Home»Débats»كوميديا.. بشرية أم حيوانية؟

كوميديا.. بشرية أم حيوانية؟

0
Shares
PinterestGoogle+

                              رمضان مصباح

المشهد الأول:

بدا لأفراس النهر أن مطاردتها للنمور، والأسود المتربصة بحواشي البحيرة الغابوية – تُرْدي كل من يقترب  للارتواء ؛من غزلان وقردة وذئاب وثعالب – سيريح الغابة من فتانين كبار ،وأنياب مُكشرة ،على الدوام ،جاعت أم شبعت.

قبل العزم على الخلاص ،جرت مفاوضات بين أعيان الفريقين:

أفراس النهر يصرون على ملكية البحيرة ،فهم فيها منذ الأزل، ليلهم كنهارهم  ؛ولا يمكن أن يعيشوا خارجها أكثر من ساعات معدودة.

خلقنا فيها ،يقولون، وسنظل فيها ،ولم يكن لنا أي وجود خارجها.

كل الحيوانات تعرف هذا ،وترويه ،أبا عن جد ؛ولم تجر الأيام بيننا وبينها الا بالود والاحترام.

هي تفد علينا لترتوي ،ونحن نأنس بها ،ونشم فيها رائحة البرية ،التي لا يمكن أن نسرح فيها على هوانا ،طولا وعرضا ؛دون أن تلفحنا الشمس ،وتنهش الحشرات جلودنا الرخوة.

تعلمون أن هذا الجلد الثخين ،و المبلل دوما ،ما أن يجف حتى يتحول الى ما يشبه الحديد صلابة وضغطا ؛وليس بعد هذا الا الموت المحقق.

كيف نصبر على النمور والأسود ،وهي  تفد على البحرية للشرب كغيرها  ؛لكن بنوايا افتراسية، كلها دناءة وغدر.

ما أن تسهى صغار الحيوانات ،وهي تطفئ الظمأ ،حتى تجد نفسها بين ناب وظفر لا يرحمان .

لنا في كل يوم منكم مناظرُ تقشعر لها ابداننا الضخمة ؛وليس في وسعنا فعل شيء؛ ما دمتم بخفة ،وما دمنا بهذا الثقل الذي أراده الله لنا ،لحكمة ما.

يا ذوي الناب والظفر ،لكم  في الغابة متسع للافتراس ،على هواكم؛ وأنتم بخفة وسرعة.

دعوا عنكم البحيرة ،لتظل بحيرة سلام ووئام ؛يرتادها العطشى فقط، وينصرفون ،الى أن يستبد بهم الظمأ فيعودون.

ونحن نسعد بالورود والصدور ،لأنه يخفف عنا وحشة العزلة والبلل الدائم .

ومع كل وفادة نطمئن الى أن الغابة بخير ،ما دام فيها من يضمأ؛ وما يضمأ غير الشبعان.

المشهد الثاني :

*لا يردُّ أعيان النمور والأسود، على هذه الدفوعات ، الا بعد مداهمات شاطئية سريعة؛ تغرز أنيابها في هذا ،وتطارد هذا ؛معربدة ،وتكاد لا تسمع لأفراس النهر شخيرا ؛وهي تكاد تتميز من الغيظ.

انتصبتْ في مكان مشرف ،وصاحت دفعة واحدة:

من خول لك ،يا أطنان اللحم والشحم ،أن تحددي لنا المواقع ،حيث نتواجد ونصطاد؟

لعلك أصبتِ بالغيرة من خفتنا ،وسرعة الفتك بفراسئنا ؛ولزومك البحيرة في الوقت الذي نسرح فيه نحن ونمرح في كل أرجاء الغابة.

هه أجيبي أيتها التلال ذات الشخير ،والعقل السفيه الصغير .

المشهد الثالث:

تتعالى جهة أفراس النهر صيحات، وزخات ماء قوية ،أرعبت كل ذوات الأجنحة القريبة، فطارت ،مُتقية مكاره قادمة .

وما هي الا برهة حتى انقضت أفراس نهرية ،كانت متربصة خلف خطوط العدو؛ وهجمت المتواجدة في الماء ،هجمة جبل واحد.

تفرقت كل الحيوانات الواردة وقتها على الماء ،شذر مذر ؛أما القردة فتسلقت الأشجار في انتظار الفرجة.

لم تتأخر طبعا ،وكانت البداية اسدا يزأر متألما في فم أحد الأفراس ،ثم شوهد نمر وهو يُطوى ويُلمملم بضربة فك واحدة.

حاولت لبؤة الهروب ،لكن صغار الطابور الخامس من الأفراس أطبقوا عليها من كل الجهات.

وكم تسلت قردة البابوان من منظر اسد ،يخبط به فرسٌ الماء خبطَ عشواء ؛فما أفاده زئيره في شيء ، حتى تحول الى كيس عائم .

ولما هدأت الأصوات صاح كبير الأفراس: كفى بالنسبة لليوم ،عدوا الحصيلة ؛والى سِباب آخر.

هربت بعض النمور والأسود الفالتة ،لا تلوي على شيء ؛بل تجرأت حتى القردة فطاردتها ضاحكة مستبشرة : خلا لك الجو فبيضي واصفري..

المشهد الرابع:

التأم شمل الأسود والنمور الهاربة ،بعيدا داخل الغابة.

