماعي.
وبينما كان لجز الغنم في مسقط الرأس طقوس خاصة،ترافقه ولائم وأهازيج يرددها أشخاص محترفون،فإن المربين للغنم يسارعون اليوم الى التخلص من الأصواف بإلقائها حيثما اتفق ،لذلك يصادفها المتجول في الغابة والأودية في تسفيه فج لصنع رباني أشاد بقيمته في كتابه العزيز.
رحم الله الصوف الذي حمانا من البرد ذات زمن فعاقبناه بتهمة نشر الحساسية وما كان في حكمها من تهم وافتراء.




Aucun commentaire