تداولوا في أمر الهزيمة ،ومن أية جهة  هبت ريحها؟

أجمَعوا على أن سهوهم عن مراقبة الخطوط الخلفية هو السبب في ما أصابهم.

يقول كبير الهاربين : خِلنا الأفراس بعقول العصافير ،لكنها أبانت قتاليا عن دهاء كبير.

أغلِقت خطوطُ التراجع ،فحوصرنا ،وتعاورتنا بقوتها ،وكأنها جبال تسير.

لم تُفِد خفتنا وشجاعتنا في شيء.

الله الله على ما جرى هذا اليوم ،وسيظل تاريخا اسود تتناقله الأجيال.

صاح حكيمهم: كل هذا صحيح لكن ما العمل الآن؟

يجيبون دفعة واحدة:  لك الفتوى والفصل يا حكيمنا ؛فكيف تسألنا نحن وجلودنا تقطر دما .

طيب اسمعوا:

لا اقتراب من بحيرة الأفراس ،ابتداء من اليوم ،الى أن يقضي الله أمرا.

وفي الصباح يحمدُ القومُ السُّرى.

سمعا وطاعة حكيمَنا، ولا نسألك تبريرا ؛لأننا لو استمعنا الى توجيهاتك السلمية ،سابقا،ما حصل ما حصل .

المشهد الخامس:

توالت مقاطعة البحيرة لسنين عديدة ،وتم استبدالها ببرك أخرى لا تتواجد بها أفراس النهر.

تزامنت المقاطعة مع جفاف عظيم أصاب الغابة كلها .

أما أفراس النهر ،فبعد احتفالات صاخبة يوم النصر ،انغمست في سعادتها ،انغماسها في الماء ،ليلا ونهارا.

فرحة بالوئام الذي ساد على جنبات البحيرة ،بين الواردين والصادرين ..

لكن يوما بعد يوم تتكاثر أعدادها ؛عزوفا من الحيوانات الضعيفة  عن برك ضحلة ترتادها الأسود والنمور بكثافة.

تساءل كبير الأفراس: ألا تشعرون بتناقص مياه البحيرة يا سادة؟

نعم نعم يصيح أحدها :  بالكاد يغمر الماء ركبتي ،وقد كنت لا ألمس القاع واقفا.

يصيح آخر :ألم تلاحظوا أن الماء بدأ ينتن؟

يجيبه أحدهم: السبب يكمن في جِيف الحيوانات النافقة في أطراف البحيرة.

حتى التماسيح عافتها ،ولم تعد تقترب منها.

يصحح آخر : من سَنة الموقعة الغراء  هربت حتى التماسيح التي ظلت بجوارنا في الماء لقرون ؛لعلها توقعت أن تدور عليها الدوائر يوما ما.

يصدقه أفراس النهر شخيرا ،ورشَّ ماء.

وتوالى ورود  أعداد كبيرة من الزرافات والبقر الوحشي والأيائل.

يا للمفارقة يصيح أحد الأعيان :

السلام يُنقصُ الماء ،كما الجفاف ،ويغطي على عطر البرية با لنتانة.

يصدق الجميع على هذا الكلام ؛ويتساءلون جميعا عن الحل.

يرتقي كبيرهم عاليا ويطالبهم بالإنصات:

اسمعوا وعوا:  لا حل لما أصاب بحيرتنا ،من ضحالة ونتانة ،الا في النمور والأسود.

نترجاها أن تعود الى بحيرتنا ،ونغمض أعيننا على فتكها بمن تشاء وكيف تشاء.

لا حل الا في نقص عدد الحيوانات الواردة ، وافتراس المريض منها والتهام النافق منها.

يعم الصمت ،فتُسمع لقردة البابوان همهمةٌ ،وكأنها تحتج : أتعيدون الشر من جديد؟

يواصل كبير الأفراس شارحا :

 التوازن البيئي ضروري ،وكفاكم أنانية ونفاقا. ما أصابنا شحُّ المياه الا لأننا أردناها لأنفسنا فقط،ولضعاف الحيوانات دون ضواريها.

في حين أن الله أرادها لجميع من ورد ،وجعل غذاء الجميع في الجميع.

لا غطرسة بعد اليوم ،وارفعوا أكفكم الى السماء لتمطر ،بقدر عودة كل شيء الى حالته الطبيعية.

المشهد السادس:

بعد سفارة من زرافات حكيمة ،توسطن بين أفراس النهر والنمور والأسود ؛عاد الوضع الى ما كان عليه في البحيرة.

وكأن فرحة اللقاء أسعدت حتى السماء فأمطرت كما لم تمطر من قبل.

تفرقت الحيوانات على البرك الأخرى ،خوفا من البطش ؛ولم تواصل ورود البحيرة  الا المغامرة منها ؛أو المريضة التي لا تقوى على ورود البرك البعيدة.

قفز نمران على ظهر فرس النهر القريب ،وشرعا في رقص ودي ،ضحكت له كل الأفراس.

أما صغار الأفراس فأحاطت بأسد تمازحه حد الاستلقاء  مبتهجا لظرفها وخفتها .

وفي السماء حلقت النسور ،وهي تراقب بعيون حادة تفاصيل بحيرة السلام؛ولسان حالها يردد:

يا لها من كوميديا حيوانية ،يقول كبيرها.

ملاحظة:

كل تشابه في الأحداث ،محض صدفة لا غير.

MédiocreMoyenBienTrès bienExcellent
Loading...

Aucun commentaire

Commenter l'article

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *